أهمية التسامح الإجتماعي

Print Friendly

عماد علو

يعتبر مفهوم التسامح واحدًا من المفاهيم المثيرة للجدل ، وذلك لأنه من المصطلحات التي تُستخدم في السياقات الاجتماعية والثقافية والدينية لوصف مواقف واتجاهات تتسم بالتسامح(أو الاحترام المتواضع) أو غير المبالغ فيه لممارسات وأفعال أو أفراد لا تتسق سلوكياتهم أو معتقداتهم أو انتماءاتهم العرقية أو الطائفية مع الغالبية العظمى من المجتمع . ويعرف التسامح بأنه كلمه دارجة تستخدم للإشارة إلى الممارسات الجماعية كانت أم الفردية تقضي بنبذ التطرف أو ملاحقة كل من يعتقد أو يتصرف بطريقة مخالفة قد لا يوافق عليها المرء. والتسامح بالمعنى الحديث يدل على قبول اختلاف الآخرين – سواء في الدين أم العرق أم السياسة – أو عدم منع الآخرين من أن يكونوا آخرين أو إكراههم على التخلي عن ذاتهم.

 وعليه فان مصطلح أو مفهوم “التسامح”  يعبر عن دعم تلك الممارسات والأفعال التي تحظر التمييز العرقي والديني فهو على النقيض من التعصب ! الامر الذي قد يعتبره البعض وسيلة أو دعوة للتهاون مع السلوكيات أو العادات الشاذة أو المنحرفة عن المعايير والقيم الاخلاقية والانسانية السائدة ، كونه لا يعمل على الارتقاء بمستوى المبادئ أو الأخلاقيات الفعلية على غرار ما يحدث في المفاهيم الأخرى (المتمثلة في الاحترام والحب والمعاملة بالمثل). أن التسامح يدعو لفهم الأفكار واستيعابها ويعمل على استحواذ انتباهنا لخلفيات الأفكار المحيطة بنا كافة وخاصة أفكار الآخرين المنافسين أو الأنداد، وإن كانت وجهة نظرنا تبدو غريبة وكريهة وغير منطقية. وفي ذلك يقول المفكر الفرنسي(فولتير): (أنا لا أؤمن بكل ما تريد أن تقول ولكنني سأدافع حتى الموت عن حقك في أن تقول ما تريد).

ففي الوقت الذي تطالب وبإلحاح الاهتمام الجدي بما تقوله وتطرحه من أفكار ومعتقدات فأنت مطالب أيضاً بالاستماع والانتباه لما يقوله الآخرون. وعليه فإن المفهوم العام للتسامح لا يعني بالضرورة أن يرتبط بالجانب الاجتماعي على حساب جوانب الحياة الأخرى فكثيراً ما تستخدم هذه الكلمة في المسائل الاجتماعية  حتى أنها توحي بأنها من مفرداتها أو من مصطلحاتها، ألا أن واقع الامر يتعداه إلى الجانب  والاقتصادي وحتى السياسي، وله علاقة عامة وشمولية في كل جوانب العلم والمعرفة وله دور في مختلف أبعاد الحياة.

ولما كان العراق بلداً ذا تنوع عرقي وديني وثقافي ، الامر الذي يتطلب معه تقبل الرأي الآخر على أسس المواطنة والتعايش السلمي وقبول الآخر، وحل الاختلافات بالحوار والتفاهم بعيدا عن العنف ,تعزيزا” للسلم الاهلي والحفاظ على النسيج الاجتماعي العراقي ، ذلك أن العنف ليس سوى وسيلة للصراع والاحتراب ضد الآخر، بسبب فقدان الثقة بين أبناء البلد الواحد ، مما يهدد التعايش والسلم الاهليين وبالتالي وحدة النسيج الاجتماعي العراقي التي تشكل شرطا” موضوعيا” من شروط بناء الدولة المدنية ومؤسساتها الدستورية والديمقراطية . ان تأمين وتحقيق العدالة في كل ناحية من نواحي الحياة ، سيعزز الثقة بين مكونات المجتمع العراقي وأطيافه المتنوعة التي تعتبر من مستلزمات تحقيق قدر من التماسك الشعبي والوحدة الوطنية المستندة في اساسها الى قيم المحبة والوئام والتسامح والتعاضد مما سيعزز السلم والتعايش الاهليين بين مكونات المجتمع العراقي .

 وعالمنا اليوم في أشد الحاجة إلى التسامح الفعال والتعايش الإيجابي بين الناس أكثر من أي وقت مضى، نظراً لأن التقارب بين الثقافات والتفاعل بين الحضارات يزداد يوماً بعد يوم بفضل ثورة المعلومات والاتصالات والثورة التكنولوجية التي أزالت الحواجز الزمانية والمكانية بين الأمم والشعوب، حتى أصبح الجميع يعيشون في قرية كونية كبيرة.

الا أن ما يؤسف له أنه منذ تبلور ملامح العملية السياسية في العراق بعد 9/4/2003 سارع العديد من السياسيين للترويج لثقافة اللاتسامح والعنف بغرض فرض نمط حياة معينة ، على المجتمع العراقي تتسم بالتخندق الطائفي والعشائري والمناطقي ، بسلوك وممارسات عفا عليها الزمن، و التمسك بالقيم والمفاهيم القديمة والتقليدية ومحاربة أي رغبة في التجديد، أو أي شكل أو نمط للتغير، وإزاء الانغلاق والفوضى والعنف وعدم التسامح الذي يسود مجتمعنا، ورغم بعض الإرهاصات الجادة هنا وهناك في مجتمعنا لتدعيم السلم الاهلي والامن الاجتماعي وتعزيز سيادة القانون، إلا أن الواقع يشير إلى تفاقم مظاهر العنف والفوضى والفلتان الأمني، مما يهدد تماسك المجتمع وأمنه وسلمه الاجتماعي، والمؤشرات كثيرة فلا يغيب يوماً ألا نسمع عن خطف أو اغتيال  مواطن أو إحداث عنف واشتباكات تؤدي إلى قتل وإصابة مواطنين، ناهيكم عن بعض الصراعات الحزبية والسياسية؛ وذلك نظراً لكون أن غياب التسامح يعني انتشار ظاهرة التعصب والعنف وسيادة عقلية التحريم والتجريم، سواء على الصعيد الفكري أم السياسي أم الاجتماعي أم الثقافي أم ما يتعلق بنمط الحياة.

 إن التسامح يفتح آفاقاً جديدة في فهم حقوق الآخرين وواجباتهم تجاه غيرهم وعدم فرض قيود على الآخرين ما يتيح تحول الأفراد والمجموعات لمزيد من التمدن ويؤصل من قيم الحرية ويساهم بجدية في تكريس الأطر الديمقراطية، ذلك أن جزءاً كبيراً من مفهوم الديمقراطية يرتبط بالمشاعر الشخصية فاحترام الأغلبية لرأي الأقلية يتطلب روحية معنوية خاصة تتقبل احترام الأقلية وترتضي عن طيب خاطر ممارسة الأقلية حقوقها المشروعة وشعائرها.

اننا اليوم في أشد الحاجة إلى التسامح الفعال والتعايش الإيجابي بين الناس أكثر من أي وقت مضى، نظراً لأن التقارب بين الثقافات والتفاعل بين الحضارات يزداد يوماً بعد يوم بفضل ثورة المعلومات والاتصالات والثورة التكنولوجية التي أزالت الحواجز الزمانية والمكانية بين الأمم والشعوب، حتى أصبح الجميع يعيشون في قرية كونية كبيرة ، ان الأصل في العلاقات الاجتماعية والإنسانية، أن تكون علاقات قائمة على المحبة والمودة والتآلف، حتى ولو تباينت الأفكار والمواقف، بل إن هذا التباين هو الذي يؤكد ضرورة الالتزام بهذه القيم والمبادئ.

 وعليه فان التسامح كسلوك وموقف ليس منة أو دليل ضعف وميوعة في الالتزام بالقيم، بل هي من مقتضيات القيم ومتطلبات الالتزام بالمبادئ، فالغلظة والشدة والعنف في العلاقات الاجتماعية والإنسانية، هي المناقضة للقيم، وهي المضادة لطبيعة متطلبات الالتزام وهي دليل ضعف لا قوة. فوحدتنا الاجتماعية والوطنية اليوم، بحاجة إلى غرس قيم ومتطلبات التسامح في فضائنا الاجتماعي والثقافي والسياسي ، وأن نوظف عقولنا وأفكارنا وعلومنا وبقلوب صافية ونقية، لفهم المعاني الحقيقية لهذه الثقافة وما يمكن أن تحققه في مجتمعاتنا العربية من  خيرٍ وحبٍ وســـــــلامٍ ورفاهيةٍ  وتقدم.