ضفاف - التناسخات الروائية للدكتاتور العربي - نبيل سليمان
من جيل القدر في زمن ما بعد قيام إسرائيل، وفي بلاد تتوزع بين عربستان 48 وعربستان 49 وعربستان 50 وعربستان 60 وخليجعربستان، يطلع علينا نزيل العصفورية في رواية غازي القصيبي (العصفورية 1999). ويقدم النزيل نفسه قائلاً: (أنا البروفيسور الشاعر الروائي القاص الفيلسوف رجل الدولة المفكر عالم الاجتماع المنتج السينمائي الثري). وبشوري مركز التفكير الذي أطلقه البروفيسور، يأخذ فيقنع الـ(سي. آي. إيه). والـ(كي. جي. بي) بأن تسلم العسكر للسلطة في تلك البلاد التي لا تعيّنها الرواية، هو سبيل الصلح مع إسرائيل، ولذلك يموّل البروفيسور بنصف مليار دولار الانقلاب في عربستان 48 علي يد الرائد صلاح الدين المنصور: رجل الساعة ورجل القدر الذكي الوسيم الشاب المتدين، والذي ينطوي علي شيء من الهوس وعلي موهبة نادرة في العمل الاستخبارائي، ويعتبر البروفيسور الأب الروحي للثورة ــ لم يعد أحد يسمي الانقلاب انقلاباً ــ ويخطط لإقامة نظام برلماني حقيقي وللقضاء علي الفساد وتفاوت الثروات وسحق الأمية. وبعد الانقلاب ينتقل المنصور من رئيس المجلس الانتقالي إلي رئيس الجمهورية، فيما يغادر البروفيسور البلاد حتي يدعوه المنصور إلي زيارتها بعد ثلاث سنين، فإذ بشارع المطار يحمل اسم المنصور، وكل الفنادق أيضاً، وإذا للمنصور استراحة صحراوية هي قصور في هيئة خيام، وفي قاعة الشعب العظمي منها استقبل المنصور البروفيسور، وسلمه شيكاً بثلاثة أرباع المليار دولار، بدلاً مما مول به الانقلاب، وأكد له أن الإصلاحات التي كانا يحلمان بها قد تحققت جميعاً. لكن البروفيسور ينقل مما سمع من الناس أن الضباط أصبحوا الطبقة المستغلة الجديدة، وأن الأموال المصادرة وضعت تحت تصرفهم، وأنهم يملأون المجلس الأول من مجلسي البرلمان، وأقاربهم يملؤون المجلس الثاني، وأن المعتقلات تضيق بعشرات الآلاف، وأن أجهزة القمع تضع إصبعها في كل مكان. وينقل البروفيسور أيضاً أن الناس (يقولون إن الحرية معدومة، ويقولون إن فخامة الرئيس يملك كل شيء في البلاد). لكن الدكتاتور يرد أن القصور للشعب، وليست مسجلة باسمه، ولن يرثها أولاده من بعده، والشعب هو الذي أصر علي منحها له ليقيم فيها مؤقتاً، فيخاطبه البروفيسور: (تتمتعون بقدر من الرفاهية نيابة عن الشعب المحروم وباسمه)، ويتابع الدكتاتور: (تستطيع أن تقول إن الشعب يسكن هنا. تستطيع أن تقول إنني تحولت إلي رمز للشعب. تستطيع أن تقول إني أجسّد الشعب). أما الفنادق ــ تتوالي أسئلة البروفيسور وأجوبة الدكتاتور ــ فهي ملك مؤسسة المنصور الإنسانية التي يملكها الشعب، والشعب هو الذي أصرّ علي أن يكون الدكتاتور رئيساً فخرياً للمؤسسة، وعلي أن تحمل اسمه. أما تدمير إسرائيل، فيأتي حديثه في العشاء بحضور الفريق عقبة النافعي وزير الدفاع والفريق نبيه العاقل وزير الاقتصاد والتخطيط والفريق حازم اليقظان وزير الداخلية والفريق مناور المكري وزير الخارجية. ويعلن الفرقاء الوزراء جاهزية تدمير إسرائيل، لولا أنه يُكتشف كل يوم في البلاد شبكة إرهابية تمولها عربستان 49، وأخري تمولها عربستان 50، وللدولتين حشود علي الحدود، وحكامهما عملاء إسرائيل، لذلك فكر المنصور في غزوهما. ولأن سفك الدم العربي حرام، قرر تغيير النظامين العدويين بالسلاح الاقتصادي، حيث يستقطب اليد العاملة فيهما، لتخلو منها بعد عشر سنين، وها هنا ينفجر البروفيسور: (علي من تضحكون؟ عليّ؟ أو علي أنفسكم، أو علي الشعب الحمار الذي يسمح لكم بمص دمه؟ تسرقون وتنهبون وتبطشون وتدعون أنكم قضيتم علي السرقة والاستغلال والدكتاتورية؟).
جزاء ذلك يُسجن البروفيسور زمناً يستدعيه بعده المنصور، ويستعيد منه الشك ذا الثلاثة أرباع مليار دولار، ويشكو له البشر، فهو يعيّن الصالح فإذا به يتحول إلي الطالح، لذلك قرر أن يكون البروفيسور (المعيّن العام)، فلا يعين أحد في عربستان إلاه، وبدأت الرشاوي تمطر عليه.
في السجن كان البروفيسور قد التقي برهان سرور أحد مؤسسي حزب الانطلاقة في عربستان 49. أما تهمته في عربستان 48 فهي التحريض علي قلب نظام الحكم. وهذا المناضل الشاب يصدع السجن والبروفيسور بالسخرية من العسكر والحكم العسكري، ويرسم الخلاص علي يد حزبه الذي يؤمن بالحرية والعدالة، ويسعي إلي الوحدة العربية، ويعرف الطريق إلي فلسطين. وسيطلب البروفيسور من المنصور إطلاق سراح برهان سرور مقابل خمسين مليون دولار، بعد أن امتلأت المخازن بالرشاوي، فتبرع بها لمؤسسة المنصور الإنسانية، وغادر إلي ريودي جانيرو، حيث يمّول ثورة برهان سرور في عربستان 49 بنصف مليار دولار.
بعد النصر رفض سرور رئاسة الدولة وأي منصب، وجرت انتخابات أنتجت الجمعية التأسيسية التي ستضع الدستور. وعاد البروفيسور ليشغل الوزارة التي ابتدعها له سرور: وزارة الشئون الهامة التي تضم وزارات الخدمات، ولا تقل أهمية عن رئاسة الوزراء. ولإصلاح البيروقراطية، اتبع أسلوب دكي المكار، أي أسلوب (تغدا بهم قبل أن يتعشوا بك) وشكل واحداً وخمسين لجنة، منها لجنة تصوير الوزير ولجنة توزيع صوره ولجنة بث أخباره ولجنة شراء كتبه ولجنة مراقبة أعدائه ولجنة خطبه ولجنة إرضاء أقاربه.. ولُقِّب بالفتاحة. فيما ظل حزب الانطلاقة في الظل، وظل برهان سرور مثل الشبح يهرب من السلطة، انفجر مخّ البروفيسور بفعل البيروقراطية والإصلاح، فسافر إلي أمريكا حيث زرعوا له مخاً جديداً، وصار يفكر في الانتقام من البيروقراطية، فرأي نفسه فيما يري النائم الحالم ــ دكتاتوراً في بلد من بلدان الآي آي، يتخذ قرارين دكتاتوريين تاريخيين، أولهما يحكم علي كل بيروقراطي أن يتخلص من 60 كغ من وزنه خلال شهر واحد، وإلا أعدم. وسرعان ما جاءه وزير التصفيات الدموية بالغ النحول حتي لا يكاد يُري، ومثله وزير المحاكمات العادلة الدموية، وهكذا ضاعف القرار الأول من نشاط البيروقراطيين. أما القرار التاريخي الثاني فيقضي بإعدام نصف مليون مرتشٍ. ولأن الوسيلة أعجزت الدكتاتور قرر الإعدام بيده (ألف مرتشٍ في اليوم وتنتهي الحفلة في 500 يوم)، وسمّي منطقة التنفيذ بساحة أم الإعدامات ــ أليس هذا تيمناً بأم المعارك؟ ــ غير أن المرتشي الأول أعلن أمنيته الأخيرة في رفع الغطاء عن عينيه (ليكون آخر وجه قبل موتي هو وجه حبيبي وسيدي وقائدي المظفر) فأطلقه الدكتاتور البروفيسور، وتوالت أماني المرتشين: واحد يقبل وجه القائد والآخر ركبتيه والتالي حذاءه.. لذلك عفا عن الجميع، وأمر لكل منهم بوسام الرشوة الوطنية من الدرجة الثانية، وسمي الساحة (أم الأوسمة). ولكي تعبر البيروقراطية عن ولائها أطلقت علي الدكتاتور البروفيسور في حلمه ألف لقب ولقب: ندي الفجر، زئير العلياء، فجر الحكمة، صوت السنوات الضوئية، سلطان الظلام، شؤبوب المكارم.. ومن ذلك أيضاً عنوانات روايات: مسك الغزال، نزيف الحجر.. وهكذا بدأ البروفيسور الحالم يشفق علي أي دكتاتور، لأنه يتعذب في سبيل الأمة، ويكتم آلامه. وبعد التعاطف يبدأ البروفسور يتقمص شخصية الدكتاتور الفتي الذي لم يدخل مدرسة في حياته، ويجلس في الصحراء لتنهال عليه الفيوضات، ويؤلف كتباً خضراء وزرقاء وقرمزية.. ثم تقمص البروفيسور شخصية الدكتاتور الشيخ الفاني التقي النقي الطاهر الورع الذي لا يسفك سوي الدم الحلال، دم المفسدين في الأرض والمنافقين. وأخيراً يتقمص البروفيسور شخصية الدكتاتور العصامي: الحجاج.
ويُدعي الحالم إلي عربستان 49، فيلبي، وإذا بالمفاجآت: ففي كل قاعة من قاعات المطار الذي لم يتبدل، تمثال هائل للأمين العام للحزب برهان سرور يمد ذراعيه، لكأنه شخصياً يحتضن كل القادمين. وفي بهو الفندق هو ذا تمثال هائل آخر للأمين العام، وفي الشوارع هي ذي الجداريات: صورة للأمين العام بحجم العمارة علي كل عمارة.
لقد أنجز الدكتاتور أمره، فشكّل مجلس قيادة من حزبه، وصار هو رئيس الدولة ووزير الدفاع ووزير الداخلية ووزير الخارجية. وتحول الحزب إلي نسخة من الحزب الشيوعي السيوفاتي أيام عنفوانه، فحظر العمل السياسي خارج حزب الانطلاقة، وأعدم الآلاف، واكتظت السجون، وكل هذا في أقل من سنتين. في بيته القديم الصغير ــ حيث يحتل الحراس المنازل المجاورة ــ استقبل الدكتاتور البروفيسور، وأعدت زوجته الماجدة الطعام للضيف بنفسها. ولم يغضب المضيف من مصارحة ضيفه، كما غضب صلاح الدين المنصور الذي يتآمر علي عربستان 49، وهذا ما جعل برهان سرور يستلم وزارة الداخلية، كما جعله انحراف الضباط بعد الثورة يستلم وزارة الدفاع.. ولكن المناصب شكليات مؤقتة ــ يقول سرور ــ والتماثيل صيغة قبيحة من عبادة الفرد، يلجأ إليها عضو الحزب الذي لا يستطيع إقامة تمثال لنفسه، فيقيم تمثالاً لسرور، ليحكم من خلاله. وقد شكل سرور خلية في الحزب لإزالة التماثيل رويداً، كي لا تتوهم الجماهير أن انقلاباً أودي بالثورة.
وكما جري للبروفيسور في عربستان 49، يقوده إلي السجن ستة كل واحد منهم نسخة من برهان سرور، كما هو مدير السجن، وحيث تزدحم مؤلفات الدكتاتور: ديمقراطية لا أوتوقراطية ــ الثورة وشروط النهضة ــ سيبقي الشعب سيدي ــ الحب الثوري ــ إسرائيل ذئب من ورق. وأخيراً، قضت محكمة أمن الدولة الاستثنائية بإعدام المتهم (بشار الغول) الشهير بالبروفيسور، بعدما ثبت تآمره علي الأمين العام والنظام الثوري.
لقد أنقذ الفضائيون ــ الجن البروفيسور الذي التقي في السجن بضياء المهتدي مؤسس حزب النور في عربستان 50، والذي سيتناسخ فيه الدكتاتور الإسلامي، كما تناسخ الدكتاتور القومي في المنصور وسرور. فإذا صحّ بعد ذلك ادعاء موشيه بن نمرود بن عادياء ــ رئيس الموساد السابق ــ بصداقة كل دكتاتور، فلن يكون للقارئ إلا أن يردد: لا حول ولا قوة إلا بالله!
E-mail:soleman@scs-net.org

AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1541 --- Date 26-27/6/2003

جريدة (الزمان) --- العدد 1541 --- التاريخ 2003 - 6 - 27/26

AZP09
AYMK
NBSL