ضفاف - دكتاتور ناطحــات السراب - نبيل سليمان
الي مؤنس الرزاز
بعد سنة من الغياب
تفتتح رواية (عو) لإبراهيم نصر الله هذه المأثورة من مأثورات جنرالها: (قمعت.. فأمنت.. فنمت).
لكن رواية مؤنس الرزاز (متاهة الأعراب في ناطحات السراب)، تكذب هذا الجنرال الدكتاتور، فيما تروي من الانقلاب الذي لم يترك أثراً من الجنرال الدكتاتور ذيب الرابع، فانتزع كريستوفر كولومبس الجنرال الدكتاتور ذيب الخامس من جحر زوجته، وأمره بمعجزة النهوض من ركام الانقلاب، فأخذت المعجزةُ الناسَ الذين صدقوا أن ذيب الجديد هو ذيب القديم.
وعلي سكة القديم مضي الجديد داعياً المعارضين إلي التفاوض حول إقامة جبهة وطنية ديمقراطية، فاشتجرت آراؤهم بين موافق ومخالف. وتقدم حسن الثاني من وافقوا إلي قصر ذيب الرابع ــ أي الخامس ــ حيث أطبق الفخ عليهم فأبيدوا.
لكن رواية مؤنس الرزاز (متاهة الأعراب في ناطحات السراب) تكتب أن التشظي والتقمص ليس وقفاً علي الجنرال الدكتاتور. فآدم الحقيقي يتشظي ــ أي يتقمص ــ إلي حسنين الذي يتشظي ــ أي يتقمص ــ إلي حسن الثاني السالف الذكر، وإلي حسن الأول الذي سيقود من ظل معارضاً للجنرال الدكتاتور، فيشيع بين الناس وباء القلق والأرق، ويكتئب الجنرال الدكتاتور ذيب الرابع ــ أي الخامس ــ ويسيل لعاب بقية الذياب اشتهاء للسلطة.
ولأن الرواية لا تترك اسماً لمسمي أو مسمي لاسم، ولا قميصاً لا يبدل جسده أو جسداً لا يبدل قميصه، فستروي شهرزاد في ليلة ــ حكاية من ليالي ــ حكايات الرواية أن المعارضين تسللوا بقيادة حسن الثاني ــ أي حسن الأول ــ علي أعتي قلاع الدكتاتور، فإذا بها تعج بسفن أمريكية وسط الصحراء، لا عمل لها إلا أن تتنصت علي البيوت، ولا سلاح لها إلا الهراوات والقنابل المسيلة للدموع ــ من هو العدو إذن؟ ــ وهكذا قررّ حسن الأول ــ أي حسن الثاني ــ مهاجمة القصر الجمهوري وشركة كولومبوس في عماية الصبح، ولكن..
تلك الليلة تنادي من تبقي من الذياب، ولبسوا جلود الذئاب، بعدما أُعلنت حالة انهيار ذيب الرابع، فاشتجرت آراء المتدافعين إلي الإرث العظيم، حتي قرّ قرارهم بالاحتكام إلي كولومبوس (فإنه والله أشرف الأمريكان نسباً، وأبعدهم محتداً، وأكرمهم أرومة ونجاراً، وهو من صميمنا، ويعرف دخائلنا، ويفطن إلي أمورنا).
وحكم كولومبوس بالتخلص من ذيب الرابع، وبحلول السادس محله، فانتفض الثامن:
(إن في نصحك يا كولومبوس لبريق الحية وسم الأساود). ومثله، هرع كل ذيب إلي عصبة زوجته، فتوافدت القبائل علي مدينة المرايا، وماجت الصحراء بالمقاتلين والغزاة (حتي باتت هذه المعركة مضرب الأمثال، فكأنها الجنون في احتفال، وكأن أهل الصحراء يكافحون في سبيل الانقراض والزوال).
ولأن الفرقة الأولي ذات ولاء لقائدها وأميرها ذيب السادس، فقد أخذت تقصف المدينة عشوائياً، وترسل الجحيم لولبياً، حتي أشار كولومبوس علي ذيب السادس بالتوقف، لكن الجنرال الدكتاتور المرتجي ركب رأسه، كما ركب الذياب الآخرون صهوات جيادهم، حتي طحنت طاحونة الحرب الأهلية كل الناس، ولم ينج العمال والصعاليك وشذاذ العرب من المعارضين.
بانتهاء هذه الليلة ــ الحكاية، لا يدرك شهرزاد الصباح فقط، ولا تسكت عن الكلام المباح فقط، بل تختفي، بعدما أتي الجنرال الدكتاتور قميصاً فقميصاً علي الحاضر والمستقبل كما أتي علي الماضي، ولم يبق لمؤنس الرزاز إلا أن يختم روايته بالأصوات والعيون والأذرع والأقدام، أي بكائن واحد يسأل ويتساءل، وللأسئلة القانية هذا الإيقاع: (ترلم.. ترلم..لم.. دم.. دم.. تر دم .. دم.. دم.. دم يدمدم دم يدندن.. دم.. دم.. ترلم..).
لقد حفر الجنرال الدكتاتور ــ أي منهم؟ ــ عميقاً في العالم الروائي لمؤنس الرزاز، كما حفرت كتابة مؤنس الرزاز عميقاً في هذه الشخصية الروائية التي قد يكون حضورها طاغياً كما في هذه الرواية، وقد يكون أدني، كما في رواية مؤنس (اعترافات كاتم صوت ــ 1986)، وحيث يفرض الجنرال الدكتاتور الإقامة الجبرية علي رفيقه الدكتور مراد. وعندما يُختطف ابن الدكتور مراد ويُقتل، يرسل الجنرال الدكتاتور من ينقل شعوره باللوعة والحزن، وإدانته للأيدي الآثمة، وتوكيده أن أجهزته لا علاقة لها بالأمر، واعتقاده أن (جهاز دولة شقيقة معادية هو الذي نفذ العملية، كي يعتقد الملأ الأعظم من الناس أننا فعلناها).
ولكن ما الفرق ــ لا فرق ــ بين جنرال دكتاتور وجنرال دكتاتور، أي بين ذيب وذيب أو رفيق وشقيق؟
إنه السؤال ــ الجواب الذي يتفتق في روايات مؤنس الرزاز، كما يتفتق في الرواية العربية. علي أن الأمر يظل أهون بما لا يقاس مع تفتيق السؤال ــ الجواب في العيش العربي السعيد، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

السنة السادسة ــ العدد 5144 الاربعاء 3 محرم 1424هـ 6 آذار (مارس) 2003م

AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1445 --- Date 6/3/2003

جريدة (الزمان) --- العدد 1445 --- التاريخ 2003 - 3 - 6
AZP09
AYMK
NBSL