|
|
ضفاف - دكتاتور الأسلاف والأحفاد - نبيل سليمان هذا هو الجنرال الأول (الجنرال القديس) الذي دلّله الشعب فسماه (جنرال القمر) لأن شهوة الرجل إلي الخطابة كانت تتقد عندما يصير القمر بدراً. ومن الشعب من روي أنه رأي صورة هذا الجنرال ــ وهو يطل من شرفة غرفة العمليات في جناحه بوزارة الدفاع ــ مطبوعة بالألوان الزاهية علي وجه القمر. وقد كان هذا الجنرال (القديس) القمر يفضل ــ فور استيقاظه ــ أن يحتسي ثلاثة أقداح من لبن إربيل، مع بضعة استكانات من الشاي المعطر. وهذا الجنرال الأول الذي قاد الثورة ضد العهد الاستعماري، في العراق ــ أو في سواه، ما فرق؟ ــ سرعان ما أعلن بدء الثورة العالمية التي سيقودها مزمجراً: (سوف أمحو كل تاريخ قبلي، لأبدأ التاريخ من جديد) ومزمجراً: (ستكون مهمتي الأولي هي القضاء علي العالم القديم. سوف أقلب كل شيء رأساً علي عقب). ومن أجل ذلك استقطب ما استقطب من الوفود العالمية التي انتخبته رئيساً للعالم، فأرسل إلي رؤساء وملوك العالم كتاب تعيينهم أعضاء في مجلس قيادة ثورته العالمية، لكن أولاء أهملوا كتابه، فأهملهم، ودعا إلي اجتماع علماء العالم للبحث في نظريته حول تعديل محور الكرة الأرضية. وهذا الجنرال الأول (القديس) القمر ما كان يطيق النزول عن بغلته التي امتطاها منذ فجّر ثورته الظافرة، سرعان ما ملأ شاشة التيليفزيون يقرع مواطنيه الذين تذمروا لأن رواتبهم تأخرت، ومن ذلك قوله: (ماذا يعني إذا ما تأخر دفع راتب أحدكم شهرين أو ثلاثة؟ يمكنكم أن تستدينوا من بعضكم، أليس كذلك؟ لقد استدنت أنا نفسي من صديقي وزير الداخلية الشهر الماضي مئة دينار لأمور معيشتي حتي استلام راتبي. كلنا نملك أصدقاء يمكن أن نستدين منهم، فلماذا هذه الشكاوي الفارغة من المعني؟ النضال يتطلب التضحية من الجميع، وإلا كيف سيتسنّي لنا تغيير العالم؟). وهذا الجنرال بعد يأسه من رؤساء وعلماء العالم، استدعي زوجته إلي وزارة الدفاع، حيث صارت آهاتها تسمع من المخدع، وصرخاتها تتجاوز أسوار الوزارة إلي آذان المارة، والجنود يبتسمون هامسين: (هو ذا الجنرال يؤدي واجبه نحو الوطن). ولكي يداري آمر الانضباط العسكري هذا الأمر، استدعي فرقة الموسيقي العسكرية لتعزف النشيد الجمهوري والمقطوعات الحربية الحماسية حال انطلاق أول آهة من مكتب الجنرال الذي أخذ ــ بعد ملله الجنسي ــ يغري الآخرين بإطلاق الرصاص عليه، ليثبت لهم أنه سينجو كما نجا دائماً من الموت، وهو من اشتهر أيضاًِ بــ (اللا موت)، لكن الموت ظفر به بعد واحد وثلاثين انقلاباً فاشلاً، فأصر اللا موت علي أن يُعدم بلا منديل يغطي عينيه، لأنه كان واثقاً من أنه لن يموت. أما الجنرال الثاني الذي خلف الجنرال الأول فهو (الجنرال الدرويش) الذي عُرِفَ أيضاً بالمشير وبجنرال الجنرالات، فقد كان يحبذ شرب قارورة من لبن الناقة، وكان مولعاً بالخرافات، وقد حلم بلقاء الغائب المنتظَر، ففسّر إمام الجمهورية الحلم علي أنه رسالة إلي الجنرال الدرويش كي ينشر الإسلام في الخافقين، لذلك كتب الجنرال المشير إلي ملوك ورؤساء العالم يدعوهم إلي الدين الحق، لكن أولاء لم يأبهوا، فلبث جنرال الجنرالات ينتظر الانقلاب الذي سيودي به. بالانقلاب الجديد حل محل الجنرال الثاني هذا الجنرال الثالث الذي عرف بصانع المعجزات، وبالفيزاوي ــ نسبة إلي ولعه بالفيزياء ــ وبخطبه العلمية: إنه (الجنرال الفلكي) الذي كتب بحثاً باسم رجب آشور بانيبال مبشراً بنظريته العلمية، وقد بلغ من فساد الذوق أن تسليته كانت التهام رؤوس كاملة من الثوم، يغمرها قبل التهامها بالعسل البري، ثم يكرع زجاجة أو أكثر من البيرة. وقد كان الجنرال الفلكي الفيزاوي يجلس وراء مرصده الموجّه إلي المجرات البعيدة، محفوفاً بعلمائه. وحين اكتشف مجرة، وتدافع أولاء إلي تسميتها باسمه، سماها هو باسم بقرته المدللة (مجرة أم القرون)، فأين هي المجرة التي تليق باسم صانع لمعجزات؟ يودي الجنرال الرابع بسلفه. وقد سمي الناس الجنرال الجديد بـ(الجنرال الشاعر) لاشتهاره بخطبه الموزونة المقفاة التي كان يصوغها كأبوديات ومقامات. وقد لقب هذا الريفي المشورب نفسه ــ بمرسوم جمهوري ــ بــ (القائد المحبوب من مئتي مليون عربي). وكان يشرب قهوته بالزيت لتليين عضلات حنجرته، ويفتتح الليل بمقاماته الغنائية. أما هوايته فكانت تفقّد أحوال شعبه وقت الضيق. وقد طلب التفقد مرة في منتصف الليل، فبيّن رجاله أن المدينة مغلقة، إلا المقابر: لماذا؟ لأن الدفانين وحدهم لا ينقطعون عن العمل. لماذا والناس لم يكونوا يموتون بهذا الكثرة في ما مضي؟ لأن عدد الخونة الذين يعدمون في عهدك يا سيدي قد زاد. ها هنا طلب الجنرال الشاعر أي مكان يلتقي فيه بالشعب، فقال رجاله: (لم يعد هناك يا سيدي الجنرال شعب تتفقد أحواله)، فسأل القائد المحبوب من مئتي مليون عربي ــ هكذا كان عددهم في ذلك العهد ــ : أين ذهب الشعب؟ فأجاب الرجال: "أنت تعرف يا سيدي أن معظم الشعب استشهد في حروبك المنتصرة. أما الذين نجوا فقد اكتشفنا أنهم من الخونة الذين أعدمنا الكثير منهم فيما فرّ الباقون إلي الخارج. طبقنا كل ما طلبته منا يا سيدي. إذا ما رغب الأعداء فينا، فلن يجدوا أمامهم سوي أرض خراب بلا شعب. لم يعد هناك ما نخاف عليه يا سيدي. لن يطمع فينا أحد بعد الآن). وعندئذٍ زمجر الجنرال الشاعر: (دبروا لي شعباً آخر لأحكمه. كيف يمكن لي أن أكون رئيساً بدون شعب؟). ûûû علي ذمة فاضل العزاوي في روايته (الأسلاف) فإن هؤلاء الجنرالات الأربعة قد خرجوا شيوخاً من الماضي والنسيان، وأنهم قد عادوا شباناً علي عهد الرئيس حسن السعيد، وعلي ذمة رواية العزاوي أن أولاء الشيوخ ــ الجنرالات هم أسلاف الرئيس حسن السعيد، وأنه حفيدهم الذي سيتآمرون عليه بعون مع وزير دفاعه ومع العقداء الشبان، في لحظة عاطفية لا تنسي للقاء الأجيال. وبعد انقلاب الأسلاف علي الحفيد اعتلي السدة الجنرال القديس الذي عجّل بانقلاب التطهير، أي إنه حَجَرَ علي الجنرالات ــ الشيوخ الثلاثة، وأشعل حرباً مع إيران، وحرباً مع إمارة الحفيظ ــ أي الكويت ــ وهو الذي ينقل المؤرخون عن أمه الأرملة أنه كان قد تكلم في المهد بعد ثلاثة أيام من مولده، فقال: (لماذا تبكين يا أماه؟ لا يهم إن كنت قد ولدت يتيماً، لأن التاريخ بنفسه سيكون أبي). هذا الجنرال القديم الجديد، الطريف التليد، والذي ينادي صدام حسين إلي تقمصاته الروائية، قد عبس وتولّي، فمن يصدق من؟ ومن يكذب من؟ ومن يسبق من: الواقع أم الرواية؟ AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1487--- Date 24/4/2003 جريدة (الزمان) --- العدد 1487 --- التاريخ 2003 - 4 - 24 AZP09 AYMK NBSL |