ضفاف - الإبداع الأمريكي ضد الرئيس - نبيل سليمان
في وجه الحرب الروائية، الحرب السينمائية، الحرب التلفزيونية، أي في وجه حرب إسرائيل علي الانتفاضة، يصيح مريد البرغوثي: (ماذا بوسع شاعر أن يفعل إزاء لغة كهذه؟ لغة تحلق عالياً مع قاذفات القنابل، وتغوص عميقاً إلي حضيض الجريمة؟).
في الفضاء الأمريكي يصير سؤال المبدع الفلسطيني سؤالَ المبدع الأمريكي في وجه حرب بلاده وتابعها قفّة (أي بريطانيا واستراليا)، هذه الحرب التي يشتبك فيها كما في حرب إسرائيل علي الانتفاضة، وكما في أي عدوان حداثي وما بعد حداثي وعولمي، المخطط بالسيناريو بالمسلسل الهوليودي بالمؤامرة، فيقف مخرج مرموق مثل مايكل مور للتو، مكللاً فوزه بالأوسكار بالصيحة المدوية: هذا رئيس من وهم يشعل حرب الوهم، فأين المتخيل إذن وأين الواقع، كيما نتبين أين الإبداع وأين السياسة، أي: العيش؟
في كتابه المترجم إلي العربية للتوّ (رجال بيض أغبياء) يرسم مايكل مور مواطناً من هذا الكوكب (الأرض) يستغيث من حصار الغرباء الفضائيين لبلاده، فيتشظي اختطاف الرئيس (جورج دبليو بوش) للسلطة في رسالة مواطن أمريكي: (حكومتنا أطيحت. نحن تحت الحصار. رجال بيض كهول يرتدون صدريات، احتلوا عاصمتنا). وكما نادي أحدهم للتو بين ظهرانينا: نعم لتدخّلِ الأمم المتحدة ضد الأنظمة الدكتاتورية، ينادي المواطنُ الأمريكي الواقعيَّ والمتخيلَ في كتاب مايكل مور: نعم لتدخُلِ الأمم المتحدة من أجل انتخابات حرة ونزيهة. بل إن هذا المواطن ينادي بتدخل الناتو في بلاده، كما كان بالأمس في كوسوفو والبوسنة.
ويرسم مايكل مور من أحوال الجنة الأمريكية نقص أساتذة التعليم الابتدائي وتدني أجور المعلمين في نيويورك، وزيادة معدل الوفيات في ديترويت عليه في إفريقيا، وخط الفقر الذي خلّف وراءه الطيارين المبتدئين في الولايات المتحدة، ليبلغ الرئيس الذي ظل عاطلاً عن العمل عشرين عاماً قبل أن يورطه والده ــ الرئيس أيضاً ــ بتجارة النفط. أما الشاعر الأمريكي آندرو أرلن، فكأنما عجن ما كتب مايكل مور، ليقول:
(ولكن ماذا عن الوضع الاقتصادي يا سيد بوش؟/ أو تعلم كيف (يعصّب) أبي ويخسر شَعْره كل ليلة/ لأنه لا يعلم ما إذا كان سيملك بيتاً بعد أسبوعين؟/ أتعرف كم واحداً يريدون فقط أن يأكلوا؟/ أتعرف كم واحداً لا يأكل إلا بعض وجباته/ لكي يشتري الأدوية الموصوفة له؟).
ضد الرئيس، أي ضد حرب (تحرير العراق)، كتب آندرو أرلن ما سبق وما يلي تحت عنوان (قصائد الدمار الشامل)، موقّعاً للشعر بهذه العبارة (أسلحة الدار الشامل) ومذكراً الرئيس بصديقه الحميم كَنْ لاي رئيس شركة أنرون التي اتهم بدفعها إلي الإفلاس المجلجل ــ هل تذكرون؟ ــ لكي يثري علي حساب موظفيه. ويذكّر آندرو أرلن الرئيس أيضاً بتوقيعه عندما كان حاكم ولاية تكساس، وبدون أدلة كافية، علي إعدام الزنجي غاري غرام:
(أتذكر كَنْ صديقك من مسقط رأسك؟/ أتذكر أنكما تشممتما الكوكايين من حلمتي عاهرة/ بفضل بترو دولارات أبيك؟/ أتذكر غاري غرام؟/ أتذكر أنك غسلت يديك من دمه؟/ أتذكر خسارتك لأصوات الناخبين/ وفوزك ــ مع ذلك ــ بالرئاسة؟).
مع صوت مايكل مور وآندرو أرلن تندغم أصوات آلاف المبدعين والمبدعات في العالم، ضد الرئيس وضد حربه علي العراق، بل علي العالم. وفي هذا النشيد الكوني ــ أين هو موقع الشاعر سام هامل؟ وأين هو الكتاب الذي سلمه مع مارسي كابتور إلي الكونغرس، وفيه ثلاثة عشر ألف قصيدة؟ ــ يتميز صوت الإبداع الأمريكي، ويترجم منه إلي العربية سماح ادريس وكيريستين شايد، فنقرأ في قصيدة كارولين أدامز (اعذرني) مخاطبتها للرئيس:
(لن أتبع خطبك/ مع قهوة الصباح/ أو مع عصرونيتي/ لن أعيش علي النصر العذب/ الذي تقدمه/ فهو نصر تفوح منه رائحة الموت/ لن أتبعك إلي الحضيض/ لست عمياء بالغضب/ ولست منهارة/ ولست حمقاء ولا نرجسية/ ولا من النبلاء).
ونقرأ قصيدة (شكوي ومطالبة) لهايدن كاروث، مرفوعة إلي الرئيس:
(لقد تصرفتَ تماماً كما يتصرف طاغية/ محلي صغير في أي ركن مجهول/ مغمور من الأرض. وها أنت الآن تتلاعب بالأحداث/ بشكل مخادع وفاسد، من أجل أن تشعل حرباً/ إننا نقول: كفَّ، استقلْ، انضبَّ في خزيك/ لكي لا يؤدي الشر الذي/ أفلتّه من عقاله إلي تدمير كل شيء/ ولكي لا يغادر الحب العالم).
أما إيان ريد ــ البريطاني الأصل ــ فينسج تحت عنوان (أغنية حب جورج دبليو بوش) حواريةً بين أفغانستان والحبيب المخادع، أي الرئيس إياه:
أفغانستان: (لقد هجرتني وارتبطت بقضية أخري/ فخنتَ وعودك. وها أنت ترحل الآن/ تاركاً جسدي المتلف ينزف قروحاً).
بوش: (لقد كنت أريد أن أنكح، وهذا كل ما في الأمر/ وما أسعي إليه الآن هو فتح جديد).
أفغانستان: (لقد كان السُّكْرُ إدمانك ذات يوم/ ثم جاء الدين ليسكّن أوجاعك/ والآن بات اغتصاب البلدان لعتبك الغولية/ فكم بلداً ستبلوها بمرضك؟).
ولبغداد تدفقَ الإبداع الأمريكي ضد الرئيس في مثل هذه القصائد: (هذه ليست بغدادي: دايفيد ثورنبرو ــ ثلج في بغداد: روكسان دوتي ــ بغداد: ف. ج. سيليغسون ــ أشجار بغداد: تيرستار ــ إلي طفل في بغداد: دايفيد راي ــ قبل السفر إلي بغداد: كاثلين ماكنزي...).
ومن أمس بعيد جعله الرئيس يومنا هذا، يتواصل صوت الإبداع الأمريكي في هذا النشيد الكوني ضد اللغة المحلقة عالياً مع قاذفات القنابل، والمغوصة عميقاً إلي حضيض الجريمة، فيندغم في سؤال مريد البرغوثي بما قاله روبن داريو في ذلك الرئيس (روزفلت)، أي يندغم سؤال المبدع الفلسطسني في سؤال المبدع الأمريكي، مخاطباً هذا (الصياد/ البدائي والعصري، البسيط والمعقد)، أي إن روبن داريو يخاطب الرئيس روزفلت وقد تقمص الرئيس جورج دبليو بوش ــ أ والعكس ــ فنقرأ بترجمة ناديا ظافر شعبان:
(أنت نموذج متغطرس وقوي لعرقك/ أنت مثقف، أنت بارع تناهض تولستوي/ ومروض الخيول، أو قاتل النمور/ أنت اسكندر، نبوخذ نصّر/ أنت أستاذ طاقة/ كما يصرخ مجانين اليوم/ تعتقد أن الحياة حريق/ والتقدم مظاهرة عنف/ وحيث تطلق الرصاص/ توطن المستقبل).
وبعد، ألا يؤكد هذا الإبداع الأمريكي ضد الرئيس ــ أي ضد العدوان، أي عدوان ــ أنها (أمريكا الأخري) بعبارة إدوار سعيد؟
وبعد، وفيما يزمجر المتأمركون العرب ــ بخاصة ــ بجواب، يتطلع السؤال إلي العراق، بانتظار جواب.

AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1493--- Date 1/5/2003

جريدة (الزمان) --- العدد 1493 --- التاريخ 2003 - 5 - 1

AZP09
AYMK
NBSL