إخلاقيات الوظيفة العامة

Print Friendly

حسام الدين الانصاري

الموظف الحكومي في كل الانظمة بالعالم يعرف بانه ذلك الشخص الذي يتم توظيفة بموجب القوانين السارية التي تطبقها الدولة وفقا للدستور الذي اقره الشعب، وان عملية التوظيف اجراء يكفله القانون انطلاقا من مفاهيم انصاف المواطن بالحصول على حقه في العمل وانتشاله من البطالة وحصوله على لقمة العيش بطريقة تعاقدية تكفلها الدولة كاحدى صور الرعاية الاجتماعية واعطائه الفرصة لتحقيق الكفاية المعيشية وتكوين الاسرة، وبهذا يكون موظف الخدمة العامة قد تم (توظيفة)  لكي يتولى عملاً ومهمة او يكلف بخدمة عامة يقدمها الى المواطنين الذين تعد رعاية مصالحهم السبب الاساس في توظيف  من يقدم لهم الخدمة ويكون راعيا وخادما  لمصالحهم.

وهو بهذا يكون الطرف الذي تجد فيه الدولة مواطنا بحاجة الى الرعاية والمساعدة والحصول على حق العمل في اطار حقوق  المواطنة التي كفلها الدستور حماية له من الضياع والوقوع فريسة للفقر والعوز وما يترتب عنها.. وهو عندما لم يكن صاحب القرار في تولي هذا العمل وانما المستفيد من فرصة الحصول عليه، على خلاف صاحب الفعل الحر الذي يمتلك  مقومات ومستلزمات عمله، فانه يفترض  ان لا يكون صاحب القرار في الاساءة الى الوظيفة العامة والانحراف عن اهدافها التي تلزمه بخدمة المواطن وتحمل مسؤليتها التي يكون فيها طرفاً في عقد العمل ويقبل ويطبق شروطها من الناحية القانونية ويستحق الراتب الذي يتقاضاه  مقابل خدمة المواطن وانجاز الواجبات الملقاة على عاتقه، ومن دون ذلك فان عقد العمل يعد باطلا  ولا يستحق الراتب الذي يتقاضاه، بل يعد مخلا بالعقد ويعرض  نفسه للمسائلة القانونية بتمهة التقصير بالواجب.

وامام هذا الواقع وما نراه في اجواء الوظيفة العامة والممارسات التي يقوم بها البعض من موظفي الخدمة العامة تنقلب الصورة بالكامل، فالكثير منهم يتحول من  شخص بحاجة الى الوظيفة التي طرق  مئات الابواب للحصول عليها يتربع على كرسي المسؤولية مهما كان بسيطا وكأنه هو صاحب القرار في توظيف نفسه  وانه هو صاحب الضيعة، وانه يتعامل كمن يمتلك سلطة الهية تفوق القانون وتبيح له الامر والنهي والتحكم في مقدرات المواطنين بالموافقة او الرفض حسب مزاجه ويمارس ابشع السلوكيات البيروقراطية في التعامل مع المواطنين ولاسيما مع البسطاء والضعفاء والفقراء الذين لا حول لهم ولا قوة وليس لهم القدرة على انتزاع حقوقهم، وهو في موقعه نسي كم كان ضعيفا ومخذولاً حتى حصل على هذه الوظيفة، وماذا كان سيكون مصيره لو لم يحصل على تلك الوظيفة، بلا شك سيكون حاله كحال المسحوقين الذين يراجعون موظفي الخدمة العامة،  وقد يضعه سوء حظه امام انموذج من هذه النماذج التي نتحدث عنها. ان اخلاقيات الوظيفة العامة انما هي امانة ورسالة دينية على من يتولاها، فالراتب الذي يتقاضاه يكون محرماً عليه ما لم يؤدي واجبات  تلك الوظيفة ويتعامل مع الناس تعاملاً  اخلاقيا يقضي احتياجاتهم ويساعدهم ويسهل امورهم بما يسمح به القانون والتعليمات وان لا يكون سيفاً مسلطاً على رقاب الناس يمارس ابشع انواع الازدراء والبيروقراطية في التعامل، واذا ما كانت هذه هي الصفة السائدة في التعامل من موظف الخدمة العامة فليس من المستبعد ان يمتد هذا السلوك في التعامل لكي يتعرض موظف الخدمة العامة  نفسه في بعض المستويات الى الاساءة والاذلال والقسوة  من رئيسه المباشر الذي لن يكون باحسن حال منه هو الاخر مع رئيسه في العمل.

لقد آن الاوان للرجوع  الى القيم والمثل العليا ونحن في زمن القرن الحادي والعشرون الذي تطورت فيه مفاهيم الحياة وارتقت فيه حضارات الامم وتقدمت فيه التكنولوجيا لتكون في خدمة الانسان.. فلماذا لا يكون الانسان في خدمة الانسان؟.. بل اكثر من هذا فان ابتكارات العصر ومهارات الشعوب جعلت الحيوان في خدمة الانسان حينما يقود الكلب الوفي الذي احسن تعليمه وتدريبه صاحبه فاقد البصر ويصطحبه ليساعده في تلمس طريقه وابعاده عن المخاطر والاذى، فماذا لا نتعلم ونكون اوفياء في خدمة مواطنينا ونحن لا نعمل بالمجان.