|
|
ديكتاتور عربانيا - نبيل سليمان هذا هو المهيمن الذي لا يتواري عنه مارق من أمر رعيته في ليلٍ داجٍ ولا أرض ذات فجاج، يعلم الخفي وما فوق الخفي وما تحت الخفي، حامي الحقيقة محمود الخليقة، راعي الذمار وواهب الرزق لكل من سارت به قدم، ناصر الدين في كل ربض، جامع القوم في كل شِعْبٍ، خالق الحب في كل أرض، مسبغ النعم في كل واد، رئيسنا وسيدنا ومولانا، من لا لَبيسَ له في مشارق الأرض ومغاربها، سلطاننا المفدي، دافع النصر وكاسر شوكة الشر ورافع لواء المجد في سوح الوغي، فاتق حجب الظلام وناشر الحكمة في الوري، حبيب الحرم وقبلة المريدين، فاقع أورام الجهالة وناشل الغصص لدي الغواشي، شيخ التقاة وأول الثقاة. إنه الديكتاتور الذي ابتدعه أبو بكر العيادي في روايته (آخر الرعية) كما ابتدع بلاده وشعبه ورجاله ومعارضيه، من دون أن يعيّن ما ابتدع في بلد أو زمن معلومين، وإن كانت واحدة من الإشارات تكفي لأن يهتف قارئ اليوم مذعوراً: هذا زمني، فدكتاتور الرواية يسخر من زعيم الغرب الذي يقاد إلي التحقيق كالمجرم، ويعتذر للملايين ويتوب، وكل ذلك من أجل جارية، أتته إلي المكتب، فانتابه ما ينتاب الذكر إذا اختلي بأنثي، وكان الشيطان ثالثهما: أليس هذا الزعيم كلينتون، وتلك الجارية بمونيكا؟ وماذا إذن؟ لا شيء البتة، سوي أن دكتاتور الرواية ــ مثلاً ــ قد خطب: لا للتدخل الأجنبي، لا للهيمنة الإمبريالية، لا للصلف الغربي، فسري في البلاد غقيق كأنها تتأهب الحرب، وانفجرت المظاهرات والمسيرات أياماً وليالي، وتصدرت أقوال (الكبير) الجرائد، وصدحت المذياعات والتيلفزيونات والأبواق المتنقلة بالخطبة، وملأت اللافتات الشوارع، وعند كل منعطف وفي صدر كل ميدان وملأت صور الديكتاتور بالزي التقليدي أو الإفرنجي أو العسكري، مبتسماً وصارماً ومحيياً ورافعاً شارة النصر. لا شيء البتة سوي أن دكتاتور الرواية ــ مثلاً ــ قد شاهد تحقيقاً تلفزياً للسي. إن. إن. عن بلاد لا شرقية ولا غربية، صور زعيمها الكبيرة والصغيرة والنصفية والكاملة في كل مكان، وعلي سؤال السائل ردّ ذلك الزعيم أن الشعب هو الذي أراد ذلك حتي يكون قريباً من قائده، وأن الصورة تقيم علاقة روحية بينه وبين شعبه، فما كان من ديكتاتور الرواية إلا أن جاء بفنان ليرسمه، وصدق الفنان أن القدر اصطفاه لهذا الأمر الجلل، وجاءت صورة الديكتاتور بلحمه وشحمه، لكأنه استولي علي عرش عظيم، وهان لأمر دونه مصير البلاد. لكن الديكتاتور غضب، وَرُميَ الفنان في غيابة الجب، لأنها سها عن تعديل الأنف الكبير والأورام المحيقة بالعينين، وهذا ما لم يفت الفنان الفرنسي المتخصص بالبورترية: جان باتيست فراي، فرضي الديكتاتور عن صورته، وأُنشئ صندوق لدعم تعميم الصورة علي البلاد، وصار وصل التبرع للصندوق دليل الوطنية الصادقة، ونُظمت مسابقات في رسم صور الديكتاتور، وسُجِنَ الفنان في قفص ذهبي حتي قضي، لأن بلداً مجاوراً سعي إليه، ولا شيء. لا شيء البتة، سوي أن الديكتاتور ــ مثلاً ــ أمر بالتحقيق في أصول شجرة عائلته، فتوالت البحوث طوال عقد، وعوقب العلماء علي تقصيرهم، حتي اهتدي واحدهم إلي الحجاج، ولا شيء، لا شيء البتة، سوي أن الديكتاتور البالغ من العمر سبعاً وستين لا يري ـ مثلاً ـ في الأدب نفعاً إلا للشعر التقليدي وللشعر الشعبي، أما قصيدة النثر والغموض فشر مستطير، وكل من يعاظل في الكلام خارج عن القانون، وحلال دمه وماله، لأنه وافد مثل الأفكار المستوردة لخلخلة النظام. وديكتاتور الرواية شاعر هتف له الشعراء في ميلاده الستين: لبيك لبيك. لبيك يا عظيم الشان! أنت وحدك السلطان! أتتك رعايا عربان! رجالها والركبان ! بشيبها والولدان! مِذْللةً للربان. ولما جادت قريحة ديكتاتور الرواية بالنشيد الرسمي الجديد للبلاد، انعقدت حول النشيد الموائد المستديرة والأمسيات والملتقيات، وعدّه المحللون السياسيون حدثاً سياسياً يمكن التأريخ بما قبله وبما بعده، وعدّه رؤساء الأقسام الثقافية حدثاً ثقافياً سياسياً يقطع مع السائد القائم علي أحادية الخطاب وواحدية اتجاهه بين باثٍ هو الشاعر ومتلقٍ هو السلطان، ليقيم علاقة جدلية متعارضة، يكون فيها الطرفان، كل من زاويته، باثاً ومتلقياً في الآن نفسه، وليس هذا كل شيء، فالمسرحيون عدّوا النشيد القصيد حدثاً مسرحياً، وأدلي بالدلاء علماء النفس والرياضيون والفنانون و.. ولا شيء. لا شيء البتة سوي أن ديكتاتور الرواية يدرك ــ مثلاً ــ ملق حاشيته وخوائها، فيتسلي بها، ويرسل نظريته في أن شهرزاد هي مؤلفة ألف ليلة وليلة، لكونها أديبة فذة، ولم ترو لتنقذ رأسها وبنات جنسها، فانعقدت المؤتمرات ــ وفيها أجانب ــ لدرس النظرية، جمعية العفة ديكتاتور الرواية ألف عذراء وعذراء من بنات شهرزاد، ولا شيء. لا شيء البتة سوي أن ديكتاتور الرواية حقق بنفسه مع معارض، كي يسمع كلمة تخالفه، فلما خاطبه المسكين: وجودكم مرهون بوجودنا، وهذه البلاد بلادنا مثلما هي بلادكم، صاح الدكتاتور: بل هي بلادي، ولا شيء. لا شيء البتة سوي أن ديكتاتور الرواية شاء أن يلعب لعبة الديمقراطية، ما دام العدو الداخلي مثل العدو الخارجي يلعلع بغيابها، فكانت لعبة البيعة، وصدق أحدهم فتقدم للمنافسة، فَذُهِلَ الديكتاتور من هذا الذي لم يدر أنه الكبير الأعظم الوحيد الواحد الأوحد الأحد الذي صاغ البلاد من عدم ونفخ فيها الروح، كما قال بنفسه، وهو الذي قال أيضاً يوم البيعة: فلعمري، لئن كان سكر الغني ألذ من سكر الخمر، فإن سكر السلطة ألذّ من أي سكر! ولا شيء. لا شيء البتة سوي أن ديكتاتور الرواية دعا إلي حفل البيعة فقط الأشقاء والأصدقاء الذين أتموا في الحكم ثلاثين عاماً، وكانوا كثراً، وباعتباره: مبتدع المناهج القويمة في الرئاسة المستديمة، استأذنوه بالاستفادة من تجربته، فإذِنَ، وهو الذي يتساءل عن الديمقراطية: أما قالوا إنها حكم الأغلبية؟ طيب، نحن الأغلب، وهو أيضاً الذي تساءل عن التداول: أفلا يجوز الحكم بغير التناوب؟ أيعقل أن تحرم الرعية من حاكم عادل، وتبتلي بخلفٍ فظ جائر يقوض ما أسسه السلف الصالح؟ وديكتاتور الرواية أيضاً وأيضاً هو الذي حلم بوزيره الأول الخائن يقايضه: حياتك مقابل العرش، فدوّم سؤاله: ماذا أفعل بالحياة من دون عرش؟ وما قيمة المدينة إن لم أكن حاكمها؟ من حول هذا الديكتاتور ــ بحسب رواية العيادي ــ كلاب سغبة بدأت تنفخ في شلوه الفاضي، وتوهمه أنه الطائي في جوده، والفاروق في عدله، ولقمان في حكمته، وابن ساعدة في طلاوة لسانه، وذو القرنين في حنكته وتدبيره، حتي صارت تدعوه أمير المؤمنين، ثم تنافست الألسن والأقلام في امتداحه، وقالوا إنه يعلم الأمور، فينقض منها المفتول، ويبرم منها المحلول، ويجيلها حتي تجول، ثم ينظر فيها إلي ما تؤول، وقالوا أيضاً إن الله قد سهل به الوعور، وجلا به الديجور، وملأ من خوفه القلوب والصدور، وهو الذي ما كاد أن يتولي المقاليد حتي بدأ يقضم السلطات واحدة واحدة، إلي أن صار علي راس الحزب والدولة والحكومة والاستخبارات وأجهزة الأمن والقضاء والشعائر الدينية وأجهزة الدعاية والإعلام، بل قيل إنه كان يتولي بنفسه اختيار لاعبي الكرة، ولا شيء. لا شيء البتة سوي أن كل ما تقدم ليس غير أقل القليل مما تمور به رواية (آخر الرعية)، أما الجريرة الأصغر، فلها أبو بكر العيادي جزاء ما كتب، وأما الجريرة الأكبر، فلها القارئ الذي تسوّل له نفسه الأمارة بالسوء، أن يسأل عما بعد الرواية. AZZAMAN ARABIC NEWSPAPER ISSUE 1419 DATE: 30-1-2002 جريدة (الزمان) العدد 1419 التاريخ 2003 - 1 - 30 AZP09 AYMK NBSL |