مقـــــــــــــــــــــالات - لمـاذا تكرهوننا؟ (1) - جواب أمريكي لسؤال عربي - د. حسن حنفي
وكما سأل الإعلام الأمريكي (لماذا يكرهوننا؟) موجِّها السؤال للعالم كله معبرا عنه بضمير الغائب فإننا أيضا نحن العرب والمسلمين نسأل الأمريكيين: (لماذا تكرهوننا؟) بضمير المخاطب مباشرة. والإجابة عربية أيضا عن طريق تحليل الذهن الأمريكي وتصوره للعالم، وإدراك الأمريكي لنفسه وللآخرين، والتعبير عن ذلك نيابة عنهم وإخراج ما في اللاشعور إلي الشعور.
وإذا كانت الإجابة علي السؤال الأمريكي للعالم (لماذا يكرهوننا؟) ليست دائمة ولا ثابتة لأن كراهية العالم للأمريكيين مسببة، لو تغيرت الأسباب: قوة الغرور، العدوان والهيمنة، تأييد النظم الدكتاتورية العربية والكيان الصهيوني، مناهضة حركات التحرر والتقدم ومحاولة تجزئة الوطن العربي وتفتيته، ونشر القيم والثقافة الأمريكية والحلم الأمريكي مع تشويه ثقافات الشعوب الأخري، فإن الإجابة العربية التي تعبر عن الذهن الأمريكي علي السؤال العربي (لماذا تكرهوننا؟) إجابة ثابتة. فطالما ظل الواقع العربي والإسلامي علي هذا النحو ستظل الكراهية الأمريكية للعرب والمسلمين. فالتاريخ لا يتغير، وقوانين التاريخ ثابتة. إنما الذي يتغير هو موازين القوي في العالم بين الواقع والإمكان. وإذا كانت هذه الموازين لصالح أمريكا اليوم فمن يدري في صالح من تكون في الغد (تلك الأيام نداولها بين الناس).
ويمكن أيضا إجمال الأسباب التي تدفع الأمريكيين إلي كراهية العرب والمسلمين في خمسة:
1 ــ يقدم العرب والمسلمون مشروعا مناهضا للمشروع الأمريكي الصهيوني، مشروعا للتحرر والتنمية والتقدم الطبيعي في مقابل مشروع الهيمنة والتسلط والعدوان. ويمثل المشروع العربي الإسلامي أكبر تحد للمشروع الأمريكي الصهيوني منذ الفتوحات الإسلامية الأولي حتي حركات التحرر الوطني في الستينيات وظهور المقاومة الإسلامية في لبنان وفلسطين والعراق وكشمير وأفغانستان والشيشان.
أمريكا اللاتينية أرض لاهوت التحرير وجيفارا ونظريات التنمية المستقلة والحركات الشعبية أصبحت مهدا للجريمة والمخدرات والقلاقل السياسية. (جيفارا مات) وإن كانت روحه مازالت تبعث علي الشجن، وتثير الخيال، وربما تعود الآن علي مستوي العالم كله في المظاهرات والتحركات الشعبية ضد العولمة ومنظمة التجارة العالمية ومنتدي دافوس والبنك الدولي وصندوق النقد وليس في العواصم الأوروبية وحدها. ربما تعود روح الستينيات من جديد بعد أن انتكست في العقود الثلاثة الأخيرة. فالتاريخ موجات من التحرر والمحافظة. وربما ينقلب التيار المحافظ المسيحي الصهيوني المسيطر في الإدارة الأمريكية الآن إلي ضده عودا إلي الليبرالية الأمريكية للآباء المؤسسين التي قامت أمريكا عليها قبل أن تخونها وتصبح قوة استعمارية جديدة تخلف الاستعمار الأوروبي القديم.
وأفريقيا مطحونة بالديون الخارجية والحروب الأهلية والقحط والجفاف والصراعات علي الحدود والأمراض المستعصية. مازالت روح نكروما وسكوتوري وسنجور وكنياتا وكاوندا وموجابي ومانديلا سارية فيها، ولكن الإمكانيات محدودة، والخلافات كبيرة بالرغم من (الاتحاد الأفريقي)، تنقصها الإرادة الواحدة والعمل الفعال المشترك ليكتمل الخطاب الأفريقي وإعلان النيات وصياغة الشعارات.
وشرق آسيا في اليابان والصين وكوريا الجنوبية وتايوان وهونج كونج أو في جنوبها في سنغافورة وتايلاند مشغولة بالتفوق الاقتصادي والنمو السريع والسيطرة علي الأسواق، وتؤجل ظهور (العملاق) السياسي للشرق، وتفضل تركه كامنا حتي تطمئن إلي التفوق الاقتصادي بالرغم من التآمر عليه بضرب العملة والتلاعب في الأوراق المالية في (البورصات) العالمية من أجل القضاء علي أسطورة (النمور الآسيوية) لتظل أسطورة (رامبو) الأمريكية هي الوحيدة المسيطرة علي أذهان الناس. فأخطر شيء في تحولات العالم هي الصور البديلة التي تدعو إلي إعادة النظر والاختيار.
لم تبق إلا المنطقة العربية الإسلامية التي مازالت حية تتساءل عن ماضيها وحاضرها ومستقبلها، هويتها وخصوصيتها، تاريخها وحضارتها وثقافتها، دورها في العالم. وتحاول أن تستكمل حركات تحررها الوطني من الاستعمار القديم والجديد في فلسطين والعراق. وتذكر بين الحين والآخر سبتة ومليلية، وتقاوم في أفغانستان وكشمير والشيشان، ولم تستسلم بعد. مازال عقلها يقظا بالرغم من محاولات الحصار والتهميش والتفتيت والعدوان المستمر عليها. منها يأتي التحدي للقطب الأوحد، أمريكا، لذلك تتقارب مع أوروبا التي تحاول أيضا الخروج من منطقة النفوذ الأمريكي، وتقوم بدورها التقليدي في التوازن في العالم، حول البحر الأبيض المتوسط بشاطئيه، الشمال الغربي، وجنوبه الغربي. وتريد أمريكا إجهاض هذا البديل من الآن حتي تطمئن إلي سيطرة القوة الوحيدة في العالم بلا منازع.
2 ــ وإذا كانت الصهيونية قد تغلغلت في العقل الأمريكي لأسباب تاريخية واجتماعية وثقافية فإن العرب والمسلمين مازالوا يقاومون الصهيونية، ليس فقط ككيان، فقد اعترفت بعض الأنظمة العربية به، ولكن كرؤية للعالم تقوم علي العنصرية والعدوان وإنكار وجود الآخر.
فقد هرب اليهود من الاضطهاد الأوروبي، غربا وشرقا إلي العالم الجديد بحثا عن المال والسلطان. وأسست المحافل الماسونية لذلك. فبعد سقوط غرناطة أبي اليهود التحول إلي المسيحية وغادروا إلي المغرب خاصة يحتمون بالعرب المسلمين بعد أن عاشوا معهم عصرهم الذهبي، وهرب آخرون إلي العالم الجديد. فالفرق سنتان بين سقوط غرناطة ووصول كولومبوس إلي نصف الكرة الغربي. واستمرت الهجرات اليهودية إلي أرض المعاد، أمريكا، يستوطنون فيها حتي الدولة العثمانية وقبول الهجرات اليهودية الأولي في فلسطين في بدايات القرن العشرين، ضيوفا مزارعين، قبل أن يتحولوا إلي عصابات إرهابية كبداية لتأسيس الدولة اليهودية التي تصورها هرتزل. وبلغت الذروة أثناء الحرب العالمية الثانية هربا من النازية. وساهم العلماء اليهود في بناء الصرح العلمي الصناعي الألماني، وأخذوا أموالهم وذهبهم وتعويضاتهم لاستثمارها في الأرض الموعودة، وتحولوا إلي جماعة ضغط مرة باسم المال، ومرة أخري باسم الإنسانية حماية للجماعات المضطهدة.
وما فعلوه في أمريكا فعلوه في أوروبا بالسيطرة علي جانب كبير من إعلامها ومثقفيها. فاليهودية والمسيحية دينان متكاملان. والمسيح يهودي (إسيني)، روحي أخلاقي يمثل حركة إصلاح داخل اليهودية الشرعية الشكلية التجارية المتعاونة مع الرومان في فلسطين، وبرأت اليهود من دم المسيح. وتحالفت مع القوي الاستعمارية الكبري، إنكلترا أولا قبل أمريكا ثانيا.

AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1575 --- Date 5/8/2003

جريدة (الزمان) --- العدد 1575 --- التاريخ 2003 - 8 - 5

AZP07
HSHN