في النقد الأدبي أبيات تعجبية

Print Friendly

في النقد الأدبي أبيات تعجبية

 ورد لدي في التحليل الشعري مايلي:

 قال أبو تمام:

 ما عوض الصبر امرؤ الا رأى

 ما فاته دون الذي قد عوضا

 عندما تقرأ هذا البيت الشعري تشعر انه يدخل وجدانك، ويستميل مشاعرك بجماله الأخاذ، كما تستميلك زهرة الربيع وهي تتربع على دلال غصنها المياد وإذا كنت من ذوي الدربة والذوق الشعري، والتنظير، دق لديك الجرس في طور القراءة الثانية، أو الثالثة لهذا البيت، وانفتح أمام مخيلتك عالم عجيب من ألاعيب الفن الشعري الذي لايصمد أمامه أمهر النقاد، وأشعر الشعراء، فبعد اختراق طبقات الجمال المتوازية لهذا البيت، ستكتشف أن لهذا البيت ظاهرا جماليا (هو وليس هو) وباطنا جماليا (هو وليس هو)، وقد يبادرني من يبادرني قائلا من أين أتيتنا بهو وليس هو، اما تكفينا أنت وليس أنت؟!فأقول ليس الغرض المعول عليه في هو، وأنت، وإنما في كيفية الحصول على فيزا المرور الفهمي والذوقي لهذا البيت، ذلك أن كل جهات الاحتراف النقدي اليوم وبالأمس لاتجيز لك مترا واحدا من المرور في عالمه الواسع..

  أقول: ظاهر هذا البيت يختلف عن كل ظاهر آخر، ظاهره يوحي بأنه يعوض عن الباطن، فلا باطن له سوى هذا الظاهر الملوح!، وكذلك باطنه هو الآخر يوحي بذات القضية،، وبمجرد أن تحتكم إلى المنطقيات، تجد أنك لو أتقنت تحكيم المنطق الكلامي المحاججاتي، لضحيت بنسبة كبيرة من هذه الجمالية التي شاعت في طيات هذا البيت، بمعنى أن العقل والعاطفة تدخلا لصنع جمال متفرد، فإذا مااردت النتيجة، ظهرت أمامك عيوب اللعبة التي لاتريدها ولا يريدها الشاعر، بتوضيح آخر أن البيت توشح بقدر كاف من الجمال الذي غطى تناقض فكرة البيت مع هدفه، وأخبرك أكثر من هذا أن الشاعر أسر المعنى باقتداح جمالي يساعده في ذلك الوزن، ولكنه عندما وصل القافية خذله الوزن فجأة، بمعنى آخر للبيت معنيان أحدهما يبتدئ من الشطر الأول لينتهي بالثاني، والثاني يعاكسه تمام المعاكسة، فالشاعر أراد أن يخبرنا أن الذي عوض هو دون الذي فات، وهذه بديهية نرددها دوما بمعان مختلفة في حياتنا مأخوذة من موروثنا الشعبي، منها (إذا فاتك الزاد كول هني)، ومنها (اللو زرعوه وما خضر)، ومنها (وكع الفاس بالراس)، (ومنها لطم شمهودة تلطم وي الكبار، تاكل وي الزغار)، ومنها (جبر من الصب للكبر)، ولأن القافية ضادية، فرضت أن يكون مافاته دون الذي عوض، وسر اللعبة يكمن في أن المعنيين حكم عليهما بالصواب الجمالي، فأي منهما سبق الوصول الى القافية، فلم تنفره صح، وإن كان في المنطق، ليس بتمام الصحة، لذلك فإن جرسية هذا البيت، هي جرسية عجيبة، فهو في وضعه هكذا صحيح وجميل ولكنه بحكم التأمل يطلُّ عليك بمعنى مغاير أقول هذا لأني كاتب في الشعر، وشاعر في النثر، أتمنى أن لاتخونني مصداقية الوهجين بإذنه تعالى!

 رحيم الشاهر