حرية الإعلام العربي ضرورة ديمقراطية

Print Friendly

حسن عاتي الطائي

عقد في العاصمة الأردنية عمان في الثامن عشر من مايس الماضي الملتقى الثاني للمدافعين عن حرية الأعلام في العالم العربي . حضر الملتقى عدد كبير من الاعلاميين والصحفيين العرب من مختلف الأقطار العربية اضافة الى عدد اخر من الصحفيين والاعلاميين من  دول أجنبية عدة . سلط المتحدثون الضوء على الدور البالغ التأثير الذي قام به الأعلام في الأطاحة بالانظمة الدكتاتورية من خلال ما اصطلح على تسميته بـ(ثورات الربيع العربي ) مؤكدين على ضرورة ان يتابع الأعلام دوره المتميز في ترسيخ مبادىء الحرية والديمقراطية ولاسيما بعد ان توفر المناخ الملائم الذي أزاح غيوم التسلط والأستبداد وتكميم الأفواه . ان الاعلام العربي المعاصر الذي مر بادوار ومتغيرات وتطورات كثيرة حتى وصل الى ما هو عليه الان من قوة وخبرة وتجربة زاخرة بالأمال والمعطيات قد أثبت بحق انه اللسان الناطق والمعبر عن حقوق المواطن العربي في كل زمان ومكان . فهو قد واكب منذ بواكير النهضة العربية الحديثة في مطلع القرن الماضي التحولات الكبرى التي شهدها ومر بها الوطن العربي وأصبح جزءا لا يتجزء منها بعد ان تبنى اهداف الجماهير ورفع شعاراتها الوطنية والقومية ولعب دورا فريدا في نشر الوعي الوطني والقومي والتعريف بالقضايا العربية المصيرية وشحذ همم المواطنين باتجاه التصدي للأستعمار والصهيونية والنظم الدكتاتورية والرجعية ومن اجل الحصول على حقوقها المشروعة في الوحدة والكرامة والديمقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية والقضاء على الاستغلال والظلم الاجتماعي والقهر الطبقي . لقد شهد وطننا العربي خلال المدة الماضية ثورات حاسمة اقتلعت جذور الاستبداد والفساد المتمثل بانظمة  قمعية متخلفة جثمت لسنوات طويلة على صدور المواطنين العرب ومنعتهم من ممارسة حرياتهم والتعبير عن ارائهم ومعتقداتهم وزجت بالالاف منهم في المعتقلات والسجون وذهب كثيرون منهم شهداء دفاعا عن حقهم وحق أمتهم في العيش بكرامة وحرية وعدالة . وكان الاعلام الملتزم بهموم واحلام الشعب العربي سباقا في الوقوف بوجه تلك الانظمة الجاهلة وتحشيد الرأي العام ضدها وفضح أساليبها وفسادها مما ساعد بقوة على الأسراع بالانقضاض عليها والتخلص منها الى الابد .. وبسقوط الاوثان الطاغوتية سقط فكر الاستبداد والاقصاء والتهميش والغاء الاخر واحتكار السلطة واصبح الطريق الى الديمقراطية سالكا ولهذا فلقد تدفق سيل جارف من وسائل الاعلام الذي كان حبيسا في صحراء القهر ليسد الافق وليؤشر على بدء وولادة عصر جديد هو عصر الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان  وهناك الان المئات من القنوات التلفزيونية الارضية والفضائية والصحف والمجلات والدوريات والنشرات ووسائل الاتصال الاخرى التي لا تعد ولا تحصى المستقلة منها اوالتي تديرها الاحزاب السياسية والدينية او التي يمتلكها الافراد المتنفذون تمارس عملها الطبيعي بحرية كاملة دون رقابة من جهة أمنية قمعية تتربص بها الدوائر وتحصي عليها الأنفاس والكلمات … وبصعود قوى سياسية ودينية الى سدة السلطة في الاقطار العربية التي مر بها الربيع العربي كبديل للانظمة الفاشية التي ذهبت الى مزبلة التاريخ برزت عوائق جديدة لم تكن بالحسبان . اذ ان اغلب تلك القوى التي هيمنت على الحكم قد أثبتت أنها لا تؤمن بالديمقراطية كنظام او طريقة للحياة وتريد الهيمنة على المجتمع بشعارات لم تعد مقبولة لدى الشارع العربي غايتها الاستفراد بالسلطة واحتكار العمل السياسي وعدم السماح للقوى السياسية المعارضة بالعمل الا باضيق الحدود محرمة عليها حرية التعبير ومتهمة اياها بالانحياز ضدها والاصطفاف مع  اعدائها الامر الذي فجر احتقانا وصراعا سياسيا شديدا من طراز اخر بين القوى والاحزاب التي اسهمت بازالة الانظمة الدكتاتورية ولاسيما في مصر وليبيا وتونس . وقد انعكس ذلك على وسائل الاعلام المعارضة التي هي الان في معركة حامية للدفاع عن حقها في التعبير عن رأيها الحر التي تحاول الحكومات الجديدة مصادرته والحد من تأثيره وانتشاره . ومحاصرته وتحويله الى مجرد بوق للدعاية كما كان الحال مع الانظمة الاستبدادية السابقة عبر ممارسة نفس الاساليب والطرق التي كانت الانظمة الدكتاتورية السابقة تستخدمها ضد خصومها. ان حرية الاعلام العربي تتعرض في كثير من الاقطار العربية للانتهاك والحصار والى ضغوط ومضايقات متزايدة ومتعددة الاوجه للسيطرة عليها وحرفها عن دورها في توضيح الحقائق ونقد الفساد والسلبيات التي ترتكبها السلطات الحاكمة . ان حرية الصحافة والاعلام امر لا يقبل المناقشة والمساومة كفلته الدساتير وفرضته سنوات النضال من اجل الديمقراطية ولا بد من تشريع قوانين ملزمة تحمي الاعلام والاعلاميين والصحافة والصحفيين من تعديات ومضايقات السلطات التي تضع العراقيل في طريقها وتمنعها من القيام بمهماتها والوصول الى مصادر المعلومات كما لابد من ايجاد مؤسسات اعلامية وصحفية مستقلة وكفؤة لا يحق لاي حكومة عربية التدخل في شؤونها او الضغط عليها لاي سبب من الاسباب . وفي المقابل فان على الاعلام العربي ان يكون اخلاقيا ومهنيا في النظر الى ما يجرى وما يقع من حوادث وفي التعامل معها .   وعليه كذلك ان يلتزم بالصدقية والشفافية والابتعاد عن التحزب والتخندق اضافة الى تمسكه بالمسؤولية والتوازن وعدم الانحياز لاية جهة من الجهات متحررا من الضغوط والانفعال متحليا باشجاعة والجرأة في قول الحقيقة والافصاح والدفاع عنها بما ينسجم مع المعايير الاخلاقية العالية التي يقوم عليها العمل الصحفي والاعلامي كالدقة والموضوعية والحيادية دون اثارة أو تحريض مع الالتزام الكامل بادبيات واخلاقيات ميثاق الشرف الاعلامي العربي ..

ان الاعلام الحر يعني الايمان بالحرية والديمقراطية والاعتراف بالآخر وبتعدد الاراء ولهذا فأن الدفاع عن حرية الاعلام العربي والمدافعين عنه واجب قومي على الجميع الاعتراف به والعمل بموجبه باعتبار ( ان حرية الكلمة هي المقدمة الاولى للديمقراطية ) كما يقول جمال عبد الناصر.