كلام على الماشي مذبحة الحويجة

Print Friendly

كلام على الماشي مذبحة الحويجة
حسن النواب أفاقت مذبحة الحويجة ذاكرة العالم على المقابر الجماعية التي ارتكبها الطاغية في القرن الماضي، غير ان الفرق بين مذبحة الحويجة والمقابر الجماعية ان الأخيرة كانت تنفذ من قبل جلادي النظام السابق بالكتمان نتيجة انعدام وسائل الاعلام وعدم وجود الإنترنت في ذلك الوقت، اضف الى تحكم الطاغية بوسائل الاعلام المرئية والمقروءة والمسموعة، بينما مذبحة الحويجة تم تنفيذها امام انظار العالم من قبل جلاد جديد بوقاحة شرسة وعناد ارعن وبدم بارد، لم يتم اكتشاف المقابر الجماعية الا بعد سنوات طويلة، في حين ان مذبحة الحويجة وصلت اخبارها المأساوية الى جميع اصقاع العالم ومنها استراليا بعد ساعات من حدوثها، وكانت حديث بعض الرواد من جنسيات مختلفة في مقهى اتردد عليها بين حين وآخر عند شواطئ المحيط الهندي، هؤلاء الناس حملوا في اذهانهم فكرة سيئة جدا عن الحاكم الذي يقود الوطن بالوقت الحاضر، بل انهم نعتوه بأوصاف اشد بشاعة من الطاغية القديم الذي اندرث ذكراه، ولم اجد حجة مقنعة يمكن من خلالها ان ادافع عما حدث في مجزرة الحويجة، حتى ان احد الجلاس في تلك المقهى قال لي.. يبدو ان وطنك لا يمكن ان يعيش ليوم واحد بدون طغاة وجلادين، فلذت بصمت مهين وروحي مثل قط شرس بدأ يغرس مخالبه في احشاء قلبي، وقلت معي نفسي ترى ماذا سيقول هذا الزبون الايطالي لو عرف بمجزرة الفلوجة او مذبحة الزرقة السيئتين الصيت، او بحمام الدم الذي ارتكبته الحكومة ضد التيار الصدري في البصرة وفي مقبرة وادي السلام، ومايحدث من استباحة مريعة لحقوق الانسان في سجون ومعتقلات الوطن، واشترك زبون آخر كان يونانيا في الحديث معنا وقال بصراحة على شعبك ايجاد وطن بديل قبل ان يُباد، انت محظوظ ايها الرجل لأنك بعيدا عن هذا المسلخ البشري، غادرت المقهى حاملا خيبتي وهزيمتي معي، وشعرت برعب يكاد يخنق انفاسي عندما تخيّلت ان حربا اهلية نشبت في ارجاء الوطن وان الجثث تملأ الشوارع والبيوت الآمنة مشتعلة بالنيران، وهذا ما يخشاهُ الجميع من ابناء شعبي الذين وضعوا العراق قبلة صلاة امام وجدانهم، على خلاف الطغاة عندما ينتابهم اليأس واقتراب موتهم، اذْ يلجأون الى اشعال الحروب والفتن بين طوائف شعوبهم بمحاولة للبقاء على كرسي السلطة قبل حدوث فجيعتهم وذلك بسحل جثثهم في الشوارع من قبل المضطهدين والمظلومين وهذا ما سيحدث آجلا أم عاجلا، ذهب الزمن الذي يتحكم فيه الطاغية بأحوال الشعب، فيما مضى كان للطاغية اذاعاته وتلفزيوناته وصحفه ولذا كان يلعب شاطي باطي بمصائر ومقدرات شعبه، بينما اختلف الأمر الآن فالطاغية بالوقت الحاضر لا يمتلك الا نفسه لكن طغاة اليوم يتصرفون بغباء مطلق حين يقلدون طغاة الأمس، ذلك ان الطاغية فيما مضى كان يتحكم بكل شيء بينما الطاغية بالوقت الحاضر لا يستطيع التحكم حتى بخطوته بعد دقيقة. على طغاة الحاضر ان يفطنوا جيدا لهذا التحول السحري بعالم التكنلوجيا والاتصالات واختراع النت الذي جاء منقذا ونصيرا للشعوب المضطهدة والمنكوبة والمغلوبة على امرها، ولذا من يفكر ان يصبح طاغية في الوقت الحاضر انما يطلق الرصاص على نفسه دون ان يدري. والبرهان ان مذبحة الحويجة اربكت المنطقة الخضراء وجعلتهم في وضع لا يحسد عليه امام الفضائيات وانظار العالم، اذ صرحوا بنبرة النصر بعد المذبحة بساعات الى فضائية الحكومة وهو يزفون نبأ اقتحام جيش المنطقة الخضراء لساحة الاعتصام في الحويجة ومقتل جميع عناصر القاعدة المتواجدين بين المتظاهرين بل ظهر قائد القوات البرية وهو يعرض قائمة بأسماء الارهابيين، لكن الحكومة بعد سويعات اعلنت ان جميع الذين سقطوا مضرجين بدمائهم هم من الشهداء وان الحكومة تفتح مشافيها الى الجرحى وتتعهد بارسال الذين اصاباتهم بليغة للعلاج في الخارج على نفقتها، هكذا تحول نصر حكومة المنطقة الخضراء الى هزيمة ساحقة في المذبحة التي اقترفتها بغباء مفرط، واني لأعجب على حكومة لا تتمكن من ضبط نفسها وتتسلح بالحكمة والصبر ازاء حادثة مقتل بعض الجنود من قبل متعصبين، اذ كيف يكون حال هذه الحكومة لو تعرضت الى هجوم مباغت من دولة مجاورة لا يمكن ان نضمن ما تضمره من كراهية نحو العراق ويمكن ان تغدر بحدودنا على حين غرة، هكذا حكومة سقطت بفخ الارتجال والانفعال ام حادثة قتل بسيطة لجنودها الذين نقدّس دماءهم الزكية مثلما نقدّس دماء الرجال الشجعان الذين قتلوا والذين تم اعدامهم في مذبحة الحويجة، وسواء طال الوقت الى سنين وسنين فإن هذه الجريمة المريعة التي ارتكبت بحق هؤلاء العراقيين بايعاز من قبل مسؤول رفيع مع آخرين من اتباعه سيجيء اليوم الذي نراهم في قفص الاتهام وهم لا يملكون من حجج مقنعة للدفاع عن انفسهم، ويبدو ان الطغاة في وطني بالوقت الحاضر يكررون الجرائم الماضية التي ارتكبت بحق العراقيين ولكن باسلحة اكثر فتكا هذه المرة. مجزرة الحويجة لم يجف دماء ضحاياها الزكية بعد، وجلّ ما نخشاه ان تتكرر في ساحات الاعتصام الأخرى، اذ هناك اشارات موتورة وتحذيرات دموية من قبل المنطقة الخضراء تشير الى ذلك، خاصة ان القاتل عندما تتلوث يده بالدماء يفقد صوابه ويظل يفتش عن ضحايا جدد لادامة شهوة القتل التي تنعق في غرائزه وكل ظنه ان فوضى الدم التي اشعلها ستنقذه في نهاية المطاف ولكن هيهات، فهو لا يدري على جُثث الحويجة حطّ حمام الحضرة يرتل الأدعية وصلّت لها كنائس ومساجد العراق.
/4/2013 Issue 4490 – Date 29 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4490 التاريخ 29»4»2013
AZP20