|
|
القمحاوي كاتباً للمباهج والأحزان - نبيل سليمان بعد مجموعته القصصية (مواقيت البهجة) وروايته (مدينة اللذة) يتقدم عزت القمحاوي بكتابه (الأيك في المباهج والأحزان) الذي قدم له فيصل دراج، فصنفه علي أنه (كتاب بصير، يتكئ علي أجناس من المعرفة مختلفة)، إذ يتصادي فيه الفكر والصحافة والرواية، ويلتفت إلي الكتب ــ بخلاف ما رأي دراج ــ بقدر ما يلتقط أسئلته من الحياة اليومية، ولعله يلفت المثقف بعامة، وليس المثقف غير التقليدي وحسب، بخلاف رأي دراج أيضا، لكنها لفتة ــ صدمة، ابتداءً من سيرة الكتاب، كما تلامحت في فصله الأول/ حركته الأولي (فتح اليد)، ومنها أن الدافع إليه ما كان غير رغبة غامضة في كلمات تجلب لصاحبها المتعة ولنفسها عطف القارئ، كذلك قول الكاتب: (لست متأكداً من شيء سوي اكتشافي البسيط أن متعة كتابة نصوص دون باترون أو دون شكل متعمد لا تضاهيها متعة حتي لو كانت النتيجة ثوباً صغيراً لدمية)، وهذا ما تؤكده مغامرة القمحاوي من قبل في كتابة القصة القصيرة والرواية. ولسوف يؤكد كتاب (الأيك) الثقافة العريضة والعميقة للكاتب، وخبرته في اليومي والشفوي، وهو الذي يبدو أنه يقوم فصلاً/ حركة تلو فصل/ حركة علي التأمل والتفكر ــ حد السخرية ــ في مسألة بعينها، ابتداءً و/ أو انتهاء بكتابات ــ متناصات سابقة، وكذلك بالمعيوش، وبخاصة: الشعبي منه. تحت عنوان (وقع الأصابع) يكتب عزت القمحاوي (الأصابع هي الموسيقي) وهي (جسد أنثوي كامل) و(أول بديل لثدي الأم)، ويلاحق القوة التدميرية للإصبع ممثلاً بصدام حسين أو هتلر أو ميلوسوفيتش، ومهام الاتصال البذيئة بلغة الإشارة الإصبعية لدي نساء الحارة الشعبية المصرية، وإصبع الزعيم التي تفاقم هوسها بكبسة الزر إطلاقاً لمشروع فمشروع. ومن قصة لزكريا تامر إلي رواية الطاهر وطار (عرس بغل). إلي رواية كاواباتا (الجميلات النائمات) إلي نشيد الإنشاد وبيكاسو وامرئ القيس والإله رع وأبي الهول.. يلاحق الكاتب تعبيرات الاصبع، وصولاً إلي الاصبع الشهيرة لأحمد شوقي، والتي سيتقفاها متنطعو الكتابة الذين لم ينبههم أحد إلي المكان المناسب لوضعها في غير الخد، ولغير هيئة التفكر أو السرحان. وتحت عنوان (رائحة المعرفة) يمضي الكاتب إلي عالم الحيوان: النحل والنمل والحمار والكلبة، ليصل إلي أن (الإنسان أقل الحيوانات إدراكاً للرائحة وأكثرها وعياً بأهميتها). وإذا كان الكاتب يعود إلي القرية والطفولة حيث (رائحة الأنوثة)، وإلي السينما (فيلم عطر امرأة) ليؤكد ما ابتدأ به (في البدء كانت الرائحة)، فهو سيتقري ذلك لدي شهرزاد وفي كتاب الجنس المقدس عند الهندوس (الكاماسوترا) وفي القرآن وفيما روي السيوطي عن مسيلمة وسحاج وفي رواية محمود الورداني (رائحة البرتقال). وبالطبع، لن تفوت القمحاوي رواية (العطر) لباتريك زوسكند، ولا إشارة ايزابيل الليندي في (أفروديت) لسعي جرونوي إلي الجريمة، وهي القائلة: (داخل كل مناجرونوي صغير يسعي لتعظيم رائحة جسده). ويعود الكاتب ثانية إلي ابن حزم فيما يكتب تحت عنوان (أصوات الرغبة)، كما يفسح لعالم الحيوان: الحمار والجاموس والحمام والقطط التي تمتلك أكثر من ستين درجة صوتية. أما مروحة الكتب هنا فتكاد تقف هنا علي الرواية، سوي ما يذكر من اسطورة نشأة فن القوادة بحسب الولي أحمد بن سليمان في (رجوع الشيخ علي صباه). فمن رواية (البحث عن الزمن المفقود) إلي (مائة عام من العزلة) إلي (المسيح يصلب من جديد) ومن رواية جمال الغيطاني (وقائع حارة الزعفراني) التي يري القمحاوي أنها تكاد تكون رواية حول أصوات الرغبة، إلي رواية محمد البساطي (أصوات الليل) ورواية الميلودي شغموم (خميل المضاجع) إلي رواية القمحاوي نفسه (مدينة اللذة)، تتوالي التعبيرات الروائية عن هذا القبيل من الأصوات. وسيفرد الكاتب من بعد فصلاً لكتابة قصة الصوت الأكثر فضائحية في ذاكرته، بعدما تراجع عن كتابتها حتي فعل، خشية الاتهامات بالمبالغة، والواقفة دائماً بالباب لخيال الكاتب الذي لا يملك إلا أن يبتسم في مواجهتها (لأنه هو وحده الذي يعرف أن الحقيقة كانت أكبر، وأنه اضطر لتخفيفها لتصير أدباً). ويتصل بهذا كله ما جاء في الكتاب تحت عنوان (سحق الرقة) والمتعلق بالأذن وما يتنامي ــ بالاضطراد مع تحول السينما من أمثولة نجاة الصغيرة إلي أمثولة سعاد حسني ــ من الإغواء الجنسي في الفيديو كليب، وما يتفاقم من ضجيجه، وبالاضطراد مع التتبيع المجاني لمجتمعات لم تعتق بعد من الدكتاتوريات البالية، لتقع أسيرة الدكتاتورية الجديدة: دكتاتورية الصورة. وللديكتاتورية في كتاب القمحاوي حديث آخر، سيلي في غير هذا المقام. علي هذا النحو يبدو أن الجسد هو مناط القول في كتاب القمحاوي، ولكن بمعني: الجسد ــ الروح، والجسد ــ الطبيعة، والجسد ــ الاجتماع، والجسد ــ الكون. ففي فصلي/ حركتي (حبس الرحبة) و(راية الاختلاف) يتعلق القول بما يقسر الجسد الأنثوي والاجتماعي اتكاءً علي الدين، من بوش الأب الذي هاجم العراق مستلهماً مفردات الكتاب المقدس، إلي كلينتون الذي تابع سلفه وهو يرفل في فضيحة مونيكا، إلي بوش الابن الذي تابع أباه معلناً الحرب الصليبة الجديدة، ابتداءً بأفغانستان. ومثل أولاء تأتي حركة الأسلمة المعاصرة التي تتخذ من جسد المرأة سارية لراية الاختلاف. وهنا يرسل الكاتب جملة من تأملاته البديعة والهامة في مخالفة الجسد الحداثي لما استقر في المخيلة العربية، وفي خروج وعي الفتاة العربية بجسدها خلال العقدين الماضيين من فضاء آخر غير الفضاء المعرفي العربي، وكذلك فيما أرسله الكاتب في حداثة التعري، وفيما وجد العصيان الاجتماعي من متنفس في جسد المرأة ولباسها. وفي فصول (بنيان الألفة) و(مطارح الغرام) و(مصايد الوحشة) يعني الكاتب بأثر المكان في الإنسان، ويهجو التخريب الحكومي للذوق في المعمار، وتحول الشوارع كالبيوت علي سجن محكم، كما يهجو الفخامة الرثة في عمارة محدثي النعمة، وبالمقابل يتهجي العلامة المعمارية الفارقة التي تركها حسن فتحي، وترحيل معمار الأنوثة إلي الكتابة، كما عبر عنه جمال الغيطاني في رواياته (رسالة الصبابة والوجد ــ خلسات الكري ــ شطح المدينة). وفي تقريه لمطارح الغرام، يراها غائبة في تراثها الإيروتيكي كما في الكاماسوترا، مقابل تفاقمها في المواقع الجنسية علي الأنترنت. ومقابل الاحتفاء بالجسد كما عبر عنه فصلا/ حركتا (مذاق العفة) و(إعراب المترادفات) يأتي التأمل في فساد الجسد في فصل (مسخ الكائن)، حيث يشخص الكاتب المسيغة فيما في ثقافتنا عن الجسد، علي الرغم من (صرعة) كتابة الجسد، ويلح علي أن (تأملاتنا حول الجسد يحبب أن تنطلق من غياب الحرية، وليس من الأعراض الجانبية لحضورها)، ويتقري أثر غياب التوازن السياسي في الجسد، والتعبير الروائي عن ذلك، من مسخ كافكا علي (تلك الرائحة) لصنع الله إبراهيم إلي روايتي (سمر الليالي) التي يراها في مجملها (رسماً دقيقاً لترابتية الجساد القاهرة والمقهورة). إنه كتاب ممتع بقدر ما هو مقلق ومربك ومثير وساخر ومستفز، وبسيط بقدر ما هو عميق، ولعله أشبه بالرقص الشرقي الذي شبهه الكاتب بالكتابة الأدبية، حيث المهم: كيف تقول، ورآه ــ مثل الطرب ــ كلمة تتمتع بها العربية دون سائد اللغات، فهذا الكتاب (كلمة) تخصّ كاتبها دون سائر الكتّاب والكاتبات. جريدة (الزمان) العدد 1401 التاريخ 2003 - 1 - 9 AZP09 AYMK NBSL |