|
|
ضفاف - عن رواية لم تكتمل - نبيل سليمان ولد صدقي اسماعيل في 26/5/1924 في انطاكية، وقضي في 27/9/1972 في دمشق. وربما كان الوشم الأكبر لنشأته في أسرة دينية تعمل بالتجارة، هو ما عاشته انطاكية بخاصة ــ حيث مقام أسرته ــ ولواء اسكندرون بعامة، في السنوات الثلاث التي تفجرت فيما بين المعاهدة السوريا الفرنسية (1936) وضمّ لواء اسكندرون إلي تركيا (1939)، لينزجّ صدقي اسماعيل في صفوف النازحين إلي ما تبقي من سوريا شأنه شأن سليمان العيسي وجلال فاروق الشريف و... وقد وشمت أيضاً نشأةَ صدقي اسماعيل فتوةُ التيارات الثقافية ــ السياسية ــ الاجتماعية التي ستَشِم عربياً ما يلي من القرن العشرين، أعني التيار الإسلامي والتيار الشيوعي والتيار الإقليمي والتيار القومي العربي، وبخاصة ما عبر به الأخير عن نفسه في عصبة العمل القومي التي انخرط صدقي اسماعيل فيها، ومن بعد فيما أنجبت. وعلي الرغم من حياته القصيرة (ثمانية وأربعون عاماً)، فقد أنجز العديد من الأعمال الفكرية والإبداعية والنقدية، فضلاً عن المقالات والخواطر الصحفية والزوايا الإذاعية، مما جُمع بعد وفاته في ستة مجلدات، وفيها وفرة مما لم ينشر من قبل في كتاب، أو لم ينشر البتة، من الشعر والمراسلات والقصة والمسرحية، وشطر من رواية (الحادثة). كما صدرت مختارات من جريدة صدقي اسماعيل ــ بخط اليد ــ (الكلب) الساخرة في مصنف مستقل. وقد ذكر صدقي اسماعيل في حوار لبدر الدين عرودكي معه أن رواية (الحادثة) تنوف علي ألف صفحة، فيما لم يتجاوز ما نُشر منها مائة وخمس وأربعين صفحة من القطع الكبير. كما ذكر أنه يكتب رواية أخري هي (رحلة إلي الغرب)، وهي لم تُذكر من بعد. وقد اخترت هنا أن أقدم (الحادثة) مغامراً بمواجهة السؤال عن الكتابة عن رواية مخطوطة وغير مكتملة، حتي لو كانت لراحل كبير، ولعل جدوي ذلك أن تتبين في التالي. في رواية معدّي المؤلفات الكاملة لصدقي اسماعيل أنه (بيّض) مائة وخمسة وثمانين صفحة من مخطوطة رواية (الحادثة)، في تسعة عشر فصلاً، بعضها مرقم وبعضها معنون، وأن المسودات تتجاوز مائتين وثماني وأربعين صفحة. وبالمقابل رأينا الكاتب يتحدث عن مخطوطة ناجزة لرواية (الحادثة) فيما ينوف علي ألف صفحة. وعلي أية حال، يبدو من الضرورة لدي الحديث عن هذه الرواية، أن يستحضر المرء الرواية الأولي للكاتب: (العصاة) والتي صدرت عام 1964، ورادت للزخم الروائي التالي ــ الذي جعل وكده الحفر في العقود الأولي للقرن العشرين، مما كتب عبد الرحمن منيف وخيري الذهبي وفواز حداد ورضوي عاشور وسميحة خريس وربيع جابر وكاتب هذه السطور وسواهم. توالي رواية (الحادثة) سؤال رواية (العصاة) عن الأنموذج وعن الشخصية الروائية. سوي أن السؤال ينتقل هذه المرة من صدر الرواية الأولي إلي متن الرواية التالية، ليغدو، مع عناصر شتي مماثلة، من قبيل تفكير الرواية في نفسها. ففي نهاية الفصل التاسع الذي يحمل هذا العنوان المباغت في سردية روائية (حول الأنموذج الروائي)، نري الشيخ محروس الذي يعتقد أنه وحده هذا (الجميع) الشامي التقليدي، وأنه وصي علي الآخرين، يعاني من الاعتراف الضمني بأن كلاً من الآخرين هو أنموذج للكل، إذا تلوث فسيوصَمُ الجميع بالمهانة والعار. وينقفل الفصل بتدخل السارد: (ها هنا، لا بد من الإشارة إلي أن فكرة (النموذج) لم ترد عبثاً. لقد كان ينبغي أن تتصدر الكلمة الأولي من هذه الرواية (لنتذكرْ رواية العصاة: نبيل)، بكل ما تحمله من طابع تقليدي متهرئ، تجاوزه الفن القصصي منذ زمن بعيد). تنقد رواية (الحادثة) نفسها، معبرة عن ضيق الكاتب بالتقليدية التي وسمت كتابته الروائية والقصصية، وبتطلعه إلي التجاوز، مما سيشغله فيما كتب قبل وفاته من النقد الأدبي، وحيث ينقد التجاوز الحداثي للتقليدي في المشهد الأدبي، ولا يفتأ يبحث عن الحداثي في التقليدي، ويلحّ علي استمرارية التقليدي، بقدر ما يريد للحداثة (أو المعاصرة كما يرادف دوماً، والطليعية كما يرادف أحياناً) أن تبرأ مما يعتورها لتتقدم. واستطراداً نشير إلي احتفاء صدقي اسماعيل بالروايات الجديدة التي صدرت قبيل أو بعيد ذلك، كما في كلمة الغلاف التي كتبها لرواية هاني الراهب (شرخ في تاريخ طويل) في طبعتها الأولي عام 1970، أو فيما كتب عن رواية (الأشجار واغتيال مرزوق) لعبد الرحمن منيف إبان صدورها. وقد كان صدقي اسماعيل علي معرفة دقيقة بالرواية الجديدة في فرنسا (آلان روب غرييه ورفاقه).و ليس ما تقدم غير تعبير عما حاول في رواية (الحادثة) من تجاوز عهده بالسرد القصصي والروائي. وصدقي اسماعيل في ذلك كله يرود لما سيتواتر في الرواية العربية في العقد الماضي بخاصة من أمر الميتارواية. ومن ذلك أيضاً في رواية (الحادثة) ما نقرأ في الفصل الثامن عشر، بعدما يفيض الكاتب في التحليل العميق الأخاذ لمشاعر شخصية ليلي. بالطبع، سيظل أي قول في رواية (الحادثة) معلقاً علي ما نُشر منها. ولكن هذا الذي نُشر، يجلو ما جدّ للكاتب في كتابة الرواية، بقدر ما يجلو وشائج رواية (الحادثة) مع سابقتها: رواية (العصاة). فاستقامة الزمن وتصاعديته تتراجع في (الحادثة)، وإن ظل هذا التراجع منتظماً. والعناية بالحدث تغدو مثل العناية بالشخصية. وإذا كانت رواية (العصاة) قد ذهبت إلي أن الشخصية الروائية كائن تاريخي، فــ (الحادثة) تذهب إلي أن (الحادث الروائي تاريخ إنساني حيّ). وتتخفف الفكرية من الإبهاظ الذي كان لها في (العصاة)، ويتعمق (التحليل النفسي) للشخصية الروائية ــ مراهقة توفيق مثلاً ــ بقدر ما ينتأ إعلان السارد عن نفسه، إذ يقول: (كما ذكرنا) أو يقول: (لقد كان لنا أن نتساءل)... وبقدر ما يعلن عن دخائل هذه الشخصية، وإلي ذلك تتقدم (الحادثة) في التهجين، عبر يوميات محمود الرامي، وعبر مراسلات توفيق وليلي، علي التناص المحدود في رواية (العصاة) عبر أشعار عمران أو مراسلات سواه. وتبدو عناية رواية (الحادثة) بالبغي، وما يتصل بها من حديث الجسد والحب والمجتمع، إنجازها الأكبر. وعناية سرديات صدقي إسماعيل بشخصية البغي كبيرة (من يذكر مسرحيته: سلمون؟). فالثالوث البغي (سهام وسلمي وسوسن) هو ما تتمحور حوله حياة محمود الرامي، وتلك هي سلمي تتساءل عن علاقة الوفاء بالجسد، مؤكدة أنه لا بد من استعمال الجسد بشكل أو بآخر، دون أن يمسّ ذلك علاقاتنا العاطفية. ومقابل سؤال محمود (متي كان الجسد وحده مصير الإنسان) تقرر سلمي: (كل شيء يمكن أن يزول من الوجود ويتشتت، إلا هذا الجسد الذي يمنح المتعة والحماية في آن واحد). ومن المهم هنا أن نستذكر ما كتب صدقي اسماعيل في أوراقه المتناثرة، ومنه: (حياة الإنسان هي الجسد، لأنه بالجسد تصبح الأفكار فعلاً، وتتحول العاطفة إلي عصب ودم، ويكتسي الخيال نفسه لحماً تنبض فيه الدماء الحارة). ومن ذلك أيضاً: أن الجسد (هو شيء من القدر الذي لا يؤمن إلا بما هو حتمي). فللجسد والبغي، مثل الحب والروح، وربما أكثر، شأوهما الكبير في إبداع وفكر صدقي اسماعيل. ولعل ما كتبت رواية (الحادثة) عن الصوت والجنس أن يكون وحده امتياز الكاتب. ففي الفصلين الحادي عشر والثاني عشر يرسم الحساسية الرهيفة لتوفيق في مراهقته بوقع الصوت الأنثوي، وتقريه لإيقاع هذا الصوت لدي من حوله من الفتيات، علي طريق وعيه للنداء الجنسي الكامن في الصوت وفي الجسد، وهو ما سيمضي قدماً عبر التجربة الجنسية الأولي، والمتوالية، مع البغي التي تكبره، وقد تكون أماً، فصوت النضج الأنثوي المهيمن يحمل لتوفيق كل وعود الاستباحة، وكل ما في الاستجابة العفوية من ازدهار الحنان. وعندما يلتقي بليلي، يتغلغل صوتها فيه (كأنه الحداء الغامض)، ويصير الصوت الإيقاع الذي ينبغي أن يستبدل بكل نبضات القلب وحركات الأعضاء والخلاء، فصوت ليلي كان سبيله إليها. وتتألق خبرة الكاتب الموسيقية في التعبير عن أمر توفيق مع الصوت، فيكتب عن صوت ليلي: (كان إيقاع الصوت وديعاً، عريض الانسياب، دافئ الحاشية، يحمل بين العبارة والأخري إجهاشة مؤثرة تظللها الدموع. كل مرة، كان ينعكس في مشاعر توفيق بانطباع حسّي يختلف باختلاف المتعة المختلسة). ومن المؤسف حقاً أن ينقطع بنا السبيل إلي هذا وإلي ما تقدمه، بانقطاع المنشور من الرواية، فعلي ضوء هذا المنشور يتأكد الوعد برواية مهمة، لولا موت صاحبها الذي أكد خسارتنا، ليس برواية (الحادثة) وحدها. AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1505 --- Date 15/5/2003 جريدة (الزمان) --- العدد 1505 --- التاريخ 2003 - 5 - 15 AZP09 AYMK NBSL |