ضفاف - بغداد يا شهرزاد - نبيل سليمان
من المعجزة الشهرزادية (ألف ليلة وليلة) اشتقّ بو علي ياسين (المجتمع الشهرزادي) و(السلطان الشهرزادي) ليحمل بغداد من عهد شهرزاد إلي عهده، فيجعلنا نتقري أمسنا ويومنا، لعلنا نكون أقدر علي أن نتقري غدنا.
هكذا نمضي من عمر النعمان ومعروف الاسكافي وسيف الملوك وهارون الرشيد والحجاج إلي أي خليفة أو قائد أو مملوك أو وزير أو والٍ ممن سيتوحدون وهم ينبعثون في ديكتاتور تلو طاغية، فيكتب بو علي ياسين (إذا كان الملك في أوربا الحكم المطلق يقول: الدولة هي أنا، فإن المستبد الشرقي يحق له أن يقول: أنا الدولة والدولة أنا).
يهمش بو علي ياسين لما كتب بصيحة معاوية بن أبي سفيان: (نحن الزمان، فمن رفعناه ارتفع، ومن وضعناه اتضع)، فينفلت الهامش من لطائف الثعالبي إلي متن تاريخنا، ويستقيم الذي قدمه بو علي ياسين للديكتاتور الشهرزادي أو الطاغية المعاصر: إنه الرأس الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والعسكري للمجتمع الشهرزادي، سلطاته غير محدودة، ووحدانيته بديهية، وغير مسؤول أمام أحد سوي ضميره. وهذا (الرأس) قلما يقبل بوجود شخصٍ يمكن أن يحل محله عند الحاجة، باستثناء نائبه الذي يختاره هو بنفسه، ويكون عادة ابنه البكر.
أما شهرزاد فتحكي حكاية العجوز المدقعة التي يصادفها أحدهم، فيطنب في وصف مدينته الثرية البهيجة، فتسأله العجوز: (هل يكون لديكم من سلطان يحكم عليكم ويجور في حكمه، وأنتم تحت يده، وإن أذنب أحد منكم أخذ أمواله وأتلفه، وإذا أراد أخرجكم من بيوتكم واستأصل شأفتكم؟ فقال لها: قد يكون ذلك. فقالت العجوز: إذاً والله يكون ذلك الطعام اللطيف والعيش الظريف والنعم اللذيذة مع الجور والظلم سماً ناقعا).
ومن حكاية إلي حكاية، يري بو علي ياسين ما يري:
û فإذا بدستور السلطان الشهرزادي دستور احتياطي، يستخدمه عند الحاجة، وتجاه الغير، ولعله دستور جواني يتسمّي بـ (الضمير).
û وإذا بالديكتاتور الشهزادي يجود علي الرعية في عيد ميلاده أو في عيد زواجه، فيكتب بو علي ياسين منادياً زيادة الرواتب مثلاً، أو الذكري الخمسين لقيامة الديكتاتور: (ولو ألقينا في الوقت الحاضر نظرة حولنا في الوطن العربي، لوجدنا أن بعض الحكام العرب ما زالوا يقدمون العطايا لرعيتهم ويسخّرون الدولة والشعب من أجل الابتهاج في مناسباتهم الشخصية أو شبه الشخصية).
û وإذا بالانتخاب الشهرزادي يلوح بحكاية (ضوء المكان) سلطاناً منتخَباً خلفاً لأبيه عمر النعمان. وفيما الحكايات الانتخابية الشهرزادية تتري يري بو علي ياسين أن الحاكم الجديد لا يختلف جوهرياً عن سابقه، وأن الانتخاب الشهرزادي يتم في ظروف استثنائية، كأن يكون ـ مثلاً ـ بعد رحيل مفاجئ للحاكم دون أن يكون له نائب.
وفيما تفرق حاكيات شهرزاد بين سلطان عادل وسلطان جائر، يري بو علي ياسين أن هذا العادل هو في النهاية مستبد جائر. وفيما ترسل الحكايات التناسب الطردي بين جور السلطان وعدائية الرعية، وتعلن شهرزاد مقتها واحتقارها للحجاج، وتسميه (كليب ثقيف)، يصيح الحجاج بها وببو علي ياسين وبالناس جميعاً: (إن الله تعالي سلطني عليكم بأعمالكم، فإن أنا متُّ لا تخلصون من الجور مع هذه الأعمال السيئة، لأن الله تعالي خلق أمثالي خلقاً كثيراً، وإذا لم أكن أنا كان من هو أشد مني شراً وأعظم جورا).
علي هذه الصيحة المزلزلة منذ يوم الحجاج إلي هذا اليوم، يطلع الصباح، ولكن شهرزاد لم تعد تسكت عن الكلام المباح وغير المباح. أما بو علي ياسين فيلوح لنا في ذكري وفاته (2000/4/18) بالمجلد الأول من أعماله الكاملة، والصادر للتو، عن دار الكنوز الأدبية، متضمناً كتابه (خير الزاد من حكايات شهرزاد: دراسة في مجتمع ألف ليلة وليلة).
ولأنها الحرب الشهرزادية التي أطاح بها السلطان الشهرزادي بوش الابن بالسلطان الشهرزادي صدام حسين، عزمتُ علي أن أحتفي بصدور (خير الزاد..) الذي صدرت طبعته الأولي والوحيدة عام 1986 عن دارالحوار، حين كان بو علي ياسين يعيش معي مغامرة تأسيس هذه الدار في مقامنا النائي في اللاذقية، مثلما كنت أعيش معه مغامرته الكبري في تأليف (خير الزاد..) ابتداءً من العثور علي نسخة من الطبعة الأصلية (غير المهذبة) من (ألف ليلة وليلة) إلي الغمر الذي كتبه عنها عرب وأجانب، إلي المقارنة بين مجتمعها وبين المجتمع العربي الإسلامي في العصر الوسيط، ومجتمعنا المعاصر.
لقد عطلت الحرب عزمي علي الاحتفاء بصدور (خير الزاد..)، لكن صوت بو علي ياسين ظل يُسمع هاتكاً ما سماه (تابو الحكام)، أو مؤكداً أن العلاقات الاستبدادية في دولة بائدة تستمر إلي حد بعيد في الدولة الوليدة. وربما لأنها الحرب، همّني ما خالف به بو علي ياسين ابن خلدون الذي جزم أن التناقضات الأساسية في بداية دولة ونهايتها، إنما تكون مع الخارج، بينما ذهب بو علي إلي أن احتمال زوال الدول قد يكون بفعل الخارج، كما قد يكون بفعل الداخل: من قلب جهاز الدولة أو من خارجه.
فجأة، وبعد أربعة أسابيع من الحرب، أي في ذكري وفاة بو علي ياسين تماماً، رأيته يصلي الجمعة في بغداد، ثم ينزجّ بين الآلاف الذين اندفعوا يهدرون بطرد المعتدين الأمريكان والبريطانيين. وفجأة تفجر هتاف بو علي ياسين: بغداد يا شهرزاد، وكانت شهرزاد تطلع من الدمار. وفجأة صمت بو علي ياسين، كأنما ليفسح لشهرزاد التي شرعت تحكي حكايات صدام حسين الذي ولي، وصدام حسين الذي جاء، أي حكايات جورج بوش الابن. وبينما بدا أن بو علي ياسين يتهيأ لبحث جديد في حكايات شهرزاد الجديدة، بدا أن شهرزاد لن تسكت بعد اليوم، لا في مساء ولا في صباح، لا عن الكلام المباح ولا عن الكلام غير المباح.

AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1499 --- Date 8/5/2003

جريدة (الزمان) --- العدد 1499 --- التاريخ 2003 - 5 - 8

AZP09
AYMK
NBSL