مؤتمر جنيف 2 .. فرص النجاح والفشل

Print Friendly

مؤتمر جنيف 2 .. فرص النجاح والفشل

عماد علو

بغداد

منذ أن اندلعت الثورة السورية ضد نظام بشار الاسد ، تحولت سوريا الى مركز استقطاب الحركات الجهادية الاسلامية بكل تصنيفاتها السلفية والاخوانية والقاعدية التكفيرية ، لتتحول سوريا الى “ارض الجهاد “، ومن ابرز الفصائل والتنظيمات الجهادية التي برزت على الساحة السورية  “كتائب عبد الله عزّام ” وجبهة النصرة لبلاد الشام ” ولواء احرار الشام وغيرها  من الحركات الجهادية  التي باتت تلعب دورا في انهيار النظام بسبب اندفاع وقدرة مقاتليها . وتشير التقارير الاستخبارية والصحفية أن عناصر هذه الحركات الجهادية يتلقون تدريبا في العراق او افغانستان في صنع العبوات الناسفة والسيارات المفخخة وتفخيخ الانتحاريين . وهنالك مؤشرات عدة على تمدد تنظيم القاعدة تحديدا مع العراق، ” الدولة الاسلامية في العراق والشام داعش ” ، وتعتبر نقطة سنجار شمال العراق وديار بكر من ابرز النقاط التي يتسلل منها المجموعات الارهابية من والى العراق وسوريا .

وسرعان ما دب الخلاف والصراع بين اطراف المعارضة السورية المسلحة وغير المسلحة ، حيث اختلف الائتلاف الوطني مع هيئة أركان الجيش الحر: بعد انتخابات الهيئة العامة التي جرت في تموز/ يوليو 2013، شهد الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السوريّة تغييرًا كبيرًا في هيكليته وقيادته؛ التي طرحت فكرة إنشاء جيش وطني يضم كتائب الجيش الحر والقوى المعتدلة وهو ما اعتبرته الفصائل ذات التوجهات الإسلاميّة خطوة موجهة ضدها من قبل قيادة الائتلاف “العلمانيّة” – بحسب توصيف الفصائل – المتحالفة مع قوى دوليّة وإقليمية تناصب القوى الإسلاميّة العداء. لقد أسهمت هذه الخطوات في تعميق الشرخ الموجود أصلًا بين الائتلاف وهيئة الأركان من جهة، وبين الفصائل ذات التوجهات الإسلامية من جهة أخرى.

ولما بات التدخل العسكري في سوريا من قبل القوات الامريكية مستبعدا في ضوء سياسة اوباما القائمة على تقليص النفقات واعادة نشر القوات بعد انسحابها من العراق نوفمبر 2011 وخطة انسحابها من افغانستان 2014 وتفاوضها مع طالبان .فبالتأكيد انها غير متفرغة للتورط في سوريا بعد محاولاتها ان لا تبقى عالقة في الشرق الاوسط . في وقت تصاعد الدعم العسكري واللوجستي للنظام السوري من قبل روسيا والصين وايران والعراق … ومع احتدام المعارك وتقصير الائتلاف وهيئة الأركان في توفير الدعم اللازم للعمل العسكريّ، وصل الخلاف إلى درجة القطيعة بعدما أصدر 13 فصيلًا إسلاميًا في 24 أيلول/ سبتمبر 2013 البيان رقم (1)، والذي سحب الاعتراف من الائتلاف والحكومة المؤقتة، ودعا إلى التوحد ضمن إطار إسلامي يقوم على أساس تحكيم الشريعة وجعلها المصدر الوحيد للتشريع في أكبر عمليّة اندماج منذ انطلاق الثورة السورية، أعلنت سبع فصائل عسكريّة ذات توجهات إسلاميّة هي: حركة أحرار الشام، وألوية صقور الشام، وجيش الإسلام، ولواء التوحيد، ولواء الحق، وكتائب أنصار الشام، والجبهة الإسلاميّة الكردية في 22 تشرين الثاني/ نوفمبر 2013 عن اندماجها في تنظيم موحّد سمي “الجبهة الإسلاميّة”. وجاء في البيان التأسيسي الذي تلاه قائد ألوية صقور الشام أحمد الشيخ (الملقب أبو عيسى) أنّ الجبهة “هي تكوين سياسي عسكري اجتماعي مستقل يهدف إلى إسقاط النظام وبناء دولة إسلامية راشدة” كما أعلن الشيخ في تصريح لقناة الجزيرة “أنّ الجبهة تسعى لأن تكون بديلًا حقيقيًا من النظام على الصعد كافة” . ويعني هذا تجاوز هدف التوحيد العسكري إلى تشكيل بديل سياسي، ما يعني ضمنيًا عدم الاعتراف بالائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة في سورية من دون التصريح بذلك بوضوح. ادى الى احتمالات نجاح مؤتمر جنيف 2 المزمع عقده في 22 كانون الثاني 2014 والذي يستهدف بحسب القراءتين الامريكية والروسية إلى إيجاد تسوية بين النظام والمعارضة تحافظ على مؤسسات الدولة وفي مقدمتها الجيش والأجهزة الأمنيّة، وتوجه الجهد إلى محاربة “الإرهاب”. وازاء ذلك ترى الفصائل الإسلاميّة أنّ هذه التسوية (التي وافق الائتلاف الوطني على المشاركة فيها) تنسف مبادئ الثورة وأهدافها وتستهدف وجود بعضها بشكل ما. وانطلاقًا من ذلك، سارع 21 فصيلًا إسلاميًا من بينها الفصائل المنضوية تحت الجبهة الإسلاميّة المشكلة حديثًا إلى إصدار بيانٍ مشتركٍ في 27 تشرين الأول/ أكتوبر 2013 اعتبروا فيه مؤتمر جنيف 2 “حلقة في سلسلة مؤامرات الالتفاف على ثورة الشعب في سوريا وإجهاضها”. ولمواجهة تحدي هذا المؤتمر وما يمكن أن ينجم عنه من نتائج، كان الاندماج في الجبهة الإسلاميّة بشكل يضمن للفصائل المنضوية تحتها قدرة أكبر على التأثير في القرار السياسي للثورة، وموقعًا متميزًا يمكّنها من التحكّم بمسارات التسوية المحتملة. ومن الجدير بالذكر أن هذه الفصائل والمجموعات الاسلامية  على خلاف واضح مع تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام” (داعش) الارهابي الذي يحاول التمدد على حساب مناطق المعارضة المحررة من سيطرة النظام السوري مما ادى إلى وقوع صدامات كبيرة وفي مواقع مختلفة مع بقية كتائب المعارضة. تتفق الفصائل المشكِّلة للجبهة الإسلاميّة جميعًا على ضرورة مواجهة داعش، وبخاصة أنّ الأخيرة تحاول فرض سيطرتها بالقوة وإلزام الفصائل بالبيعة والولاء لأميرها “أبو بكر البغداديّ”، إلا أنها تتباين في ما بينها حول التوقيت والطريقة المتبعة في مواجهتها. ومن الملفت أنّ ردّ داعش على خطوة الاندماج جاء سريعًا بالهجوم على مقر ألوية صقور الشام في بلدة أطمة الحدودية مع تركيا، وفرض سيطرتها الكاملة على البلدة التي تعتبر نقطة عبور الأسلحة والمساعدات الإغاثية إلى الداخل السوري .

 لقد أدى الإعلان عن الجبهة الإسلامية إلى إعادة خلط الأوراق في ما يتعلق بمزاعم تمثيل الثورة والشعب السوريّ في مؤتمر جنيف 2، لان هذا من شأنه أن يضعف موقف المعارضة وقدرتها على مواجهة النظام في هذا الاستحقاق السياسي المهم من جهة، ويعزز، من جهة أخرى، موقف النظام الذي تغذّى بتشرذم هذه المعارضة، والذي طالما وضع الجميع أمام خيار: بقاء النظام أو القبول بحكم الجماعات المتشددة المرتبطة فكريًا بتنظيم القاعدة. ومن أجل تجنب هذه المخاطر، فعلى الجبهة الإسلامية أن تعلن بشكل واضح عن دعمها الائتلاف الوطني وأنها لا تسعى لتشكيل بديل سياسي منه، وأن تؤكد قولًا وفعلًا على رفضها فكر داعش وممارساتها. وهذا الامر لن يكون بالسهولة التي يتمناها منظمي مؤتمر جنيف 2 ، خصوصا” اذا ما تمكنت الجبهة الإسلامية من تطوير رؤيا سياسية تقدم نفسها بديلًا من تلك التي يقدمها الائتلاف، ما يهدد بتحويله – أي الائتلاف – إلى مؤسسة لقوى المعارضة التقليدية في الخارج من دون أن يكون له امتداد أو تأثير في الداخل. وهو أمر في حال حصوله سوف تكون له تداعيات كبيرة، وبخاصة أنّ الجبهة تشكل الآن أكبر جسم عسكري في سوريّة وتضم نحو 100 ألف مقاتل يتوزعون على مختلف المناطق. استنادا” للتطورات الميدانية والسياسية على الساحة السورية فان مؤشرات نجاح مؤتمر جنيف 2 تكاد تكون ضعيفة ان لم تكن معدومة  الامر الذي يعني بشكل واضح أن سوريا تتجه بسرعة نحو الأسلمة السياسية  اذا ما سقط نظام بشار الاسد وستكون سوريا مساحة جغرافية جديد للتطرف بل ستكون قاعدة تفرخ قواعد جهادية وتكفيرية اشد خطورة من تلك الموجودة في اليمن والعراق وافغانستان ، ولاسيما أن ما يتيح ويشجع هذا التوجه مناخ التطرف والارهاب موجودة في المنطقة الذي يحاول تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) اشاعته ونشره في المنطقة ، وعليه فان المشهد المستقبلي في سوريا في حال فشل جنيف 2 لا يختلف كثيرا” عن الصومال او العراق خاصة و نحن امام معارضة سورية منقسمة ومتناقضة الرؤى والاهداف والوسائل .