|
|
ضفاف - وقت للشماتة - نبيل سليمان منذ رأيت تمثال صدام حسين يهوي في ساحة الفردوس، وأنا أردد في سري وفي علني هذا البيت للشاعر الكبير بدوي الجبل: إني لأشمت بالجبار يصرعه طاغٍ ويرهقه ظلماً وطغيانا وكما لم أصدق نفسي، لم يصدق أحد أني كنت هناك لاطياً خلف النخلة العبلاء، فيما تتهادي الدبابات الأميركية، بل تتبختر حول الدوار، قبل أن يتربع بعضها ويتمطي بعضها، مثل جنودها، أمام الميرديان أو أما الشيراتون. أجل، رأي العين رأيت ذلك، وإلا فكيف يفسر عاقل أني حاربت بهذا التيلفزيون ومنه في أم قصر وصفوان والزبير، قبل أن أحارب في البصرة والشطرة والناصرية والحلة وكربلاء والنجف و.. إلي أن بلغت ساحة الفردوس في قلب بغداد! ها هنا تلامح لي النصر وتلامحت الهزيمة، فلطوت خلف النخلة العبلاء، أرقب شباناً يتكاثرون وأحذية تتكاثر وهي تتطاير لتصفع الديكتاتور. وعندما هبطت الأنشوطة من السماء ـ وربما هبطت من بطن دبابة ـ وراحت تلتف علي عنق الديكتاتور، ضاقت بي الفرحة. لكن الأنشوطة قصرت عن العنق، فتقدمت الدبابة وأشهرت رافعتها وأنشوطة أخري، فتقلقزت في مكمني، وإذا بجندي أميركي يتهادي في السماء ويتبختر وهو يُحْكِمُ الأنشوطة علي عنق الديكتاتور، ثم يغطي رأسه بالعلم الأميركي، فباخت فرحتي، والتبس نصري علي الديكتاتور بالهزيمة، وسوّلت لي نفسي أن أكتب رواية عنوانها (هزائم متكررة) نكاية بروايتي العتيدة (هزائم مبكرة)، فردعت النفس الأمارة بالسوء، وأسكرتني الفرحة حين رأيت العلم العراقي الذي لم يتلاعب به الديكتاتور، وحدقت في السماء كأنما أتيقّن من أن العلم هبط منها، فأعمتني طائرة ـ وربما صاروخ كروز ـ فنكست رأسي إلي الدبابة الجاثمة قرب التمثال، وخفت من أن يكون العلم العراقي قد هبط منها. وحين تراجعت الرافعة وهي تجرّ التمثال، تلاشي خوفي. وحين ملص التمثال من الأنابيب ـ كيلا أقول كلمة أخري ـ المدحوشة فيه، قهقت. وحين بدا الديكتاتور أجوف ورأسه يُشحط علي الأرض، تفاقمت قهقهتي، وانقذفت من مكمني شامتاً به كما بتمثاله، سواء كان صريعاً أم حياً، وسواء أَقُبض عليه أم استسلم أم حوكم أم قاوم. ولم تفتأ شماتتي تكبر، ليس به وحده، بل بكل ديكتاتور: من قضي ومن ينتظر ومن أنجبت ومن ستنجب أمتي الحبلي بالديكتاتورية بقدر ـ وربما بأكثر ـ مما هي حبلي بالديمقراطية. بيد أن شماتتي فاقمت عليّ الالتباس بين النصر والهزيمة، لكأني في جمأة ذلك الصيف عام 1967، والصخابون يصخبون: هذه نكسة وليس هزيمة. لم ننهزم لأن النظام لم يسقط. أما الآن، فالصخابون يصخبون: لم ننهزم، لأن النظام سقط. ونفسي تسوّل لي أننا ننهزم كل مرة، سواء أسقط النظام أم لم يسقط، فأردع النفس الأمارة بالسوء، خوفاً من غضبة مضرية تنتزعني من مكمني خلف النخلة العبلاء في ساحة الفردوس، وترميني أمام دبابة أميركية، فتسلمني الدبابة إلي الغوغاء التي حُقَّ لها أن تنهب القصور الرئاسية، بل والبنك المركزي نفسه، ولكن ما لهذه الغوغاء وللجامعة أو وزارة التخطيط؟ ولماذا تسلمني الدبابة الأميركية لهذه الغوغاء وتنصرف إلي حراسة وزارة النفط فقط؟ ها أنا من جديد نهب الغضبة المضرية جراء شماتتي وأسئلتي، مثلما كنت منذ باتت الحرب قضاءاً مقضياً: أصيح كما يليق بالغاضب المضري ـ فأنا أيضاً مصاب بهذا الداء الذي لا برء منه/ وليس لذنب صاحبه اغتفار ـ أن الهزيمة واقعة، ليس فقط لأن الديكتاتور قد أتي علي أي سبب للنصر، بل أولاً وأخيراً لأنها أمريكا. وأصيح: إياي والثأرية. وأصيح: إياي واستتباع المعارض، سواء أكان الاستتباع للطائفة أم للعشيرة أم للدبابة الأمريكية أم لأية دبابة، حاكمة أو غازية. وأصيح وأصيح، فتخرسني زمجرة مدفع أو صاروخ أو طائرة أو صخب الصخابين بين مؤسطر للديمقراطية ومؤسطر للنصر ومؤسطر للهزيمة و.. فأجدني عاجزاً إلا عن الشماتة بهم جميعاً، وبنفسي أولاً وأخيراً. ألا اللهم فاشهدْ: إني شامت بخراب مبني المخابرات، بل بخراب القصور الرئاسية، بل بصور الديكتاتور المحروقة والممزقة، بل بتماثيله الجوفاء مثل بلاغته الجوفاء: يا قرة عيني.. بأبي أنتم وأمي.. العلوج.. ألا اللهم فاشهدْ: إني شامت بهذا المعارض الذي يجعل من العدو حليفاً، ومن الخيانة وجهة نظر، ومن الوطن خرافة، ومن السياسة مقاولة، ومن التكتيك استراتيجية. إني شامت بهذا الاستنقاع الحزبي الحاكم والمعارض. إني شامت بولفوفيتز شخصياً، وبرامسفيلد شخصياً، وبجارنر شخصياً، وبيلير شخصياً. إني شامت بمن أحفظ أسماءهم في سري ـ لأنهم عرب ـ كالدر المنضود. ولأن الصخابين يصخبون ساخرين من كل كلمة أو نأمة تصدر عني، فإني شامت بنفسي، وهي لاطية خلف النخلة العبلاء في ساحة الفردوس في قلب بغداد، تتحيّن موتها كما تتحيّن طرد أي غازٍ، جندياً كان أم غوغائياً أم تمثالاً موعوداً لديكتاتور موعود. AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1481--- Date 17/4/2003 جريدة (الزمان) --- العدد 1481 --- التاريخ 2003 - 4 - 17 AZP09 AYMK NBSL |