ضفاف - هي بغداد.. وربما دمشق - نبيل سليمان
كانت مائسة التي ستكمل سنتها الأولي بعد أيام، لابدةً في حضن سميعة، وأنا لابدُ بجوار وفيق، وخروف في ممر البوسطة لابدٌ عند قدم صاحبه، والبوسطة تواصل عريرها من الرقة إلي دير الزور، بل من دير الزور إلي القامشلي، بل من القامشلي إلي الموصل.
قد نكون بدلنا البوسطة العتيقة بأخري أعتق، لكن المؤكد أننا تجاوزنا الحدود بالبطاقة الشخصية ودفتر العائلة، وأن الرحلة طوت النهار، وأن المساء الموصلي كان مطيراً، وأن سنة 1972 كانت في مطلعها.
وقد أكون رغطت مثل مائسة ومثل صمت وصخب وفيق وسميعة، لكن المؤكد أن نينوي كانت تتبرج بالمطر والشمس في النهار التالي. ومن المؤكد أننا في نهار مطير ثالث طرنا إلي سامراء، ثم طرنا إلي بغداد، ثم ظللنا اثني عشر يوماً نطير في أرجائها وفي أرجاء كربلاء والنجف وبابل، وفجأة، لبدتْ مائسة في حضني وقد أكملت سنتها الأولي، ولبدتْ سميعة بجوار وفيق، وشّبه لي أن خروفاً يلبد عند قدم صاحبه في ممر البوسطة العتيقة أيضاً، والبوسطة تواصل عريرها من بغداد إلي أن أهوي في الرقة: أصدق حلماً وأكذّب حلماً: هل رأيت بغداد يوماً؟
ûûû
بعد تسع عشرة سنة، وفي حمأة حرب الخليج الثانية أو عاصفة الصحراء ــ ما اسم تلك الحرب؟ ــ سأنكر أني زرت العراق يوماً، وأنا أجيب كتابة علي واحد من أسئلة استمارة طويلة عريضة: ما البلدان التي زرتها؟
منذ تلك الظهيرة الباردة حتي توقفت تلك الحرب ــ هل توقفت يوماً؟ ــ عدت أتقري ما رأيت من العراق وما لم أر في روايات غائب طعمة فرمان وذو النون أيوب وجبرا إبراهيم جبرا وفاضل العزاوي، وفي قصص محمد خضير وعبد الستار ناصر وبثينة الناصري، وفي قصائد سعدي يوسف ومظفر النواب وعبد الكريم كاصد وجليل حيدر وعبد الوهاب البياتي وبدر شاكر السياب و.. وبالطبع في طائرات بوش الأب وصور صدام حسين، ثم: ثم تضيعني بغداد وأنا أتقراها في عشرات القلوب الصديقة الطافرة منها إلي دمشق أو اللاذقية، وأشرق بالدمعة وأنا أرتمي في حضن أو أغنية أو مجلة أو مسرحية أو لوحة، وفجأة تيبس الدمعة علي وعد اللقاء في بغداد، وفجأة تضيع بغداد مثلنا، ثم:
ثم تباغتني بغداد تحت القصف في ذلك الليل الذي حشرني في إربد، بعدما حشرتني في عمان مع أسعد محمد علي ــ من يذكر هذا العراقي الجوهرة! ــ ومثلما ستحشرني في ذلك النهار الدمشقي مع صورة هادي العلوي التي حملتها زوجته المحشورة بين المتظاهرين المحشورين من قبالة المركز الثقافي البريطاني إلي قبالة السفارة الأمريكية، وها أنا إذن في حضن بغداد التي تتطوح من حرب إلي حرب فأتطوح من حصار إلي حصار، ثم:
ûûû
ثم تسكنني بغداد وأسكنها من ضريح هادي العلوي إلي ضريح محمد مهدي الجواهري إلي ضريح عبد الوهاب البياتي إلي ضريح معلوم جداً ومجهول جداً، لا يفتأ يكبر ويتكثر ويطير حتي أهوي مصدقاً كابوساً ومكذباً كابوساً: هل رأيت بغداد يوماً؟
ــ بالطبع.
ــ أية بغداد رأيت؟
ــ بغداد السي إن إن وبوش الأب. بغداد صدام حسين وبوش الابن. بغداد الجزيرة وبغداد المعارضة المراهنة علي حرب الخليج الثالثة أو حرب حرية العراق: ما اسم هذه الحرب؟
ــ أنت لم تر بغداد إذن.
وأنا إذن ــ مثل سميعة ووفيق ومائسة التي صارت أماً ــ لم ألبد في بوسطة عتيقة كخروف لابدٍ عند قدم صاحبه، والبوسطة لم تعرّ إلي ومن بغداد. وليس عليّ إذن إلا أن أدع التيلفزيون لمن يتفرج، لألحق بمن سبق في الحافلة الحديثة الميممة إلي الشعلة والكرّادة في بغداد، ثم:
ثم تستوقفني الحدود التي ما عادت منذ عقود ترضي إلا بجواز السفر، وعلي جانبيها تنشب الأصوات وتشتبك:
ہ بائع لملاقط الشعر الرجالية يلوح بواحد منها، كأنه علي رصيفٍ في عمّان، فأقترب منه مستنكراً، فيصبح بي: هذا هو المنقاش، هل سمعت بعلي بن عبيد المنقاش وبارودة البرنو؟ ثم يلتفت عني منادياً: منقاش للشَّعر والأباتشي بنصف دينار.
ہ رايتشيل كوري التي نهضت للتو من تحت الجرافة الإسرائيلية في تل السلطان، وقدبدت ضاحكة تهامس خطيبها ستيفان بآخر نكنة هاتفها بها والدها من واشنطن: العاصفة الرملية عمل إرهابي.
ہ معارض عراقي يلبد عند بوسطة عتيقة ــ أي حافلة حديثة ــ كأنما ينتظر أن تمهد له الــ B52 الطريق إلي بغداد، وهو يغني مقلداً شعبان عبد الرحيم ومبدلاً بكلماته: (أنا بَكْره صدام حسين/ وبحب أمريكا).
وما إن اختفي هذا الصوت حتي نشبت يمينٌ تحمل رسالة المثقفين في السعودية إلي بوش، ثم نشبت شمال تحمل رسالة أولاء إلي سفير بوش في الرياض، ثم صاح حامل الرسالتين بصيحتهما ضد الــ B52 التي شقّت الحدود، وصاح آخر وهو يشرع الراديو الصغير جداً بصيحة رامسفيلد مهدداً سوريا ومتوعداً، وعندئذٍ نشب هادي العلوي وعبد الوهاب البياتي ومحمد مهدي الجواهري من أضرحتهم الدمشقية، وصاحوا بالحشد الحدودي: هيا إلي بغداد قبل أن يتابعوا إلي دمشق، ثم:

AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1468--- Date 2/4/2003

جريدة (الزمان) --- العدد 1468 --- التاريخ 2003 - 4 - 2

AZP09
AYMK
NBSL