مقالات - أزمة الحرية والديمقراطية في المجتمع والدولة - هل يستطيع المثقف أن يكون جسراً
بين الحاكم والمحكوم؟ - د. حسن حنفي
إذا كان عصر الاستقطاب قد انتهي بين الشرق والغرب بانتهاء الحرب الباردة فقد بدأ بين الحاكم والمحكوم في عصر القطب الواحد بين الشمال والجنوب. وإذا كان الشرق في النهاية علي الأقل الشرق الأوروبي قد أصبح جزءا من الغرب بعد حل حلف وارسو لصالح حلف شمال الأطلنطي فإن البون مازال شاسعا بين الحاكم والمحكوم في الجنوب خاصة في الوطن العربي حيث تتفاقم أزمة الحرية والديمقراطية في المجتمع والدولة لدرجة الانقضاض عليها كما حدث في العراق.
والمثقف هو الواعي بالثقافة. والثقافة هي الوعي بالعالم. فالثقافة ليست مجرد معرفة نظرية بالعالم ولا مجرد التزام عملي بقضاياه لكنها هي الوعي النظري بالواقع العملي. هي الرباط بين النظر والعمل، والجمع بين هموم الفكر وهموم الوطن.
وفرق بين المفكر والمثقف. فالمفكر هو الذي يقوم بالتحليل النظري لما يعرض له من موضوعات كي يقدم المعرفة النظرية الأولي به. مهمته المعرفة. فإذا ما التزم بها وعمل علي تحقيقها وناضل في سبيلها فهو المثقف. فالمثقف أكثر التزاما بالواقع من المفكر. وقد يبقي المثقف علي مستوي الخطاب، خطاب المثقفين المغلق علي ذاته والذي لا ينتج عن ممارسة عملية فيما يسمي بأزمة المثقفين. وقد يخرج الفكر عن نطاق الفهم والتحليل إلي الالتزام بتحديات العصر
المثقف هو بالضرورة المثقف العضوي الذي يجعل الثقافة لديه نظرا وعملا، فهما للعالم وتغييرا له، معرفة وسلوكا. هو المثقف الملتزم بأدبيات العصر والذي يعرف قوانين التاريخ وطبيعة الواقع. يد مع السلطة، ويد مع الشعب، من أجل تقريب المسافة بينهما، وتجاوز الخصام الوطني إلي المصالحة الوطنية، وتجاوز الخلاف علي السلطة إلي الاتفاق في الوطن.

الهوة بين الحاكم والمحكوم
وهو السؤال نفسه بالنسبة للثقافة: هل تستطيع الثقافة أن تردم الهوة بين الحاكم والمحكوم؟ فكلاهما ينتسبان لثقافة واحدة ذات وجهين. ينتسب الحاكم إلي ثقافة السلطة، وينتسب المحكوم إلي ثقافة المعارضة. هل يستطيع الحوار بين الثقافتين أن يقرّب المسافة بين الحاكم والمحكوم؟ إن الذي يحكم في الحقيقة ليست هي السلطة التنفيذية بل سلطة الثقافة التي ينتسب إليها كل من الحاكم والمحكوم.
وهناك ثلاثة مواقف تظهر في سلوك المثقف بالنسبة لعلاقته بالسلطة. الأول مثقف السلطة وهو فقيه السلطان الذي يبرر قراراته، ويشرّع لسلطانه، ويزيّن مواقفه، ويثني علي إنجازاته، ويلهث وراءه. والسلطان يعرف أنه ينافقه ولكن في حاجة إليه من أجل إيهام الشعب وخداع العالم بل وإيهام نفسه بأنه أبو الأبطال، وزينة الرجال، وعالم العلماء، وحكيم الحكماء، والأخ القائد، والزعيم الخالد. فإذا تغيرت الموازين علي الساحتين المحلية والدولية، وغير السلطان قراراته، وبدّل سياسته، من الاشتراكية إلي الرأسمالية، ومن العروبة إلي القطرية، ومن مقاومة العدو الصهيوني إلي الاعتراف به والصلح معه، ومن مقاومة الاستعمار إلي التحالف معه والاعتماد عليه غيّر فقيه السلطان أيضا. وقام بتبريرات مضادة لتبريراته الأولي، وزيّن للسلطان قراراته الجديدة بنفس الحجج وبنفس المصادر مع انتقاء جديد من فصولها ونظرياتها، واستدعاء آيات وأحاديث أخري غير الأولي. والقرآن حمّال أوجه. والنظريات المتعددة ما أكثرها. والمثقف ينتقي ما يشاء طبقا لرغبات السلطان.
والثاني شهيد السلطة يقف علي نقيضها. لا يبغي حوارا ولا حلول وسط. هو السلطة البديلة التي في المعارضة والتي ستصل يوما إلي القصر إذا ما كان هناك تداول للسلطة وانتخابات حرة وتعددية حزبية واستقلال قضائي في الداخل أو إشراف دولي من الخارج. ويفرض السلطان الحصار عليه. ويمنعه من الكتابة أو التعبير الحر في منابر الدولة. فلا تبق له إلا منابر المعارضة غير المؤثرة. وفي أي لحظة خطر علي الأمن العام، هبة داخلية أو عدوانا خارجيا، يكون أول المعتقلين والمعذبين داخل السجون، وأول ضحايا التعذيب والاتهام والإدانة بتدبير مؤامرة لقلب نظام الحكم. ويقضي معظم حياته داخل السجون أكثر مما يقضيها خارجها حتي ييأس من النضال، ويشيب الشعر، ويهن العظم. ويكتب المذكرات التي ينعي فيها الزمن الرديء.
والثالث هو المثقف الوطني، الجسر بين السلطة والجماهير، بين الحاكم والمحكوم. هو الذي يقلل المسافة بين الاثنين حتي يتم الحوار ويقع التفاهم بدلا من الخصومة والعداء. فيخفف عداء السلطة للناس، وعداء الناس للسلطة بناء علي مبدأ فقهي (درء المفاسد مقدم علي جلب المصالح(. فبدلا من أن يزداد الشقاق بين الحاكم والمحكوم، وتتباعد المسافة بينهما فيقع الصدام إلي حد الحرب الأهلية كما هو الحال في الجزائر، تــُحقن الدماء، وتتم المصالحة التاريخية، ويحدث تفاهم مشترك بين الطرفين، وتنازلات متبادلة، وإقامة الجسور بين الطرفين المتعارضين.

بطش السلطان
ولما استحال الوسط المتناسب فإن المثقف الوطني قد يكون أقرب إلي السلطة منه إلي الشعب، يعمل لصالح الحاكم أكثر مما يعمل لصالح المحكوم. وقد يكون ذلك عن حسن نية أو عن ذكاء يجنبه بطش السلطان، والاقتراب من الذئب أكثر من الاقتراب من الحمل. وقد يكون أقرب إلي الناس للتعبير عن آرائهم لدي السلطان مباشرة متجاوزا وسائل الإعلام التي زيفت الحقيقة، وجعلت الحق باطلا، والباطل حقا. فهو إعلام موجه من مثقفي السلطان وتحت سيطرته المباشرة.
وقد يعمل المثقف الوطني لمصلحته الخاصة في الأساس، وتغطيتها بالعمل لمصلحة السلطان أو لمصلحة الشعب. فله المنصب والجاه والشهرة والمال والحظوة وثقة الطرفين به. له بالطبيعة ولاء مزدوج، وقادر علي أن يقوم بخدمة سيدين في الوقت نفسه. وهو الكاسب في كلتا الحالتين. إذا انتصر السلطان فهو من أهله. وإذا انتصر الشعب فهو من طليعته. وفي هذه الحالة يكون أقرب إلي المثقف الانتهازي منه إلي المثقف الوطني. وهي طبيعة الطبقة المتوسطة بين الطبقة العليا التي تمثلها النخبة الحاكمة، والطبقة الدنيا التي تمثلها جماهير الشعب.
ويستمد المثقف الوطني ثقافته من ثلاثة مصادر. الأول الثقافة الغربية ولها الباع الأطول في النظريات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الحديثة. وهي متنوعة الاجتهادات، ومعين لا ينضب لمن يشاء الاختيار. لها بريقها الإنساني، ومصطلحاتها الحديثة، وأسسها العقلية، وقدرتها علي الإقناع. أصبحت شائعة منذ مائتي عام منذ فجر النهضة العربية وحركة الترجمة الثانية منذ القرن التاسع عشر. انتشرت لدي النخبة وحكمت باسمها. وشاعت بين الناس من خلال أجهزة الإعلام ونظم التعليم. بل لقد تعربت كثير من ألفاظها مثل: ديمقراطية، ليبرالية، برجماتية، كوجيتو، فينومينولوجيا، أيديولوجيا، أنطولوجيا، إبستمولوجيا. كما عرّبت الألفاظ اليونانية القديمة مثل: فلسفة، هندسة، جغرافيا، جيولوجيا، فزيولوجيا، فيزياء، موسيقي ...الخ. وتعطي المثقف نوعا من التعالي والغرور. فهو يعلم ثقافة الغير الأكثر تقدما من ثقافة الذات، من مظانها في اللغات الأجنبية وليس فقط ثقافة الأنا التقليدية باللغة العربية.

الثقافة التقليدية
والثاني الثقافة العربية التقليدية. يقوم فقهاء السلطان باستعمالها، ذوو العمائم الذين يمثلون شرعية القدماء ويمدونها إلي شرعية المحدثين. لها سلطتها عند الناس. فهي نابعة من موروثهم القديم الذي وصل في وعيهم إلي حد المقدس ذاته. يسهل فيها الاعتماد علي الأدلة النقلية، الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، واستدعاء نماذج الصحابة والتابعين وتابعي التابعين وعلماء الإسلام وقضاتهم. انتشرت من خلال البرامج الدينية والتمثيليات الإذاعية وصفحات الفكر الديني في أجهزة الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة. ولها منابرها الحرة في خطب المساجد، ودروس العصر، وشرائط الدعاة، وكتب التراث المتوافرة بأسعار التكلفة وبدعم خارجي في دور نشر التراث، والأكثر مبيعا في معارض الكتب المحلية والعربية. تحاصر من يخالفها، وتقصي من يحيد عنها إلي حد التكفير. ويمكن أن تلعب بالدور المزدوج، ثقافة القمع إذا اقترب المثقف أكثر من السلطان، وثقافة التحرر إذا انحاز المثقف إلي الشعب.
والثالث الثقافة الشعبية في الأمثال العامية والأقوال المأثورة وسير الأبطال. فهي أيضا مؤثرة في حياة الناس. تتمتع بنفس السلطة التي للموروث الديني القديم. بل ويختلطان معا، فكلاهما حجة سلطة. وكثير من الأمثال العامية تتفق في معانيها ومقاصدها مع الآيات القرآنية والأحاديث النبوية خاصة في القضاء والقدر، والرضا، والصبر، والتوكل، والزهد في الدنيا، والأجل المحتوم، وطاعة السلطان. وبها أيضا، وإن كان بدرجة أقل، أقوال معارضة للسلطان تدعو للثورة عليه، وأخري ترفض المقدّر والمقسوم وتدعو إلي حرية القرار، وأخذ زمام المبادرة.

بين الماضي والحاضر
والمثقف الوطني القادر علي أن يكون جسرا بين الحاكم والمحكوم ومنحازا إلي مصلحة الشعب ومنتميا بوعيه إلي وعي الجماهير هو القادر علي أن يؤصل نفسه في التاريخ القديم، تواصلا بين الماضي والحاضر. فقد قام المعتزلة القدامي بهذا الدور كنوع من المعارضة الفكرية العلنية، الرأي بالرأي، والحجة بالحجة، والبرهان بالبرهان، وإعمالا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن طريق المنابر العلنية، المساجد والمدارس ودور الإفتاء والقضاء، واحتسابا لوجه الله. فالحسبة هي الوظيفة الرئيسية للحكومة الإسلامية وكما أقر فقهاء الأمة بل السلفيون منهم مثل ابن تيمية.
ولا يحتاج المثقف الوطني إلي الخروج بالسلاح ودعوة الناس معه علي الحاكم الظالم، والاستقرار خارج المدن، وتكوين جماعات مسلحة للسطو علي الأسواق وتقتيل الناس كما تفعل بعض الجماعات الإسلامية الحالية، وسفك دماء الأبرياء. وقد كان هذا طريق الخوارج، رجال صدق في الإيمان والعمل. فالإيمان بلا عمل نفاق، والعمل بلا إيمان كفر. وإذا شهر مسلم السلاح في وجه مسلم آخر، حاكما أو محكوما، فإنه في النار، قاتلا لأنه قتل مسلما أو مقتولا لأنه كان حريصا علي قتله. كما لا يحتاج المثقف الوطني النزول تحت الأرض، وتكوين خلايا سرية ضد الحاكم انتظارا للانقضاض علي الحاكم إذا جد الجد، وحانت الساعة. فالجهر بالحق ليس دعوة سرية، و(الساكت عن الحق شيطان أخرس) ويقول نوح (ثم إني دعوتهم جهارا(. ومازالت كثير من الحركات الإسلامية المعارضة الآن تحت الأرض غير معترف بها شرعيا حتي تخرج فوق الأرض وتمارس دعوتها إلي الإصلاح جهرا وعلانية. المثقف الوطني الشعبي العضوي هو ضمير الأمة، والحارس علي أمنها، والقادر علي حماية وجودها عبر التاريخ.

AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1539 --- Date 24/6/2003

جريدة (الزمان) --- العدد 1539 --- التاريخ 2003 - 6 - 24

AZP07
HSHN