قصة حقيقية موجهة للجميع

Print Friendly

قصة حقيقية موجهة للجميع
منذ نعومة اضفاري كنت اسمع والدي (ادام الله ظله علينا) يردد عباره (عيش وشوف ازرع كطن يطلع صوف)!!
كنت لا اعرف معناها لكن قافيتها اعجبتني فكنت ارددها دائما عسى ان افهمها عند الكبر وكان هذا في ثمانينات القرن الماضى.
مضت الايام ودخلت مرحلة الشباب وبدأت افكر في حال الامة وبالاخص مجتعنا العراقي، بدأت ارى في اواخر التسعينات العجب العجاب من سلوكيات ابناء هذا المجتمع اناس تسعى الى الصعود باي ثمن دون استحقاق ويجرفون الخيرين في طريقهم ويقتلون طموحات اخرين وشبان خيرين.
طفا الى السطح الكثير من الانتهازيين واصبحوا قادة وشرد الالاف من الكفاءات ودارت الامور بهذه الامة من سيء الى اسوأ.
بدأ الانترنت يصلنا في 2002 وبدأت اطلع على احوال الامم وبالاخص الغربية ووجدت انهم يتقدمون بنفس السرعة التي نتراجع بها وانا اتسأل نحن امة فضلها الله على بقية الامم ونحن خير امة اخرجت للناس فنحن اهل الدين ومنبع النبوة والامم الغربية ليست كذلك . اذن ما هذا التناقض؟
المهم اصبحت طبيبا وبلغ عمري 33 سنة وتغير النظام وقلت في نفسي لدينا الفرصة لنلحق بالامم فثرواتنا اصبحت لنا وجاء من يعدل كفه الميزان الى ان صادفتني انا شخصيا هذه التجربة…………..!
جائتني دعوة لحضور مؤتمر طبي في ايطاليا وفرنسا وكانت فرصة عظيمة لشاب طموح مثلي ان اطلع على ما وصلت له الامم ونقل تلك الخبرة الى زملائى ومؤسساتنا الصحية التي تحتضر والتي تمارس بعضها ممارسات ليس لها علاقة بالطب اصلا!!!
اخذت موافقة رئيس القسم وعميد الكلية التي اعمل معيدا بها وذهبت الى رئاسه الجامعة لكي احصل على دعم مالي حسب توجيهات الوزارة التي شجعت المشاركة بتلك النشاطات الثقافية في اوربا ووافق رئيس الجامعة ومسؤول القسم المالي على هذا التخصيص بعد شهرين من البيروقراطية والتاخير !!
ذهبت بعدها الى قسم البعثات والعلاقات الثقافية لطبع الكتاب عند السيد…… رئيس القسم فدخلت الى مكتب (معاليه) فوجدت رجلا بلغ من العمر عتيا واصفرت اسنانة وازرقت شفتاه من النيكوتين فسلمته الكتاب وقرأه وقال:
انت بعدك صغير على هيج مشاركات اذا انت بهل عمر تسافر لاوربا شخليت للكبار!!!
فاستغربت كثيرا من رده وعذره فقلت له:
انا مسؤول ردهة الانعاش الوحيدة في المحافظة والجمعية الاوربية قد اختارتني للمشاركة والمسؤولين الكبار في هذه المؤسسة قد وافقوا على تخصيص دعم مالي لانجاح المشاركة في هذا المؤتمر وكنت من السباقين في هذا المجال، فاخذ الكتاب وذهب الى رئيس الجامعة وغير هامشه ليلغي امر ايفادي وقال:
البكلوريوس يحضرون ورشا تدريبية وليس مؤتمرات!
بعدها بشهر جائتني دعوة من جامعة كوبنهاكن الدنماركية لحضور ورشة عمل في امراض القلب واخذت الموافقات الاصولية وذهبت الى نفس العبقري وكان هذا في صيف 2008 فقال معاليه:
انني يجب ان اعرض الموضوع على مجلس الكلية وهو يعلم اننا في عطلة صيفية وان المجلس لن يجتمع من اجلي!! ثم قال بعد موافقة مجلس الكلية يجب عرضها على مجلس الجامعة وهو يعلم ان رئيس المجلس خارج العراق ولن يعود قبل ايلول 2008 وكان تدريبي سيبدأ بعد اسبوعين فقط من تقديم طلبي وان تاشيرة الدخول تحتاج الى اسبوعين في الاقل.
هذا هو الجانب الاسود من القصة لكن اسمعوا الجانب الابيض….
اتصلت بمسؤول التدريب وكان بروفسورا دنماركيا لم اتصل به من قبل قط فاخبرته ان حضور التدريب على نفقتي سيكلفني مبلغا طائلا لا استطيع الوفاء به فاخبرني ان امنحه فرصة ليبحث كيف يمكنه مساعدتي!!
اتصل بي بعد يومين وقال لي ان احد المشاركين قد انسحب وفاض بعض المال لديهم فحوله لي ليدفع رسوم الاقامة واجور المشاركة في التدريب لي!! فسألت نفسي لماذا لم يضع الاستاذ الدنماركي ما فاض من المال في جيبه ؟؟ الا يعرف كيف يضع اسما وهميا و(يلغف) ما بقي من المال كما يحصل في (ولاية فرهود!!).
بعده بيوم اتصل بي وقال انسحب شاب اخر وفاض مال اخر!! سادفع لك اجور الطيران كذلك لمساعدتك في الحضور!
عجيب قلت في نفسي لماذا يسلك ذلك الدنماركي مثل هذا السلوك معي وانا لست من بلده ولا من دينه ولا من سنه ولا من مرتبته العلمية؟؟
ذهبت الى السفارة الدنماركية وقدمت طلبا للحصول على تاشيرة دخول واجابني القنصل ان نسبة الموافقة هي 1 بالمئة فقط !
لماذا ؟ عرفت بسرعة. عادي اني عراقي! اتصلت بالرجل الطيب واخبرته ان هناك مشكلة في السفارة فقال:
انا ساتكفل بالامر!
اتصل الرجل بوزراة الخارجية الدنماركية وكفلني هناك واتصل بي وقال ان الفيزا قد صدرت لي فعلا وعلي الذهاب لاستلامها!! الامر الذي اثار استغراب موظفي السفارة حول سرعة اصدار الفيزا وكيف اني عرفت بأمر اصدارها حتى قبل السيد القنصل نفسه؟!!
استلمت الفيزا يوم الخميس وكان الجمعة عطلة رسمية لم احصل على حجز طيران وعلي الحضور يوم الاحد هناك، فاتصلت بالرجل الطيب وعرضت عليه مشكلتي وقال لي ساحجز لك الكترونيا على الخطوط البريطانية وستصلك تذكرة السفر خلال دقائق!!
وفعلا وصلت !! ذهبت الى دمشق وراجعت مكتب الخطوط البريطانية وقالوا لي انني لا يمكنني الطيران لعدم امتلاكي تاشيرة دخول مؤقته الى لندن حيث ساهبط (ترانزيت)
كيف احل تلك المصيبة بعد كل هذا العناء لن اتمكن من السفر؟؟!
كيف تعتقدون انى وجدت حلا؟ طبعا اتصلت بالرجل الطيب واخبرته بالمشكله وقد (اعتذر لي) لعدم معرفته بتلك المسألة وبعث لي بتذكرة الكترونية اخرى على متن الخطوط التركية حيث الامر لن يحتاج الى تاشيرة مؤقتة!!!
طارت بي التركية باتجاه كوبنهاكن وانا اكاد لا اصدق ما فعله ذلك البروفسور .
لماذا قدم لي هذا العون الفائق وهو لا يعرف عني أي شيء وكنت اقارن دائما موقفه مع موقف (المسلم ابن بلدي) مسؤول قسم البعثات والعلاقات الثقافية في جامعتي.
في الدنمارك شاهدت قوما اخرين واخلاق اخرى وتوجه اخر يختلف عن ما شاهدته في بلدي اختلافا عظيما!!
عندما رجعت الى العراق سألني زملائي : ماذا تعلمت؟
اجبتهم : عرفت (ليش الله موفقهم) الان تم الاجابة على تساؤلاتي منذ الصغر لماذا الامم الغربية في عليين وامتنا اسفل سافلين!!
قصة موجهة الى جميع العراقيين:
نعيب زماننا والعيب فينا
وما في زماننا عيب سوانا
رحم الله نزار قباني عندما قال:
نصنع من اشرافنا انذالا
نصنع من اقزامنا ابطالا
نرتجل البطولة ارتجالا
تنابلا كسالى
ونشحذ النصر على اعدائنا من عنده تعالى
ارواحنا تشكو من الافلاس
ايامنا محصورة بين الزار والكأس والنعاس
هل نحن خير امة اخرجت للناس؟؟
معتز صباح – بغداد
AZPPPL