مقالات - العيب في الـذات الملكية - المحرمات العربية سياسية أم شخصية؟ - د. حسن حنفي
(العيب في الذات الملكية) جريمة تعاقب عليها كل نظم الحكم الملكية قديما وحديثا وما شابهتها من نظم حكم مطلقة جمهورية أو سلطانية أو دولتية أو جماهيرية أو إماراتية. فالملك هو رأس السلطة.
له المهابة والعظمة والجلالة. التجرؤ عليه بالنقد أو النيل منه بالعيب هو إضعاف له، وبالتالي إضعاف للقانون الذي يستمد شرعيته منه، وتقويض للدولة التي تتأسس عليه، وراثة من أب عن جد أو اختيارا إلهيا أو قبليا أو عشائريا أو ثوريا. ولا فرق بين هذه النظم التي تستمد شرعيتها من البيعة الحرة للناس ومن الاختيار الطوعي للحاكم كما قال القدماء (الإمامة عقد وبيعة واختيار). بنيتها واحدة، وأساسها واحد، القمة وليس القاعدة، والأعلي وليس الأدني، وبتعبير أحد المسرحيين المعاصرين (الناس اللي فوق) وليس (الناس اللي تحت).
الذات الملكية (تابوه) مقدس لا يمكن الاقتراب منها أو حتي النظر إليها حتي لا تأخذ الناس الصاعقة. بل لا يمكن محادثتها شفاها بصوت مباشر مسموع. ولا يمكن التشبه بصفاتها. فهي وحدها (كامل الأوصاف)، الملهم الأول، والمعلم الأول، والمشرع الأول، بل والفنان الأول، أكمل البشر. وهو رئيس المدينة الفاضلة عند الفارابي، و(الإنسان الكامل) عند الصوفية، والإمام أو المهدي المنتظر عند الشيعة. وكان الملك السابق لمصر يحجز اللون الأحمر بجميع درجاته لعربات القصر دون الشعب. وقد يمتد (التابوه) الملكي وتتسع مساحته حتي يشمل السياسة كلها. فهي من المحرمات في النظم الشمولية. لا يجوز تعاطيها لأنها حكر علي السلطان، وما علي الجمهور إلا السمع والطاعة. تتسع رقعة المحرمات، فتشمل الملك وزوجه وأولاده وأقاربه وأصدقاءه ووزراءه بل وخدمه وحشمه وإماءه وما ملكت أيْمانه. (التابوه) هالة مقدسة لا يمكن لأحد أن يقترب منها وإلا احترق بنارها. لذلك قال محمد عبده بعد فشل الثورة العرابية (لعن الله ساس ويسوس). ووجّه همه للعقل والنفس، للفكر والتربية.
والذات الملكية ليست شخص الملك وحده بل هي دائرة المحرم أو المقدس التي يفترضها الذهن البشري في بدايات الوعي الإنساني عندما يعجز عن الفهم فيقدس، ولا يقدر علي التفكير فيعظّم، ويعجز عن الفعل فيؤله. ومن هذه الدائرة ينشأ الدين. وتأخذ صفات المؤلَّه نفس صفات الملك. لذلك طالما جمع الملك بين السلطتين الدينية والسياسية، ونشأ الحكم (الثيوقراطي) أيضا من هذه الوحدة بين السلطتين في كل الديانات. والخروج علي أحدهما خروج علي الاخري. وأساء الناس تفسير آية )وأطيعوا الله، وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم( ناسين المبدأ الثاني (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)، وأن أعظم شهادة قولة حق في وجه إمام ظالم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصيحة في الإسلام، والحسبة أي الرقابة علي الحكم وهي الوظيفة الرئيسية للحكومة الإسلامية.
يتحد (التابوهان) معا، ويغذّي كل منهما الآخر، التابوه السياسي والتابوه الديني كما قال الفارابي من قبل: سواء قلت الله أو النبي أو الملك أو الإمام أو الفيلسوف فإنني أعني نفس الشيء، موحدا بين السلطة الدينية والسلطة السياسية من ناحية والفكر من ناحية ثانية معتبرا إياه سلطة وليس نقدا للسلطة. فهناك حجة السلطة في مقابل حجة العقل كما يعرف المناطقة، قدماء ومحدثين.
وكما يضفي النظام السياسي هالة التعظيم والتبجيل علي الذات الملكية كذلك تضفي العواطف الدينية هالة من التقديس علي الذات الإلهية، وإطلاق الخيال لتصوره، قياسا للغائب علي الشاهد كما قال القدماء. في الشاهد صفات محدودة وفي الغائب صفات محدودة. فالله والملك يشاركان في نفس الصفات، العلم والقدرة والحياة والسمع والبصر والكلام والإرادة، ولكنها محدودة في الإنسان مطلقة في الله. صفات حقيقية في الإنسان وصفات مجازية في الله حرصا علي التنزيه كما قال ابن الأيادي من اللغويين القدماء.
والسؤال هو: أي من (التابوهين) مصدرا للآخر؟ أيهما ينشأ أولا في الذهن البشري، (التابوه) السياسي أم (التابوه الديني)؟ وإذا أراد أحد تغيير النظام الملكي إلي نظام جمهوري فبأي (التابوهين) يبدأ: السياسي مباشرة أم الديني علي نحو غير مباشر؟ هل السياسة أصل الدين أم الدين أصل السياسة؟ أليست السياسة دينا مقنعا وهي الأيديولوجية عند العلمانيين، والدين سياسة كونية وشريعة إلهية عند السلفيين؟
وكما ينظر الإنسان إلي (الذات الملكية) خارج الفهم وداخل الطاعة وينظر إلي (الذات الإلهية) قياساً للغائب علي الشاهد وداخل الترغيب والترهيب كذلك ينظر إلي داخل نفسه وفي علاقته بالآخرين في دائرة محرم ثالثة هو (الجنس). لذلك وضعت الدولة تشريعات لتنظيمه وإضفاء الشرعية علي بعض ممارساته مثل الزواج والطلاق واللاشرعية علي بعض ممارسات أخري مثل الشذوذ الجنسي والعلاقات الجنسية الحرة. وكلما زاد التحريم في السياسة وفي الدين زاد التحريم أيضا في الجنس في الثقافة الشعبية. وكما لا يمكن مشافهة الملك أو النظر إلي الله كذلك لا يمكن الاقتراب من الجنس الآخر، لمسه، فالمصافحة حرام، أو النظر إليه لضرورة غض البصر أو رؤيته لضرورة الحجاب، بالرغم من محاولات الصوفية (كشف المحجوب).
وفي معظم أدبيات العالم ترتبط هذه التابوهات الثلاثة بعضها بالبعض الآخر. ففي الأدبيات الهندية عن الجنس لا يمكن الاقتراب من زوجة الملك، وهناك طائفة تعبد الفرج رمزا للوحدة بين الدين والجنس، وفي ثقافات أخري لا يمكن الزواج من نساء النبي المتوفي أو الزوج المتوفي احتراما لذكري النبي والزوج. وفي (أولاد حارتنا) لنجيب محفوظ من ذا الذي يستطيع الاقتراب من الجبلاوي إلا من خلال ناظر الوقف؟ وماذا يستطيع (الفتوة) أن يفعل، جبل أو رفاعة أو قاسم إلا صحوة تعقبها غفوة، ونهضة يتلوها سقوط؟
والسؤال هو: هل الدعوة إلي نظرة تحررية لعلاقات المرأة بالرجل ممكنة طالما وجد التابوهان الآخران، الدين والسياسة؟ ومن أين يبدأ التحرر، من إعادة تصور الذات الإلهية وجعلها أكثر قربا للعباد، وإعادة بناء النظام السياسي علي أساس من الدستور وسيادة القانون والرقابة الإعلامية علي أجهزة الحكم أو من التحرر من الخوف النفسي والرهبة تجاه الآخر في العلاقات بين الرجل والمرأة؟ هل لابد من قتل الجبلاوي وإنهاء عصر الفتوات والبداية بالعلم كما أراد حنش؟
إن وجود (التابوه) في الثقافات الشعبية يؤصل وجود اللاعقلانية فيها. فهو سر لا يمكن فهمه أو الاقتراب منه بالتحليل والنقد. والإنسان في حاجة إلي دائرة المقدس ليشبع فيها رغبته في المجهول. هو دائرة (اللامعقول) التي منها خرجت الصوفية والإشرافية والباطنية والتأويلية. هو أقرب إلي الوجدان منه إلي العقل. يدفع الإنسان نحو المعرفة دون أن ينالها إلا بطرق لاعقلية كما هو الحال في الغنوصية.
يبعث في الإنسان عاطفتين متناقضتين، الخوف والرجاء، والهيبة والأنس، والفقد والوجد، إلي آخر ما وصف الصوفية من مقامات وأحوال. منه يأتي العلم اللدني كما يقول الغزالي. وعلاقة الإنسان به علاقة اطمئنان ورضي وتشفع وتزلف واقتراب أو خوف وقلق وارتعاش كما يقول كيركجارد. يدفع الإنسان إلي الخوف منه والرجاء فيه. وينال جزاءه قدر الابتعاد عنه أو القرب منه. الشعائر والطقوس ومظاهر العبادة طريق إليه. هو مصدر الترغيب والترهيب، والنعيم والعذاب، والوعد والوعيد، والجنة والنار.
ولا يملك الإنسان تجاهه إلا الطاعة والرضي دون عصيان أو غضب. كل شيء يقع في الدنيا فبإرادته. لذلك لا يجوز الاعتراض عليه بل وقبول كل شيء منه علي أنه امتحان واختبار وبلاء. الفرج بعد الشدة، والفوز بعد الصبر. الطاعة هو السلوك الأمثل، طاعة الله، وطاعة الحاكم، وطاعة الرئيس وطاعة الإمام، وطاعة الوالدين. الرفض والاحتجاج والتمرد من أفعال الشيطان. لذلك روي إقبال في (جواب شكوي) حوارا متخيلا: (سألني الله يوما هل يعجبك العالم؟ قلت لا. قال: إذن غيّره). لم يغضب الله من الاحتجاج والاعتراض والرفض. بل قبل اعتراض إبليس علي السجود لآدم وحاوره، واستجاب لمطلبه )قال انظرني، قال إنك من المنظرين(. طلب إبليس الزمان وأعطاه الله له كي يبدأ التحدي. فالإنسان مركز الكون، مكّرم في الأرض )ولقد كرمنا بني آدم في البر والبحر(. وعليه أن يثبت ذلك بالفعل دفاعا عن ملكوته وكرامته بالسعي في الأرض والكدح فيها.
وهذا (التابوه) لا يقضي فقط علي العقل والعقلانية بل هو مصدر التخلف والعشوائية والاضطراب في الحياة اليومية. فلم تعد الحياة يحكمها قانون لأنها سر لا يمكن فهمه ولا السيطرة عليه إلا بالسحر والطلسمات وتقديم القرابين وفروض الولاء والطاعة. النظام السياسي دعامته إرادة الملك إن شاء حربا فحرب، وإن شاء سلما فسلم. إن أراد اشتراكية كانت، وإن غيرها إلي رأسمالية تكون. إن رغب عروبة فالناس عرب، وإن كفر بها وجعلها قطرية فالناس أقطار.
وتصور الذات الإلهية كذلك، )إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون(. ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. وتلك هي المعركة الرئيسية بين الغزالي في (تهافت الفلاسفة) وابن رشد في (تهافت التهافت). يريد الغزالي أن يعطي الأولوية للإرادة علي الحكمة، لا فرق بين إرادة الله وإرادة السلطان، ويريد ابن رشد العكس، أن يعطي الأولوية للحكمة علي الإرادة حتي يستطيع الإنسان أن يعيش في العالم ويثق في قوانينه، يكتشفها بعقل ويسيطر عليها بإرادته كما يفعل الغرب الحديث.
لذلك شخصنا المؤسسات، وسُميت الدول بأسماء مؤسسيها، والإدارات برؤسائها. وشخصنا العالم أيضا في خالقه. ورددنا الفعل إلي الفاعل، والنصر إلي المنتصر، ودورات التاريخ إلي أسماء ملوكها وأسرها الحاكمة. كل شيء يحدث في العالم بتقدير منه، وبتوجيهات السيد الرئيس. ولا شيء يحدث بفعل العقل أو طبقا للواقع أو قانون التاريخ.
فهل نستطيع أن نلغي قوانين (العيب في الذات الملكية) حتي يتحرر العقل وتنشط الإرادة؟ هل تستطيع الذات العربية التحرر من الرهبة والخوف إلي الثقة بالنفس، وأن يتغير سلوكها من الطاعة العمياء إلي المراجعة والنقد والحساب؟ هل يستطيع الوجدان العربي أن يقلب الهرم حتي تصبح قمته في الأرض وقاعدته في السماء؟

AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1566 --- Date 26/7/2003

جريدة (الزمان) --- العدد 1566 --- التاريخ 2003 - 7 - 26

AZP07
HSHN