مونتاج لتاريخ الشعر العراقي أسماء منتفخة ونصوص بلا رقاب

Print Friendly

مونتاج لتاريخ الشعر العراقي أسماء منتفخة ونصوص بلا رقاب
التشويش يرافق ماكنة ثلاثة أجيال شعرية
أسعد الجبوري
لا يمكن الظن بوجود صراع على تاريخ الشعر أو الشعرية العراقية، بقدر ظهور صراعات متفرقة لتثبيت أسماء وعزل أخرى عن المجرى العام للشعر، وكأن الخوض بالكتابة عن تاريخ الشعر، يتطلب أولاً، الخوض في مضامير السبق، من أجل توثيق الأساسيات التي تحسم أمر من كان الأول في كتابة قصيدة النثر العراقية، وليس غير
فهل يمكن للتسلسل الببليوغرافي تاريخياً ، فيما لو تم ترسيخه، أن يمنح البعض البطل كأساً غير كأس سقراط ، وتنتهي اللعبة بالفوز بـ الشهرة في هكذا مراثون؟
ولأن الموضوع ليس بالشائك أو بالمعقد، فيمكن القول إن العمليات الشعرية ، لا تكمن قوتها بمن نشر قصيدة نثر قبل الآخر. فذاك لا يعني أن يكون المبتدئ أو البادئ ، خلاقاً وطليعياً وفاتحاً لغوياً ، لأن قيمة النصوص ودوامها الفاعل ، يأتي من خلال الطاقات التي تحرك جسد الحداثة، وتمنح القارئ نصاً متقدماً يمتلك كل الجماليات المقوضة كل تخلف في الروح الشعرية. فالشعر ليس سبقاً لخيل، بقدر ما هو تضحية باللغة الدونية التي قد تثير غباراً ، ولكنها لا تخلق معنى فاتناً مثيراً لأعماق الإنسانيات.
لم يستطع تيار الحداثة العالمية، أن يخلق في العراق شعراً متحرراً من الغبار الإيديولوجي، ولا أن يؤسس حركة شعرية صافية من التأثيرات السياسية أو الحربية، كما حدث لجيلين من شعراء العراق داخل مجرى الحرب، مما انعكس سلباً على المخيلة الإبداعية، وذلك بجعلها خادماً مطيعاً من فئة مداحي الحرب، أو بدفعها للتوقف عن الإنتاج أو مغادرته، تبرئة للجسد من مقصلة النظام، وفراراً من ساحة المواجهة، باختيار المنفى.
بهذا المعنى. . فان ماكينات الإنتاج الشعري العراقي في السبعينات والثمانيات والتسعينات، كانت شبه مشوشة ، مرة بسبب طوفان الدم الذي عسكر الشعر، وجعله عصفاً مأكولاً على مائدة آلام البلاد الكبرى، ومرة أخرى بسبب الحصار الذي دمر البنى التحتية للوطن والنفسية للبشر والخيالية للفن، بعدما تم هتك حرية الشاعر، وإفساد تربة الشعر بقيم الموت.
طواحين الحرب تلك، لم تمنح الشعر فرصة للتمتع بالجماليات العظيمة التي تختزنها اللغة، لأن الموت كان يقدم بلاغته الظلامية وحدها. ولأن الشاعر كان جزءاً من ذلك الحطام الحربي بسكراب دباباته التي أثقلت اللغة بالذعر، وجعلت كل مفردة منها، ليس غير قطعة غيار ، ترفع من جسد القاموس، لتسد ثغرة في جسد شاعر ، من أجل مواصلة العمل كمحارب من أجل نيل جائزة الرماد.
ولذلك ، فالأجيال السبعينية والثمانينية والتسعينية ، لم تكن مشغولة بالعمل على استنهاض طاقات تعبيرية جديدة للشعر العراقي، ولا كانت حالمة بتأسيس مدارس شعرية لقصيدة النثر ، محمولة برؤى مجازية أو بصرية أو جمالية خارج السياق المعمول به آنذاك، لأن شغلها كان محصوراً بفكرة الخروج من تحت الأنقاض، وتأمل الخراب العظيم أو تلمسه بالضحك الهستيري، محاولين تأويل الموت بجسد صديق يصعب الانفكاك عنه بسهولة، بعدما استوطن بلعناته في مجرى الدم، وصار من سكان البيت والرأس والشارع واقعاً وخيالاً. لأن الموت كان هو التعبير الوحيد عن حياة ما بعد الموت ذاته
هل هناك تأريخان للشعر العراقي؟
من هنا. . وفي اللحظة الحاضرة من الزمن، نحاول الرد على مقالة الصديق الشاعر شاكر لعيبي بالقول نعم. هناك أكثر من تاريخ للشعر العراقي. فلكل شاعر تاريخ يمكن أن يُمنتجه بالطريقة التي يراها مناسبة لوضعه الشعري.
لقد حاول العديد إغراق الأوساط الثقافية بسجال وسجال، جلّه يبحث في الأصول أو في الجذور التاريخية الخاصة بريادة هذا الاتجاه الشعري أو ذاك، بعدما رفضت تلك الأطراف بعينها عدم التدخل في بناه الفوقية أو بجيولوجياته الخاصة، وكأن الرغبة ما تزال تخص عملية السبق وحده، أو أن القضية متعلقة بالبحث عن السبّاق الذي كان رائداً في كتابة قصيدة النثر العراقية، تماماً مثلما حدث قديماً في الصراع المتعلق بزعامة الشعر الحديث ، ما بين الشاعرة نازك الملائكة والشاعرين بدر شاكر السياب والبياتي والبعض الآخر كحسين مردان وآخرين ، وكأن كتابة الشعر الحر كان اختراعاً يمكن وضعه إلى جانب اختراع نوبل للديناميت أو الكسندر جراهام بيل مخترع التلفون.
علماً بأن ذلك الصراع الشعري للفوز بلقب البطولة، انتهى برحيل السياب وارتداد نازك الملائكة وتردي شعرية البياتي.
لماذا هذا الانهماك الشديد بالبحث عن اسم البائع، لا عن جوهر البضاعة ومكوناتها المادية؟
هو سؤال يدخل حيز السجال بين عناصر إدارة الأزمة التي تبحث في البانيو، وتترك البحار لأسماك القرش، خوفاً من أي خطأ تاريخي في الحسابات ، قد يقع هناك، ويقضي على كل تزوير حاصل.
وإذا كانت قصيدة النثر العراقية، لم تتمكن من ترسيخ وجوها الكلي حتى الآن، مثلما حصل لقصيدة الشعر الحر التفعيلة، فذلك يعني أن كل بحث عن بطولة، إنما يشكل فعلاً عبثياً، لا يليق بأحد. فالبطولات الشعرية على الدوام، تبقى ناقصة ومحفوفة بمخاطر التلف والعزلة والتشرنق، وهو ما لا يريده الشعرُ لنفسه أبداً.
خاصة، إذا ما قلنا بأن أغلب التجارب العراقية الفاعلة في حقل كتابة قصيدة النثر، كانت تبحث عن مسألة إثبات هوية سائق العربة ، وليس التحقق من قوة محركها. هذا الانهماك الجهنمي لمانيكانات الريادة، حجّم أغلب الرموز المدعية بالأولوية ، فأظهرها وكأنها تخوص سباقاً في مضامير من السراب، وهو ما أفقد قصيدة النثر العراقية وهجها، وأبطل الكثير من طاقاتها، فجعلها تابعة لظلال قصيدة النثر اللبنانية_السورية التي كانت تشهد ازدهارها في السبعينات من القرن المنصرم.
خيار سياسي شرس
ولأنني وضعت في خيار سياسي شرس وقاتل في عراق السبعينات ، أدى إلى خروجي من بلادي لأكون في أواخر1973 على الأراضي السورية، حتى دخلت غمار الحركة الشعرية العربية بآفاقها المختلفة في دمشق وبيروت التوأم على حد سواء.
في دمشق غرقت بقراءة الحريات الشعرية من خلال الاحتكاك المباشر بالمنشورات والمطبوعات، أو من خلال الاتصال الشخصي بشعراء الحداثة من رموز قصيدة النثر في كل من سوريا ولبنان. كل ذلك جرى ضمن لعبة التجاذب والانجذاب ما بين خيارات شعرية متوفرة ، كأن تكون عمودياً أو تفعيلياً أو نثرياً، بنصوص يمكن أن تجعلك بذرة في مجرى الشعر الذي تريد.
كانت قصيدة النثر آنذاك، تمتلك مغناطيسية خاصة، انجذبت إليها ، وكأن لا مكان لي في الشعر إلا في ذلك المجرى بكامل حواسه المنتجة للقوة. فقصيدة النثر، هي إدراك مبدأي لفانتازية اللغة الحارة، وما يمكن أن يعوّل على آبارها الارتوازية العميقة، مما سهل توجهي نحوها كخيار فني ، فانخرطت بكتابة ما كان يجري في طبقات الأعماق السحيقة من بنك الخيال، فنشرت في ملحق الثورة الثقافي وفي جريدة النهار وفي جريدة السفير وفي الكفاح العربي وجرائد ودوريات كثيرة، بعدها لأبدأ بعمل جديد كمحرر ثقافي في جريدة المسيرة ومدير تحرير لها، ثم لأصدر بعد ذلك كتابي الشعري الأول ذبحت الوردة. . هل ذبحت الحلم عام 1977 بغلاف للفنان السوري يوسف عبد لكي. وهو إصدار أعقب نشر مجموعة الشاعر صلاح فائق رهائن في دمشق عام 1975.
الشاعر شاكر لعيبي تجاهل الإشارة إلى هذين العملين، فقفز إلى الحديث عن مجموعته نص النصوص الثلاثة الصادرة عن دار العودة بيروت عام 1982 تعلن انغماراً نهائياً بقصيدة النثر. جميع قصائدها المكتوبة قبل صدورها بالطبع، مؤرخة بدقة لحسن الحظ. ها هو السياق الذي خرجت منه القصيدة النثرية الطويلة في تلك المجموعة في سنجار حيث كنت أقضي نهايات الخدمة العسكرية الإلزامية كتبت قصيدتي شهوات فتيان أور بتاريخ 13 » 7 » 1979، المشدودة بعد إلى الوزن والقافية والجمل القصيرة، ثم كتبت في بغداد قصيدتي رثاء أور المؤرخة بـ 10 » 3 » 1980، وهي قصيدة مدوَّرة ومرتبطة أيضا بقوة إلى الوزن، تلتها قصيدة مرثية أخرى لأور المكتوبة بين بغداد بيروت بتاريخ 18 » 11 » 1980 هذا الوضع غير المخلص للتاريخ الببليوغرافي ، لم ينه الأزمة التي يتحدث عنها شاكر بمرارة عندما يقول
السجال في الثقافة العراقية، عن الشعر، مصاب بالشلل النصفي، وأحياناً بالجهل، وغالباً بإشكالية انغلاق بعض مثقفي البلاد على نفسه لمدة تقارب الثلاثين عاماً بحيث ظل يحاور نفسه، وينسى أن شريحة من الشعر العراقي موجودة خارج البلاد رغما عن إرادتها. قاد هذا النسيان، كما أوضحنا أكثر من مرة، إلى تثبيت أصوات بعينها وإلى بداهات نقدية تحتاج فحصا جديداً ثم إلى تدليس فاحش في تاريخ الشعرية العراقية.
جل الكتابات النقدية والجامعية عن الثلاثين سنة هذه تبرهن على ذلك، ويمكن استعادة أسماء مؤلفيها وطروحاتهم إذا شئنا. إن زوال المبررات الموضوعية القاهرة يرفع الحجج والتعلات اليوم عن ناقد أو باحث يستعيد الأحكام المجترة غير الدقيقة. .
إن أزمة الشعر العراقي ، لا تكمن في ضعف النصوص التي باتت من خدام الشعر الشعبي أو الشعر التديني كثمرة سوداء لا طعم لها فنياً وإبداعياً وإخلاصاً للروح الشعرية ، بقدر ما تتمثل في تلك العداوات الجهنمية ما بين شعراء مختلفين جينياً. فأغلب هؤلاء ، وكأنهم ضحايا تربية قانون نفي النفي . عدا عن ذلك الممارسات الوحشية التي تستخدم فيها اللكمات والضرب بتكسير القناني على الرؤوس وفساد الأخلاق والطعن الشمولي بالأخر.
من هنا. . كان كتابي الأول ذبحت الوردة. . هل ذبحت الحلم؟ الصادر عام 1977 ، تمثيلاً حقيقياً لقصيدة النثر، يوم كان انهماك الجميع منصباً على كتابة الشعر العمودي أو ظلاله من شعر التفعيلة. بعد ذلك صدرت مجموعتي الثانية صخب طيور مشاكسة عام 1978 عن اتحاد الكتاب العرب، فجاءت بعد مجموعة رهائن للشاعر صلاح فائق ، بمثابة فتح ثغرة في جدار اتحاد الكتاب العرب، الذي كان يحصن نفسه بسور الصين ضد قصيدة النثر وحتى الآن، عدا استثناءات قليلة ، بل ونادرة كاعادة طباعة كتاب شعري نثري لأورخان ميسر ، صادرة في الخمسينيات وتم إعادة نشرها بمقدمة الشاعر أدونيس عام 1989 عن اتحاد الكتاب العرب.
بعد ذلك جاء إصدار كتابي الشعري الثالث أولمبياد اللغة المؤجلة في عام 1980 عن دار الكرمل.
ومن ثم وفي العام نفسه ، صدر لي ليس للرسم فواصل. . ليس للخطيئة شاشة. . في عام 1980.
و نسخة الذهب الأولى في عام 1988. ذلك الكتاب الشعري الذي أثار جدلاً سياسياً واسعاً في سوريا، قاد إلى تشكيل لجنة من القيادة القطرية لحزب البعث السوري برئاسة أحمد درغام للتحقيق مع رئيس اتحاد الكتاب العرب علي عقلة عرسان ومع لجنة الرقابة في وزارة الإعلام عن مصدر الموافقة بالسماح لطباعة الكتاب. وهو ما اضطرني لمواجهة ضغط هائل ، اضطررتُ على أثره لمغادرة سوريا عام 1989، خاصة بعد هجوم الصحافة المتكرر على شعرية كتابي المذكور، بعدما اعتبره اليمين السوري والكتاب المحافظون ومرضى الإيديولوجية تهديداً لتراث الأمة ، لأن نصوصه تعبر بحرارة عن حداثة مشبوهة من نتاج الامبريالية والصهيونية ، كما كتب ذلك أحد ناقد جريدة البعث السورية السيد جمال عبود آنذاك؟؟
بعد تلك المجموعة، جاءت
طيران فوق النهار في عام 1995.
الإمبراطور في عام 1995.
العطر يقطع المخطوط في عام 2003.
الملاك الشهواني في عام 2005.
قاموس العاشقين 1000 رسالة SMS) في عام 2006.
قبل انصراف الكحول شعر 2010 دار التكوين» سوريا
على وشك الأسبرين شعر 2011 دار ينابيع » سوريا
فأين نلقي بجثة هذا التزوير ؟
ماذا يعني كل هذا إزاء ما كتبه الشاعر شاكر لعيبي في مقالته؟
وإذا كان البعض نجح بتزوير الوقائع التاريخية، فهل سينجح بتزوير النصوص ومكانتها الفنية الجمالية ؟
ليس ثمة داخل في الشعر و خارج . ثمة شعر، يكوّن عوالم للشعراء بهويات فنية كونية، وبعيداً عن التقطيع الجغرافي والأقلمة، فالشعراء خلاصة حقول المعارف، وليسوا أغناماً في بيطرية التاريخ.
قصائد النصر
قد يُعفى شعراء الداخل العراقي من رطانة معاداة سامية شعراء المنفى، بسبب خضعوعهم لإرهاب سلطة ماضية، مما تسبب بمحو مخيلاتهم، ليبقوا ضمن حدود القفص اللغوي الحربي وكتابة قصائد النصر ، ولكن التمادي الدائم بضرب نصوص شعراء المنافي وهوياتهم ، لا يرفع من قيمة نصوص ضعيفة لا تملك رافعة بلاغية لا في التخيلي أو في البصري. كما أن هذا الطعن بشعراء الخارج ، لن يجعل من أصحاب الخناجر الأوائل انطولوجياً، على الرغم من أن أغلب شعراء المنافي ، لم يستفد من من أسى بلاغة تلك الآلام الحاضنة لحواس الشعر، ولا من تجارب الشعوب والمدارس الفنية التي تعايشوا معها في أوروبا أو في أمريكا أو أي مكان آخر، ولم تصعد بهم أحلام اللغة إلى الأدوار العليا العظمى، لنتجوا شعراً يفوق عالمية ما تقدمه إلينا الترجمات عن شعراء الغرب ، وهم دون مستوى التعلق بسمعتهم أو بآثارهم الرخيصة حتى، بل أغلبهم عاش مرحلة التموضع في بعض المواقع الإليكترونية، ليكتب كيفما يشاء ، ودون حساسيات قابلة لتحويل فلزات البصر إلى مخلوقات شعرية نابضة الأبعاد.
وإذا ما تركنا السجال التاريخي عن رموز الريادة، واستقدمنا السجال في قوة النصوص وفرادتها تخيلاً وبلاغاً ، لوجدنا أن موضوع الشعر العراقي ، وقد أدرج بفعل ذلك السجال على قائمة المرضى. وهكذا أفرغ الشاعر من محتواه الفصيح ، ليعيش التقزم في زمن فورة الشعر الشعبية التي هيجتها الحربان، لتستمر حتى اللحظة. وكذلك لتفريغه من شيطانيته، أمام العاصفة الإيمانية ، ليعيش مجرداً كأية آلةٍ تعمل في حقل للكونسروة أو مصنع للبسكويت.
شعراء قصيدة النثر في العراق راهناً، أنانيون فرحون بفكرة الانفلات من أنظمة الكتابة العمودية أو التفعيلية فقط، مما يعكس قدرتهم في انجاز نصوص متخمة بمجاراة التأليف التقليدي، والاستغراق بالتفاصيل غير الموحية، وكأن قصيدة النثر سيرك ذاتي للهذيان فقط.
لذلك. . . لا أعتقد بأن تجربة شعرية تخلو من الحيرة أو القلق أو الضياع، وتستحق القراءة أو الحياة. كل تجارب الشعر المهمة عبر التاريخ الأدبي، كانت تمتلك تلك المقومات. أي أن تُقلق المقابل وتتركه حائراً بين الكلمات ، وربما إلى درجة تضييعه بين طبقات اللغة. قد تكون تلك مهمة الشعر السريّة. ربما. فالشاعر الفارغ لا يصنع من القارئ إلا زجاجة فارغة أو علبة كارتون سريعة التمزق.
وإذا كان لابد من الحديث عن تجربتي الشخصية التي قد تكون غائمة لدى البعض، فهي تبدأ من نقطة واحدة هي أنني مررتُ بمنازل الشعراء وأكملتُ هروبي من الجميع دون التفكير بالسكن في دار ، أو الاستقرار داخل أية علبة من غرفهم. بمعنى إن الشعر، متى ما ارتهن لإقامة عند مدرسة فنية، أو ربط نفسه بوتد لمرحعية شعرية، أصبح مادة للاستهلاك السريع. وهذا ما رفضته ببداهة ودون تخطيط مسبق.
لم يتمكن الشعر من صياغة تجربتي في الداخل العراقي. كنت شاباً طائشاً بغرام الحرية، وباحثاً عنها في وسط ركام الظلام وهتك السيوف بالبشر آنذاك. فالحرية كمشروع أو خيار ، كانت بالنسبة لي هاجس ملح. كانت فكرة الوطن أقوى من فكرة الاستسلام للذات، ولكنها لم ترتق إلى فكرة أو مستوى المهجر. فلم يكن العراقيون في تاريخهم من المهاجرين أو من المهجرين. في سنوات القمع والاضطهاد فرضت علينا جميعاً فكرة التهجير القسري ، لنستسلم بعد ذلك للهجرة الحمراء. فشعراء العراق ممن عاشوا في المهاجر ، خلقوا أدباً منفوياً بقيم واسعة وبمدارس فنية متعددة. ذلك لأن أغلبهم كان مصراً على استغلال حجم الحريات المتاحة له في الخارج، وحشدها في البنى الشعرية والأدبية بشكل عام، بعيداً عن سنوات القحط والرقابة والتفتيت والترميز والتمويه التي عاشوها تحت القبة الفولاذية للظلام والظلم والقمع والاستبداد والقتل، مما أسس تراثاً لا يمكن محوه أو الاستهانة به.
لم نكن فرانكفونيين ولم نصبح سكسونيين ، بقدر ما نتمتع ببلاغة الموهبة العربية التي لا تخلو من الغبار والدم والهدر، رافضين الانجرار وراء صنّاع الدمى المدمجة بالهويات القاتلة، تلك التي تستلب الشعر وتجفف مياه المخيلة، محولةً الشاعر إلى حشرة على الرصيف.
لذا. . فان التعامل بمعادلة الداخل الخارج، تخلق وضعاً لتركيبة عنصرية شوفنية، تحاول تبرير الفقر الفني الذي أصاب نصوص شعراء الداخل بفعل الخنق والتهرب من المواجهات المباشرة مع آلات الإرهاب، وتوجيه الاتهام إلى الشعراء الذين ربوا نصوصهم في المنافي على قواعد وأنظمة وجماليات جديدة، تملك مختلف الأبعاد الفنية ، بفعل المساحات الشاسعة لحرية التفكير والتأليف والنشر. ولذا فالقول بأن عراقية الشاعر ، تكمن في ضرورة مروره بمقهى حسن عجمي أو بمقهى المعقدين أو بار سرجون مسألة كاريكاتورية، لا تقودنا إلى شعرية عظيمة تفتن القارئ وتستمر في بناء ألواح التاريخ الجمالي العظيم. لأن عبودية المكان في الشعر، قتلٌ له. والشعر تركيب لغوي يمرُ بالمخيلة أولاً، لا بمقهى أو ببنزين خانه أو بحانة أو بمحطة قطار أو بفندق.
ليكف شعراء الداخل عن بربرية مصادرة شهادة الجنسية عن كل شاعر عراقي تفتحت آفاقه خارجاً، ولم يكتب الشعر في العراق. الشعر نص محمول على أنفاس مخلوقات إنقلابية، ولا يُخلق بهويات مدموغة بالختم الجغرافي. فالشعراء المهمون، عادة ما تدرج هوية كل منهم في هامش السيرة. وليس في مقدمة النص
/5/2012 Issue 4188 – Date 1 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4188 التاريخ 1»5»2012
AZP09