|
|
(طوق الحمامة) روائيا - نبيل سليمان منذ أكثر من ثلاثين سنة، حفظت من قراءتي الأولي لـ(طوق الحمامة في الألفة والآلاف) قولة ابن حزم: (دعني أخبرك أني ما رويت قط من ماء الوصل ولا زادني إلا ظمأ) وقولته: (لقد منحني الله عز وجل من الوفاء لكل من يمتّ إليّ بلقيا واحدة)، كما حفظت ــ أخيراً ــ هذا المثل لقصر الزمن: (لم يبق إلا كـ (لا) و(لا). في الشتاء الماضي تسلل هذا الذي حفظت إلي مشروع رواية آمل أن تصدر مطلع العام المقبل وفي الآن نفسه كنت أتهيأ للمشاركة في ندوة (ابن حزم والأندلسي)، والتي سيحرمني المرض منها، وقد نظمها في حلب (2 ــ 4) شباط (فبراير) 2002 معهد ثربانتس الدولي وجامعة حلب وجمعية العاديات. كانت مشاركتي المزمعة هي تقري أثر (طوق الحمامة) في الرواية العربية، بتحريض قديم من دراسة الطاهر مكي لتأثير (طوق الحمامة) في الأدب العالمي. وبالتالي، كانت قراءتي الثانية للكتاب، بتقديم وتحقيق إحسان عباس هذه المرة ــ المرة الأولي كانت الطبعة التي حققها فاروق سعد ــ وكانت قراءتي الأولي لرسائله. ومن التقلب بين سيرة ابن حزم وأسباب تأليفه لكتابه الشهير، وبين أبواب الكتاب، مضيت إلي الروايات التي كنت قد رصدت أثراً ما لـ(طوق الحمامة) فيها، وهي: (فردوس الجنون 1996) لأحمد يوسف داوود (سوريا) ورواية (الباذنجانة الزرقاء) لميرال الطحاوي (مصر) ورواية (رائحة الأنثي ــ 2002) للزاوي أمين (الجزائر). ومن حسن الحظ أني قرأت بعد الندوة المذكورة والمرض رواية (العصفورية ـ 1999) لغازي القصيبي (السعودية) ورواية (وراق الحب ــ 2002) لخليل صويلح (سورية)، حيث لكتاب ابن حزم أثر ما، فبلغت المدونة خمس روايات، ثلاثة من كتابها يجمعون الشعر إلي الرواية (أحمد يوسف داوود ــ غازي القصيبي ــ خليل صويلح)، وتأتي جميعاً في ذروة اشتغال التناص في الحداثي من الرواية العربية، وفي ذروة حفر هذا الحداثي في التراث السردي. وربما يقوي من مصداقية هذه المدونة توزعها الجغرافي في بلاد العرب، وتوزعها الجيلي. أما الأهم، فهو توزّع أثر (طوق الحمامة) في هذه المدونة بين الأساسي في روايتي ميرال الطحاوي والزاوي أمين، والثانوي في باقي الروايات، وبالأخيرة سأبدأ. تتوزع رواية (فردوس الجنون) علي فصول أو أبواب، دون أن تحمل هذه التسمية، وإن يكن لكل منها عنوانه الذي يخاطب بحرفيته أو بصيغته التراث السردي، ومن ذلك باب ـ فصل (رسالة الغفران) و(التوابع والزوابع) و.. و(طوق الحمامة). في هذا الفصل يعتزم (بطل) الرواية السوري بليغ مغادرة بيروت بعد مقامه الطويل المرير في حمأة الحرب اللبنانية. ويلتقي في كاباريه (تامارا) بزيزي التي أحبته بصمت، وتسأله الآن: (أما جاء وقت أن تناديني يمامتي مرة واحدة؟) وسيستجيب بليغ الوحيد المستوحش مثلها في هذا العالم الفاضل المرعب. وإلي بيتها سيمضيان ليعلن صباح ليلتهما الأولي أنها المرة الأولي التي يتوحد فيها مع امرأة، ولتعلن هي أنها أحبت مرتين من قبل، وفيهما فقط أعطت جسدها، وهذه هي المرة الثالثة مع بليغ، علي الرغم من أنها تعمل في كاباريه. وطوال ثلاثة أيام تالية، وكما سيعبر بليغ: (كان كل منا يريد أن يطمر كل شقائه وشقاواته تحت ركام اللذة الفريدة في آن معاً) إننا وحيدان متحدان باستمتاعنا بكل هذه الحرية الغريبة في شقة كالزنزانة. ولأن بليغ يحسب أنه أحب زيزي أكثر مما قدر، يطلب الزواج، فترفض، وإن كانت تريد منه طفلاً: (أنا أحبكَ حب يأس لا حب اختيار، ومع ذلك فهو حب أصيل وصاف وقوي فوق ما تظن). أما بليغ فيضيف: (كلانا يحب الآخر كي لا يهلك في اليأس). ولا يحضر (طوق الحمامة) ولا صاحبه إذن إلا في العنوان، إعلاناً عن قصة حب تبحث عن نسبها في باب من أبواب كتاب ابن حزم. وبخلاف ذلك سيحضر ابن حزم وكتابه في الروايات الأخري. بل إن ابن حزم، وفي غير (طوق الحمامة) سيحضر أيضاً في رواية (العصفورية). فبطلها البروفيسور بشار الغول حصّل دكتوراه في الفقه من جامعة طومبكطاء التي تمنح الدكتوراه في كل المجالات، وكان موضوع أطروحته (اجتهادات الإمام ابن حزم الأندلس). علي القارئ أن يوطن نفسه علي السخرية في رواية (العصفورية) ليتابع أيضاً تبدد نظرية السببية بين الأشعري وتلميذه الغزالي وفتوحات ختم الأولياء. لكن الله (قيض لهذه الأمة بطلين، ابن حزم الأندلسي وابن تيمية الحراني، أنقذا نظرية السببية وأدخلاها غرفة الإنعاش، ولا تزال هناك). ولأن البروفيسور من حزب الشقر، يؤصل تحزبه في تفضيل ابن حزم للشقراوات، وفيما علل ذلك في (طوق الحمامة)) إذ قال: (إني أحببت في صباي جارية لي شقراء اللون، فما استحسنت من ذلك الوقت سوداء الشعر، ولو أنه علي الشمس، أو علي صورة الحسن نفسه، وإني لأجد هذا في أصل تركيبي من ذلك الوقت") غير أن البروفيسور الذي لا يقرّ علي قرار، يستنكر تحزب ابن حزم للشقر قائلاً: (هذا، إن سألتني، تطرف من أبي محمد، رحمه الله. ولعله كان متأثراً بمعازبيه الخلفاء الأمويين في الأندلس الذين كانوا، والعهدة عليه، مجبولين علي تفضيل الشقرة (لا يختلف في ذلك مختلف). والتطرف ذميم حتي في حب الشقر. والتطرف يوجد تطرفاً مضاداً. وهذه هي الديلكتيكية التي اكتشفها هيجل السنة الفارطة). وسيذكر البروفيسور من ابن حزم أيضاً مخالفته كل الأئمة في موضوع الساحر، إذ ذهب إلي أن الساحر لا يقتل، بل يعزز. علي نحو ثانوي أيضاً، ولكنه أكبر، يبدو أثر (طوق الحمامة) في رواية (وراق الحب)، والتي ستتصدرها من هذا الكتاب المحاورة التي ساقها فيه ابن حزم: ( ــ إذا كره من أحب لقائي، وتجنب قربي فماذا أصنع؟ ــ أري أن تسعي في إدخال الروح علي نفسك بلقائه وإن كره. ــ أنا لا أري ذلك، بل أوثر هواه علي هواي ومراده علي مرادي، وأصبر ولو كان في ذلك الحتف). يكتب روائي (وراق الحب) وبطلها رواية. وفي سعيه إلي مدخل لروايته يفكر في أن يكون ذلك حكاية التاجر البغدادي الذي صادف في الشام ياسمين زاد وعشقها، فطلبت مهرها أن ينسخ لها كتاباً يحتوي أجمل ما قيل في الحب والفراق والموت. وبعد قرابة عشرين سنة عاد العاشق بقافلة من الجمال محملة بمئات المخطوطات، ومات تاركاً وصيته بحفظ الحمولة، لكن الحمولة فقدت في إحدي غزوات تيمورلنك لدمشق، سوي نسخة من (طوق الحمامة)، بدأ الراوي بالبحث عنها في المكتبة الظاهرية، متلبساً روح أمبرتو إيكو في (اسم الوردة) وهو ــ كما نقرأ ــ يبحث عن مخطوط غامض في أحد الأديرة القديمة في إيطاليا. عثر الراوي علي نسخة من الكتاب ـ الكنز: (طوق الحمامة). لكن أمله خاب حين وجده أنيقاً كأنه مطبوع للتو. وعلي الرغم من قراءته للكتاب من قبل ثلاث مرات متباعدة، أثارت شهيته هذه المرة توطئة ابن حزم (واعتقدت أنها مفتاح روايتي، وتخيلت نفسي أتجول في أحد أروقة قصور قرطبة بين أشجار الرمان، أردد قصيدة كتبتها عن الصبابة في الحب، أو عن الإشارة في العين). ولقد أغري الراوي أسلوب الأسلاف في التوطئة، ففكر في أن يبدأ روايته كما بدأ ابن حزم كتابه، ونقل من أجل ذلك من توطئة ابن حزم ما نقل، كما نقل تعريفه للحب ـ والمنقولين سنقرأهما بطولهما في الرواية ــ والأهم أنه عزم علي تبويب روايته المنشودة في ثلاثة أبواب: باب الحب، باب الفراق، باب الموت، ثم اكتفي بباب الحب. ذلك هو الأثر الثانوي ـ بالأحري ـ العابر لـ(طوق الحمامة) في تلك الروايات الثلاث، فماذا عن الأثر الأساسي في سواها؟ جريدة (الزمان) العدد 1407 التاريخ 2003 - 1 - 16 AZP09 AYMK NBSL |