|
|
ضفاف - دكتاتورية المباهج والأحزان ـ نبيل سليمانيشبّه عزت القمحاوي فندقاً مغربياً نزل فيه ضيفاً ذات مرة، بمتاهة بورخيسية. وفي كتابه (الأيك في المباهج والأحزان) يشبّه القمحاوي أيضاً بالسجون فنادقَ النجوم الخمسة التي تستضيف الروائيين ـ ليس الروائيون وحدهم ــ في المؤتمرات والندوات، ويسم تلك الفنادق بمستعمرات الخفة، حيث لا يضحي ضيف بمصادفة مغامرة عاطفية. وقد عشت مثل هذا الذي يرويه القمحاوي مرتين، ولكني لم أكن في أي منهما ضيفاً. ففي زيارة شخصية للجزائر في نهاية ثمانينيات القرن الماضي، وطدت العزم علي النزول في فندق قبل أن أتصل بأي صديق، لتكون المفاجأة اكبر وأحلي. وانطلقت من المطار إلي أوتيل سفير معتداً بحقيبتي الثقيلة، وبحافظة نقودي الأثقل، فصدني الأوتيل حتي أشفق عليّ نادل وخصني بسريره في زاوية تقصر عن السرير، وسوّرني بالتحذير من أن ينكشف أمره وأمري، فتلبّسني السجن والسجين، وبتّ أفكر في الحمام وفي الطعام. وفي الغداة كان عليّ أن أتسلل، وأن أستجدي مأوي، كان أخيراً في فندق بالغ التواضع، لا ينطق قيومه العجوز الأمازيغي بكلمة عربية، فبتّ ليلة أخري متلبساً السجين والسجن، أفكر في الحمام والطعام، حتي إذا رماني صباحاً في الشارع، صعقني أني نسيت هاتف أو عنوان أي صديق، واندفعت إلي أول مكتب للطيران أستجدي العودة. وفي الكويت، عشية حرب الخليج الثانية، نزلت في صقع من أصقاع شاطئ المسيلة، وتهت مثل توهان القمحاوي في المتاهة المغربية البورخيسة، وخبت أكبر من خيبته في مغامرة عاطفية. وكنت قبل ذلك، وبخاصة بعده، قد عرفت ما عرفت من مستعمرات الخفة وسجون فنادق النجوم الخمسة، وكنت أيضاً قد عرفت كثيرين ـ كثيرين جداً ـ ممن قضوا في سجن (خمس نجوم) سنة أو سنتين أو خمساً علي الأكثر من سنوات سجنهم العشر أو الخمس عشرة (وزيادة)، والتي أمضوها في سجون ما قبل التاريخ، حتي أجدت نداءات منظمات حقوق الإنسان. ولكن كان عليّ أن أنتظر كتاب (الأيك في المباهج والأحزان) لأري وأسمع كل ذلك، علي غير ما رأيت وسمعت، إذ قرأت في فصل (مصايد الوحشة) عن الدكتاتورية وفنادق النجوم الخمسة: (ولو أن هناك دكتاتورياً حصيفاً لبني لمعارضه عدداً من تلك الفنادق بدلاً من السجون سيئة السمعة والمدانة من قبل منظمات حقوق الإنسان، لكن لسوء الحظ أن هذا الدكتاتور غير موجود، لأنه لو تمتع بالحصافة ما بقي دكتاتور أصلاً، ولهذا تجري الأمور دائماً علي نحو واحد: الدكتاتور يدفع بعض الناس إلي السجون، بينما يذهب البعض الآخر بمحض إرادتهم إلي الفنادق الفاخرة التي لا تختلف عن السجون إلا بافتقارها للجلاد). بعد الدكتاتورية الحصيفة، أي الدكتاتورية المستحيلة، يرمي عزت القمحاوي القارئ والقارئة بالدكتاتورية البسيطة، حيث تأتلف المختلفات من الديمقراطية المشكوك بأمرها إلي البدائية. ويميز القمحاوي هذه الدكتاتورية البسيطة عن الدكتاتورية الشمولية التي لم تنجز أي شكل من أشكال التحرر الاجتماعي والسياسي. ويفصل القمحاوي هنا في تعاضد المنظومتين السياسية والاجتماعية في إنجاز القمع، مما دعوته مراراً بالحلف غير المقدس بين السلطان الاجتماعي والسلطان السياسي، حيث يخصص الدكتاتور جزءاً من وقته (لإقناع المؤمنين بطاعة أولي الأمر، في تبادل صامت للمصالح). ومن بعد يدقق القمحاوي في الفرق الحاسم بين التابع والمتبوع في المنظومة الدكتاتورية، حيث يمارس صاحب السلطة المطلق دوره طوال اليوم (بينما يمارسه التابعون في الوحدات الأصغر علي مستوي دوائر فعاليتهم، أو قريباً منها فقط، ويضطرون إلي التصرف كرعايا يحنون الظهر، ويبدون التواضع أمامه وأمام سلطات أعلي وأبعد عن دائرة نفوذهم). وهي إذن دكتاتورية التابع، وليست فقط دكتاتورية المتبوع، والتي سيردفها القمحاوي بالدكتاتورية الجديدة: دكتاتورية الصورة، كما سيردف بما بين الولايات المتحدة وأية دكتاتورية، بقوله: (ويكفي تأمل تاريخ الولايات المتحدة في رعاية أنظمة دكتاتورية لا يتم الحديث عن شرورها إلا في لحظات الشك بولائها، إلي أن تتم تسوية الأمر بمقايضة بين مزيد من العمالة بمزيد الصمت). ومن بعد أو من قبل يتقري القمحاوي ما بين الدكتاتورية والعقل، وما بين الدكتاتورية والجسد. ففي المتاهة الدكتاتورية، لم تزل حية الدكتاتوريات العسكرية والدينية في نصف الكرة الجنوبي (بفضل التنظيم الذي أرساه العقل، والمعدات التي أنتجها، والتي جعلت من الضبط والسيطرة علي الإنسان أمراً أكثر يسراً). وفي المتاهة الدكتاتورية يقوم الاختلاف بين جسد القاهر وجسد المقهور. ومن أجل ذلك يعود القمحاوي إلي ثنائيات تشيخوف بين الهزال والسمنة في الجسدين، كما يعود إلي دوستويفسكي في روايته (مذلون مهانون)، ثم يكتب: (وعلي الرغم من أن عالم النصف الثاني من القرن العشرين شهد ميلاد عشرات الدكتاتوريات في البلدان التي تخلي عنها الاستعمار، إلا أن ضلال الواقعية والاشتراكية حوّل نظر الكتّاب عن سمنة أعضاء اللجنة المركزية وأعضاء مجالس الثورات وعن هزال الرعية من أجل خدمة هدف نبيل واحد: (تمجيد البطل الإيجابي). لذلك تبدو رواية صنع الله إبراهيم (تلك الرائحة) فاتحة لون جديد من ألوان الكتابة العربية ينتبه إلي التضاد بين جسم الرعية المنهَك المنتهَك، وجسد السلطة، أي سلطة). من الدكتاتورية الحصيفة المستحيلة إذن، إلي الدكتاتورية البسيطة، إلي الدكتاتورية الشمولية، إلي دكتاتورية التابع، إلي الدكتاتوريات العسكرية والدينية، إلي دكتاتورية السمنة، إلي دكتاتورية الصورة، حسب المواطن والمواطنة أن يرددا: لا حول ولا قوة إلا بالله، وبخاصة أن الولايات المتحدة الأمريكية تتربع علي رأس كل دكتاتورية من دكتاتوريات المباهج والأحزان، ومن سواها. AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1552 --- Date 11-10 /7/2003 جريدة (الزمان) --- العدد 1551 --- التاريخ 2003 - 7 - 10 -11 AZP09 AYMK NBSL |