|
|
ضفاف - علي لائحة الانتظار - نبيل سليمان هذا صحفي فلسطيني قضي في السجون الإسرائيلية عشر سنوات، ثم أُبعد منذ عشرات سنوات، فيمم إلي القاهرة قبل أن تضيق به كأي صدر عربي يضيق بالفلسطيني، فمضي الرجل إلي باريس، يتقلب علي جمر المنفي وينتظر (غودوت) العودة إلي قبور أشقائه الثلاثة، وإلي أمه وولديه وزوجته التي نافس عليها قريبها وليد البدري، فظل يكيد له حتي كان الإبعاد. إنه (جمال) راوية رواية فارس الحاج جمعة (علي لائحة الانتظار) وشخصيتها المحورية، والذي ستجمعه باريس بأشباهه من الفلسطينين (الصحفي أبو المجد والمراسل الإذاعي صلاح والدكتور زياد الموظف في منظمة حقوق الإنسان والدكتور في العلوم السياسية..) ومن غير الفلسطينين، وما أكثر أولاء: التونسي فتحي والجزائري كريم والمصري مسيو حنين والبولوني رودي والجنوب إفريقي بوب والكوبية مدام خوسيه... ومعهم من الفرنسيين العنصري جان ونقيضه المستشرق سيبستيان وماري التي سيظل جمال يترجح بين عشقها وبين ما تستشيره من ذكريات زوجته، حتي يصحو علي زواج سيبستيان وماري، وينهض مما يسميه بنزعته الشرقية لامتلاكها وحده دون مشاركة أحد، إلي أفق صداقتها وصداقة زوجها. بذاكرة جمال ــ بخاصة ــ تنبني الرواية، فإذا بها فعل استرجاع غالب، وشريط لا يفتأ يلتف إلي الوراء، وأثناء ذلك تزدحم نتف العيش في باريس. فالرواية تكرر اللعبة التقليدية التي تبدأ من النهاية، عندما يكون جمال في طريقه إلي تونس، حيث الاستعداد الفلسطيني للعودة إلي غزة ــ وليس إلي مسقط رأسه: يافا ـ بفضل اتفاقات أوسلو. علي إيقاع الانتفاضة الأولي تسيل ذكريات جمال ومروان وأبو المجد وسامح، ويستعاد الماضي من فلسطين الداخل إلي فلسطين الشتات (زيادم قادم من لبنان). ومع إيقاع الانتفاضة يشتبك إيقاع الجحيم الجزائري، والإيقاع العنصري في باريس، وإيقاع العولمة وانهيار الاتحاد السوفياتي، وإيقاع حرب الخليج الأولي، وإيقاع المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية.. وفي ذلك كله يبدو جمال تلك الشخصية الروائية المقدودة من حجر معصوم لا يخطئ، تحق فيه تهمة صحبه له بـ (التشكي الإنشائي الحزين) الذي سيغرق الرواية بسيل المجازات البهية والتشبيهات الفريدة والساخرة. والمفارقة هنا أن شخصيات الرواية الأخري،تنجو بقدر أو بآخر من هذه العلة في بناء الشخصية المحورية جمال. بل إن بعضها يخرج من أسر الأمثولة في الشخصية المحورية، كشخصية البولوني رودي الذي ستتطور شخصيته إلي أن يبرأ من عنصريته بزواجه من جوزفين، وإن يكن المفصل الحاسم في هذا التطور غير مقنع، وهو تآمر فتحي مع جوزفين والغياب لليلة ستقلب عنصرية رودي بخطر فقدان جوزفين، وباكتشافه نبالة فتحي والمؤامرة التي ابتغت إفاقته من غيه. أما شخصية فتحي نفسه فلعلها أكثر الشخصيات خلاصاً من سطوة الشخصية المحورية التي فرضت لغتها علي الرواية، فحرمت سواها من أن يكون له صوته الخاص، إلا نادراً. وقد يكفي للتدليل علي ذلك الرسائل التي يتلقاها جمال من زوجته وابنه، وتبدو مكتوبة بلغة جمال نفسه.. واللافت هنا أن النفس القصير هو ما يطغي، سواء في مواطن السرد أم في حوارات الشخصيات، وأن الخطابية لا تفتأ تنتأ، سواء تعلقت بالانتفاضة أم بالغربة أن بالعنصرية أم بموت والدة جمال أم بنبأ طلاق زوجته له غيابياً.. وكما هو غالب في الروايات التي يكون فضاء الآخر فضاءها، نري في رواية (علي لائحة الانتظار) اعتزاز جمال بشرقيته بقدر انتقاده لشرقية سواه. فالعرفان بالجميل لا يهدره أبناء الصحراء، كما يزعم، وفي الآن نفسه: الشرقيون لا يجيدون حراسة التاريخ. وإذا كان هذا البطل قد رغب بامتلاك ماري، فهو يضرب صديقه فتحي كرمي لسوزي "حين يتعلق الأمر بزهرة مختومة فالأمر يستحق المجازفة بصداقة فتحي". أما الخلاصة فهي وقفة الشرق والغرب بين قلق المدينة الباردة وقلق الحضارة الدافئ. والأمر كذلك، ربما بدت الرواية معرضاً للفرص الضائعة، كالعلاقة التي تنبتر بين صلاح واليهودية، أو كمشاركة ماري لأصدقائها المسلمين صيام رمضان، أو كجولة جمال وفتحي في باريس الأخري: البيجال والسان دونيز... وبالطبع، لا يعني ذلك إغفال اللحظات الروائية الملتمعة الوفيرة، كمعرض الرسام الفلسطيني سامح واغتياله، أو انتحار كريستيان، أو العرض المسرحي الذي حضره فتحي وجمال، أو الحفل الذي أقامته ماري وراقص فيه فتحي إحداهن، داعياً جمال إلي أن يتولي أمر السمكة ـ الفتاة الأخري (إنها جاهزة للشواء).. لقد سبق آخرون إلي الكتابة عن الانتفاضة الفلسطينية الأولي، كسحر خليفة في رواية (باب الساحة) وأحمد حرب في رواية (الجانب الآخر من الميعاد) وسواهما، كما سبق إلي ما عرف بالرواية الحضارية، أي رواية النحن والآخر، وحيث يكون الفضاء باريس و/ أو جنيف، كما في رواية (علي لائحة الانتظار) أو غير فرنسا وسويسرا في غمر من الروايات العربية الأخري. ولئن كانت رواية فارس الحاج جمعة تبدو متواضعة في هذا السياق، فلعل الأهم هو أنها باكورة صاحبها التي تعلن عن كاتب جديد، وهي التي فازت بجائزة دار الفكر للإبداع والنقد الأدبي (دمشق ــ 2002) في دورتها الخامسة. ولعل في هذه الزاوية ـ الإضاءة السريعة للرواية، تحية لكاتبها ـ عكس المألوف من التهليل ـ وتحية للدار التي تتوج عشرات السنين من عمرها بفعل ثقافي أرقي وأقوي، سواء في منشوراتها أم في مهرجانها السنوي أم في جائزتها أم في خطوتها الالكترونية العتيدة. AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1547 --- Date 3-4/7/2003 جريدة (الزمان) --- العدد 1547 --- التاريخ 2003 - 7 - 4/3 AZP09 AYMK NBSL |