|
|
مقالات - لمـاذا تكرهوننا؟ (2 - 2) - جواب أمريكي لسؤال عربي - د. حسن حنفي وفي نفس الوقت كانت صورة العرب والمسلمين صورة التركي العثماني القاهر لشعوب شرق أوروبا، العصبي المتعصب، صاحب المزاج المتقلب كما وصفتها الأدبيات الغربية في (رأسي التركي).ما زال العرب والمسلمون بكل تياراتهم الإسلامية والقومية والماركسية والليبرالية، يناهضون الصهيونية ويدافعون عن أراضي المسلمين والقدس، وفلسطين العربية وحرية شعب فلسطين وحقوق الطبقات العاملة. لم يستسلم العرب والمسلمون بعد للصهيونية طريقا للتحديث، وتنمية الموارد المادية والبشرية. ومن ثم تكرههم أمريكا لأنهم يقاومون من استسلمت أمريكا لهم. ومازالوا يفضحون الصهيونية كاستعمار استيطاني وكيان عدواني توسعي، وهي نفس صفات الاستعمار الأمريكي أمام عدو واحد مشترك، وهو العرب والمسلمون. 3 ــ ما زال العرب يمثلون إمكانية هائلة، مادية وبشرية، في المستقبل نظرا لوضعهم الجغرافي في وسط العالم. ويمثل المسلمون خمس سكان العالم أو يزيد. ينتشرون في أكبر قارتين، آسيا وأفريقيا. لديهم أكبر احتياطي نفطي في العالم. وعائدات النفط قادرة علي تنمية قارات بأكملها. والأسواق فسيحة قادرة علي استيعاب المنتجات الصناعية الأمريكية. ثقافتها مازالت حية. لم تقطع بعد مع ماضيها. دينها مازال به عناصر مقاومة العدوان ورفض جميع أشكال السيطرة والهيمنة (ولن ترضي عنك اليهود والنصاري حتي تتبع ملتهم). وسيأتي يوم يصبح العرب والمسلمون فيه قوة عالمية قادرة علي أن تحقق التوازن علي صعيد العلاقات الدولية. لا يكفي تحييد العرب، وحصار إيران، وتهديد تركيا، والتآمر علي إندونيسيا وماليزيا، واستمالة باكستان، وربط الجمهوريات الإسلامية في أواسط آسيا بأسواق التجارة العالمية مباشرة أو عبر إسرائيل بل من الضروري احتلال أراضيهم، وقد تم احتلال أفغانستان والعراق، والاستيلاء علي منابع ثروتهم النفط، والقوات الأمريكية في الكويت والبحرين علي مقربة منه. ومن ثم يجب إجهاض هذه الإمكانيات منذ البداية حتي لا تتحول إلي واقع بفعل الزمن وقانون التاريخ. لذلك من الضروري احتلال آبارهم أو الوجود بالقرب منها ووضع اليد علي عائدات نفطهم، وهجرة عقولهم، وتأييد نظمهم السياسية التسلطية، وتفتيت أوطانهم، وإلهاب ظهورهم بسوط الصهيونية. والأهم من ذلك القضاء علي ثقافتهم وإحلال ثقافة الاستهلاك محلها بدلا من ثقافة المقاومة، وجعلهم تابعين للغرب الأمريكي، ساعين وراء الحلم الأمريكي، وتطبيق النموذج الأمريكي حتي يذوب المتحدي في القطب الأوحد، وتمحي مخاطره لعقود قادمة. 4 ــ وينتشر الإسلام في أمريكا. ويمثل المسلمون يوما بعد يوم قوة ضغط قد تزيد يوما عن قوة الضغط الصهيوني. عشر الأفارقة الأمريكيين من المسلمين. وبأمريكا الآن من العرب والمسلمين المهاجرين ما يعادل عدد اليهود أو يزيد. لهم مراكز علمية مرموقة، ويحظون باحترام المجتمع الأمريكي بالرغم من مظاهر الاضطهاد الأخيرة لهم وما يعاني منه الملونون من اضطهاد بسبب لون البشرة أكثر منه بسبب الدين أو الثقافة. وقامت مؤسسات عربية وإسلامية ومراكز أبحاث بل وجامعات مؤثرة في المجتمع الأمريكي. بل ويتحول كثير من الأمريكيين البيض، (الواسب) Wasp، زبدة المجتمع الأمريكي، إلي الإسلام. هو الدين الثاني في أمريكا وأوروبا بعد المسيحية. تاريخه وآثاره وحضارته وعمرانه شاهدة عليه. فالإسلام لم يعد عربيا أو أفريقيا أو آسيويا بل أيضا أوروبيا أمريكيا يعبّر عن الثقافات المحلية قدر تعبيره عن الثقافة التوحيدية. فإذا كان الأمريكيون يعتمدون علي قوة السلاح لغزو العالمين العربي والإسلامي، فإن الإسلام يعتمد علي نسق قيمه وحضارته علي الانتشار داخل أمريكا من دون سلاح. ولا يصدق أحد ما تروّج له أجهزة الإعلام الأمريكي من ربط الإسلام بالعنف والإرهاب والتخلف والتصلب والتعصب وخرق حقوق الإنسان والمرأة والأقليات بفضل بعض المثقفين والعلماء الأمريكيين الذين يكتشفون زيف الإعلام الأمريكي، وكما كشف عن ذلك مركوز في (الإنسان ذو البعد الواحد). لقد قاوم الإسلام في أمريكا العنصرية والجريمة المنظمة والاستغلال وظهر من بين المسلمين الأمريكيين من أصل أفريقي مثل مالكولم إكس من يبعث القيم الإسلامية من وسط المستنقع الأمريكي، ويعطي الأقلية السوداء أملا في الحرية والتقدم والمساواة وتأسيس مجتمع خال من التمايز الطبقي. ويقاومون من الداخل المشروع الأمريكي الصهيوني للتوسع والهيمنة علي مقدرات العالم. 5 ــ وإذا كانت عقدة النقص الأمريكي أن الأمريكيين شعب بلا تاريخ بل مجموعة من الهجرات الأوروبية في الأربعة قرون الأخيرة بعد استئصال السكان الأصليين، فإن هذه العقدة تتجلي في تعاملهم مع الشعوب التاريخية والثقافات العريقة مثل الثقافة العربية الإسلامية. تضعها في متاحفها، وتتمني أن يكون لها تاريخ مثلها. يكره الأمريكيون الشعوب التاريخية لما تتميز به من عمق حضاري يغارون منه، ويتمنون مثله. والصين والعرب والمسلمون شعوب تاريخية. لذلك تحاول حصار الصين، وتحجيم هذا العملاق. كما تحاول احتلال أوطان العرب والمسلمين وتجزئتها وتشويه ثقافتها. إن المعابد في العراق ومصر والصين لا يمكن استيرادها وشراؤها إلا بآلاف السنين وهو ما لا تملكه أمريكا حتي لو امتلكت آلاف المليارات. لذلك تميز الأمريكيون بنقص الوعي التاريخي، وقصر النظر السياسي، وعدم التعليم من التاريخ الذي لا يعرفونه ولا يتمثلون قوانينه. يكفيهم غرور القوة وعزة الحاضر. الحاضر هو الذي يصنع الماضي عندما يصبح تاريخا. والمستقبل لا وجود له مادام الحاضر قادرا علي الاستمرار والنصر. لم تنشأ فلسفات تاريخ في الفكر الأمريكي بل نشأت فلسفات الفرد والعمل والإنجاز وعلي أقصي تقدير الفرد والعالم وليس الفرد والمجتمع للأولوية المطلقة للفرد علي الجماعة. هذه هي الأسباب الخمسة التي تكمن في الوعي الأمريكي والتي تجعل الناس يكرهون الأمريكيين. لهذا تحتاج أمريكا إلي إعادة بناء من جديد بناء علي إعلان الاستقلال والدستور وفلسفة التنوير التي قامت عليها أمريكا في بدايتها عندما استقلت عن بريطانيا وعلي أرضها قامت عصبة الأمم ثم الأمم المتحدة، إعلانا عن ميلاد حضارة إنسانية جديدة تخلت أمريكا المعاصرة عنها، وعادت إلي شريعة الغاب ومسدس راعي البقر. AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1576 --- Date 6/8/2003 جريدة (الزمان) --- العدد 1576 --- التاريخ 2003 - 8 - 6 AZP07 HSHN |