ضفاف - المفرخة الروائية العربية للدكتاتورية - نبيل سليمان
هذا دكتاتور عربي عتيد آخر تطلع به رواية سالم حميش (فتنة الرؤوس والنسوان ــ 2000). إنه بأسمائه ــ ألقابه غير الحسني: معمر علي أوفقيه ــ الرجل القوي ــ الجنرال ــ ذو الوزارات ــ الساعد المسلح والدرع الواقي لسلطان البلاد إدريس الثالث. ومن نقلة إلي نقلة في حياة هذا الدكتاتور ــ أي في حياة البلاد التي لا تعيّنها الرواية ــ تتوالي أسماؤه ــ ألقابه غير الحسني: جلاد البلاد الأول ــ الرئيس المهيمن الوهاب ــ حيوان سلطوي ــ رائد الانتقال المخملي الحريري نحو الأفضل. وعلي لسان العرافة السكندرانية هو: الكاسر المحسود. وعلي لسان منافسه وغريمه الكولونيل حمدان الرامي هو: رئيس الزور.
للسلطان كانت الكلمة المفتاح: الأمن، أما معمر العلي أوفقيه ــ فشعاره هو: الفتنة أشد من القتل، والوقاية خير من العلاج. فقد نُصِّبَ أوفقيه الستيني منذ عقد علي سكة رصد الفتن في البلاد الحديثة الاستقلال. ومنذ البداية حرص علي إبقاء تقليد الفتن سارياً، وعلي تضخيمها، وأنشأ إدارة الأمن القومي، وقبض علي مقاليد وزارات شتي ــ الوزارات الأساسية ــ وخطته أن الفتن تفرخ في الرؤوس، لذا عليه أن يعمل علي وفي الرؤوس. وقد نصحته العرافة السكندرانية، والسلطان طريح فراشه، أن اخلعْ وإلا خُلِعت، وشخصتْ أن دمه من فصيلة الدم الأزرق، أي إنه دم رئاسي.
هذا الدكتاتور عاشق لزينب المتزوجة، وعالم بما بين زوجته هو مريم وعشيقها أنيس. وهو إذ يخطط لرحلة العشاق الأربعة إلي جزر الباليار، فإنما ليتخلص من أنيس، وليموّه علي أفخاخه للإيقاع بالكولونيل حمدان الرامي الذي يعد لانقلاب يطيح بسيديه الجنرال أوفقيه والسلطان. ومن أجل ذلك يستقدم أوفقيه الصقلي كارلوس سانتيانا المتخصص في شئوون التمردات العسكرية، معولاً علي مساعدة المقرب عباس الرواسي الذي نصبه مديراً للأمن القومي.
من (عش نحلة) كما سمي أوفقيه مكتبه، يدير الأمور. وإذا كان الناس قد سموا المكتب (أم الوزارات) فسارد الرواية يضيف أن هذا المكتب هو الحضن الحصين والأصل الأصيل للدولة، وما دونه ملحق أو فرع، وما تحته ممر أو جسر. وإذا كان السلطان العليل قد صحا أخيراً علي أن من حوله يتبارون في حجب الحقائق عنه، فليست هذه الانتفاضة الآن في وعيه، إلا هراءً وتخريفاً، بحسب هذا الذي سلخ عمره متربعاً علي آليات الترهيب والقبض والكبح: أوفقيه الذي يصفه غريمه أنيس فيقول: (من طينة رجال مهووسين حتي النخاع بتعبد السلطة، مع تدنيهم عن مجانين الحكم الكبار، وشططهم المتخلف في تشغيل ذكائهم الشرير). وعلي ذكر مجانين الحكم الكبار، لسالم حميش نفسه رواية (مجنون الحكم ــ 1990).
بعد انسلاله من الرحلة الرباعية إلي جزر الباليار، يعود أوفقيه إلي البلاد ليتابع سحق محاولة حمدان الرامي الانقلابية. وبعد السحق يستقبل القيادات العسكرية، ويجسّ نبضها حول مشروع قراره باستئناف العمل بالدستور، مع تعديلات طفيفة، وبسنّ حكم الوصاية بالنهج الرئاسي العصري، من دون إعلان حالة الاستثناء أو نظام الأحكام العرفية. وقبل أن ينجز ذلك صار عباس الرواسي يخاطبه: سيدي الرئيس، فقد أرسل الضباط الضوء الأخضر أمامه، كي يحتل منصب رئيس الدولة والوصي علي الكرسي.
يحقق أوفقيه بنفسه مع قائد الانقلاب الفاشل، ويُعمل ــ بسادية الدكتاتور ــ (خنيجره) في جسد حمدان الرامي، ويأمر بحشو جروح الخائن بالبهار الحار، ثم تشميعها باللصقات، كما يفرض علي السلطان الإقامة الجبرية السرية بعد إلزامه بتوقيع الوصية، وقد قضي كل ذويه، سوي ولديه، كما دبّر أوفقيه لليوم الحاسم، يوم سحق الانقلاب الذي بات يعرف بــ (يوم فُصِلَتْ).
ولكي يعزز الدكتاتور موقعه يسعي إلي تفويض شعبي من صناديق الاقتراع المباشر، حالماً بخلق (كوكتيل موفق بين الجمهورية والسلطانية، سمّاه: الجمطانية). وتتابع رواية (فتنة الرؤوس والنسوان) هذه السخرية والتعرية للتداول في النظام العربي العتيد، من دون أن تسميه، فيأمر أوفقيه عباس الرواسي بتهيئة انتخابات عصرية، بصناديقها الزجاجية الشفافية، وبالتيسير أمام مرشحين منافسين من مستوي لائق، فنقرأ لأوفقيه: (أنا أبغيها مشروعية ناصعة ما عليها غبرة، ومن دونها رئاستي تكون في حال امرأة عوراء)، ونقرأ أيضاً: (من غير المعقول أن أتقدم وحدي وأقول للناس: انتخبوني وحدي.. هذا يجري في بلدان الدكتاتورية والحزب الوحيد.. أما عندي فشيء آخر). والعلامة الكبري لهذا (الشيء الآخر) هي نسبة الفوز في الانتخاب أو الاقتراع أو الاستفتاء، إذ يقول أوفقيه: (هذي المرة النسبة ما بين 70 و75 في المائة. دولتنا تقدمت علي دول 99 في المائة، دول المشاركة الساحقة والفوز الساحق. نحن والحمد لله في بلاد المكاسب والحريات المسئولة. نحن علي درب الترانزيت الديمقراطية، وكما يقال: )من سار علي الدرب وصل).
في الطريق إلي السدة تُقتل عشيقته زينب في حادثة سير، وينتحر زوجها، ــ وستُقتل زوجته مريم أيضاً ــ ويطلق سراح مساجين (يوم فُصلتْ) من المدنيّين، موصياً بأخذ تواقيعهم في دفاتر التوبة، وباستخدام أحسنهم في الحملة الانتخابية. وبينما عبرت أحزاب كثيرة عن نية خوض الانتخابات، عجّل ستة من المرشحين إلي الانسحاب الجماعي، بدعوي انعدام الشفافية والنزاهة، فلم يبق من منافس لأوفقيه غير مقاول كبير يطلب الشهرة لا السلطة.
ومثل زواجه من ثلاثينية، تمت ببساطة مراسم تنصيبه، وترك البرلمان علي حاله بأغلبيته الساحقة المؤيدة، وأشاع الإعلام أن (فلسفة حضرة الرئيس في كل هذه الإجراءات وأخري مواكبة لها هي العمل علي تثبيت قواعد الاستمرارية البناءة، وصيانة دولة الأمن والاستقرار).
حوّل الدكتاتور أوفقيه أحدث قصور السلطان (قصر القلعة) إلي مقر رئاسته وسكنه، وعيّن الرواسي نائباً له ووزيراً أول (رئيساً للوزراء) مما أثار شكوك الرواسي نفسه فيما يدير له سيده الذي أمره: فصّلْ الفريق الحكومي علي قدّ فريقنا الكروي. أما أولويات الدكتاتور لعهده الجديد الزاهر فأولاها (تنمية موهبته في معرفة أكل المخ والكتف لأشداء ضباط الأركان العامة وأذكاهم، وثانيها أن يعمل علي إفساد الأمير البكر بإغراقه في اقتناص الملذات، ما ظهر منها وما بطن، حتي إذا استوفي سن الجلوس علي الكرسي، أفتي الأوصياء وغيرهم بفسخ أهليته وتعيين أخيه الأصغر لذلك حين بلوغه السن القانوني. وثالث تلك الأولويات أخيراً وليس آخر، أن يُبقي واضعها السطانَ تحت أنابيب الاستماتة العلاجية).
غير أن شبح الموت يلوح للدكتاتور الستيني، إذ ينصحه الأطباء بالإمساك عن كل مسكر، فيرسل مذكرة للأوساط المسئولة المدنية والعسكرية، لحثها علي الإقلاع عن الشراب ومحاربة الشحمة والترهل في الأجسام بالرياضة وإجراءات الترقيق والترشيق. وفيما صار لأوفقيه لقب (الرجل الأقوي) صار لنائبه الرواسي لقب (الرجل القوي)، وهو الذي ترقي في الشرطتين الظاهرة والظلية، فعرف بلقبي (الذئب) و(بوحيلة)، كما لقبه زعيم طلابي تحت التعذيب بـ(بوطا) تصغيراً لـ(بوطابوراس) وهو اللقب الذي سيترجمه إلي صاحب الرأس الأول، وسيترجمه الرواسي نفسه له رجله بومهمة بـ(عقلويه). أما في عهده الجديد، فقد توالت أسماؤه ــ ألقابه غير الحسني: حضرة النائب، ذو الوزارات، بوحقايب، وسماه خصومه تعييراً بتسلط زوجته عليه: رجل الحاجّة، وسمته الحاشية: ابن الذين، وسمته زوجته الأولي: مولي الشان وبوشكارة. وسرعان ما صار مفكراً كبيراً جداً، وشعاره: (مأربة لا حفاوة! أنا أولاً ثم أنا أخيراً، وبعدي الزلزلة والمخربة).
وكما ورث الرواسي بعض ألقاب ــ أسماء سيده، صار له هو الآخر ساعده الأيمن (بومهمة) الذي يحدثه عن قدوة فقدوة للدكتاتور من تاريخنا الزاخر، إلي أن يختم مخاطباً سيده: (غايتهم غايتك، ومناهجهم مناهجك، وفقك الله لما قصدوه وحققوه). ولأن الفودودي ــ في حديث بومهمة ــ قتل أميره أبا عنان خنقاً بالمخدة، صار للرواسي كابوس خنق أوفقيه، وجعل بومهمة عينه علي من خلفه في مديرية الأمن (العربي الأحرش) الذي يمكن أن يكون منافساً، أما عينا الرواسي نفسه، فــ (واحدة تقلي والأخري تصب الزيت).
من المتاجرة بهجرة اليهود إلي تفشي مرض جنون الإبل إلي حفل غسل عتبة الفيلا إلي.. لم يفتأ الرواسي ينتفخ، لكن الدكتاتور أوفقيه بالمرصاد، وابتداءً من فرضه علي الرواسي أن يبيعه الفيلاّ يتهامس الأعوان والمستشارون: (ويك تكون العقرب تحككت بالأفعي ونحن هنا في اجتماع الغفلة). وأخيراً تعجل النهاية علي الرواسي بدعاوي أوفقيه: الصفقات المريبة وإطلاق أصحاب اللحي الظاهرة والخفية وصولاً إلي إهمال الندوة القومية الدولية التي أرادها الدكتاتور لتلميع صورة نظامه في الخارج. وإذْ يجابه الرواسي بكل هذا الذي عرض النظام للخطر، يقدم المسكين استقالته، لكن الدكتاتور يغضب: (استقالتك أرميها أنا في المزبلة.. في عهدي لا مكان لمن يستقيل، بل أنا وحدي أعيّن وأقيل). وهكذا يقضي منزوع المهمة ــ آخر ألقاب الرواسي ــ ليبقي متسيداً ذلك الذي افتتحت الرواية واختتمت بالقول فيه: (بجوارحه كلها كان يدرك أن ما اجترحه من سيئات وجنايات لا تحق فيه التوبة ولا تنفع، ولا يسعه الغفران والعفو). وعزاء الدكتاتور في ذلك أنه كان مسيراً لا مخيراً، فماذا يبقي للقارئ أمام هذا الذي تناسل من سلطانه كما تناسل منه الرواسي، إلا أن يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله؟!

AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1535 --- Date 19-20/6/2003

جريدة (الزمان) --- العدد 1535 --- التاريخ 2003 - 6 - 20/19

AZP09
AYMK
NBSL