|
|
ضفاف - من حرب إلي حرب - نبيل سليمان كانت اللاذقية شاحبة. البحر نفسه كان شاحباً مثل وجهي سعد أيوب وإسبر فارس، عندما جمعهما نادي الضباط مع مظهر. وكان مظهر منتشياً بالموعد الذي انقضي له مع إحداهن، وقبل أن يملأ كرسيه فهق: ــ من الشام إلي اللاذقية كرمي لساعة يا شباب. إنما ساعة ولا بالأحلام. حدق إسبر في سعد، ثم قال متجاهلاً نشوة مظهر: ــ صدام حسين يبدع في الأخطاء. خمسة شهور وهو ينتظر أن يهاجموه. كان يمكن أن يقلب عاليها سافلها. قال سعد وهو يتحاشي النظر إلي مظهر: ــ 31 دولة يا إسبر عليك وحدك. مستحيل أن تنتصر. الولايات المتحدة وحدها تكفي. وتسلل صوت مظهر كأنما يلملم فلشته: ــ بدأنا نقرأ أن الحرب كانت حقل تجارب للأسلحة الذكية. قرأت أيضاً أن هذه الحرب علمتْ حروبَ المستقبل المعركةَ العميقة. ماذا يعني ذلك يا إسبر؟ واندفعَ إسبر كمعلم يشرح مضطراً لتلميذ غبي: ــ الأسلحة الذكية أنظمة صواريخ وقذائف موجهة. صاروخ مامزيك وحده معجزة: جو أرض ومضاد للدبابات. رؤوس تيلفزيونية وحرارية وجهاز تحكم ذاتي، منه صنف موجه بالليزر. أما المعركة العميقة فمعناها: اطلقْ يا مظهر وانسَ. اطلقْ واهربْ. اضربْ في العمق. قال سعد مقاطعاً وهو يلجم ابتسامة: ــ مثل أسلوب مظهر العبدون في الحياة. التفت مظهر إلي سعد محتجاً، بينما تابع إسبر كأنه يزجر تلميذه: ــ المعركة العميقة معناها: حرب العصابات بالدبابات. معناها: الطائرات أولاً. أسرع سعد ساخراً: ــ كانت إسرائيل إذن رائدة في حرب الــ 67. الطائرات أولاً وأخيراً. حدق مظهر في المدي البحري وهمهم: ــ صدام حسين دمر العراق. قال إسبر بأسي: ــ ليس وحده. نحن جميعاً دمرنا العراق، ودمرنا أنفسنا. الاتحاد السوفييتي رحمه الله كان شريكاً في الدمار. العالم كله كان شريكاً. وظلل الثلاثة صمت ثقيل، حتي قطعه سعد ساخراً: ــ حرب عالمية ثالثة ودعتْنا بأسوأ مما ودعتنا به الحرب الأولي والثانية. وقال مظهر وهو يلملم نظراته عن المدي البحري: ــ مهزلة. سأل إسبر متوجساً: ــ أين هي؟ ــ مهزلة الـ 14000 أسير عراقي في أول يوم من الحرب البرية. مهزلة التمويه العراقي، معنويات الجندي العراقي، قبل الهجوم خمسة أيام بلا طعام، وثلاثة أيام بلا ماء. ومن اليوم لبكرة نسمع العجايب. كان مظهر أشبه بالشامت. ولعل ذلك ما جعل سعد ينسحب. ولم يكد يدخل البيت حتي جاء هاتف إسبر: ــ الله يلعنك ويلعنْ صاحبك. ــ شو صار؟ ــ صار إني طردت مظهر. ما قدرت أحتمل. كلامه سم. تعال نكمل السهرة. غير أن سعد لم يذهب. وبعد قليل حضر مظهر. ولوّح سعد بما كان يقرأ له ـ للمرة الثانية ـ في العدد الماضي من جريدة الأسبوع: ــ شو هدا يا مظهر؟ قال مظهر بثقة: ــ هذا رأيي بالكتّاب الذين أصدروا في بداية الحرب بيانهم العتيد. أعلم أنك منهم. وأعلم أن بينهم من ضلّلك وضلّل غيرك. ــ لا أحد ضللني، ولا أظن أحداً ضلل غيري. ــ المهم أن البيان يجعل القيادة العراقية تمعن في غيّها. البيان يؤيد صدام حسين بالتلميح، لأنه لا يجرؤ علي التصريح. ــ لكن كتب أكثر الموقعين علي البيان ممنوعة في العراق. وكثيرون منهم كتبوا ضد صدام حسين، وضد أي ديكتاتور. قال سعد مغالباً نقمته، بحضور أمه وقتيبة، ودوّمت في سمعه أصوات صديقات وأصدقاء: مظهر العبدون ممسحة. صداقة مظهر العبدون تسيء إليك يا سعد، فهمس وهو يرمي الجريدة بعيداً: ــ أنت تعرف أنه قد حُقِّقَ معي ومع إسبر فارس ومطاع أكرم وآخرين بسبب البيان. هل كلفتك جهة ما بكتابة هذه المقالة المغرضة والرديئة؟ نظر مظهر إلي أم سعد شاكياً، ثم وقف منفجراً: ــ زدتها يا سعد. أنا لا أسمح لك. وخرج صافقاً الباب، ونظر سعد إلي أمه شاكياً: ــ مظهر خرب يا أمي. خلص. لكن أم سعد قالت وهي تحدق في الباب المصفوق: ــ مظهر هو هو يا سعد. أنت يا ابني كنت مغمّض العينين. ونهض قتيبة قائلاً: ــ مظهر ما فيه متله. أصلاً ما لكْ صاحب غيره. وخرج صافقاً الباب. وفكر سعد أنه مثلما يضيع منه شقيقه، يضيع صديقه. وعندما التقي هبة، كان قد ألف أن يكتفي من مصادفات مظهر بتحية عابرة. AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1457--- Date 20/3/2003 جريدة (الزمان) --- العدد 1457 --- التاريخ 2003 - 3 - 20 AZP09 AYKR NBSL |