الشاعرة بشرى البستاني لـ الزمان **

Print Friendly

الشاعرة بشرى البستاني لـ الزمان **
الفنون وسيلة لتبديد قهر الإنسان**
حاورها أحمد قتيبه يونس -الموصل
يمكنني القول أن من يجالس الدكتورة بشرى البستاني فكأنه جالسَ مكتبة، ويمكنني القول أن من يجالسها يشعر وكأنه أمام امرأة قوية، أو أمام امرأة جميلة ورقيقة، أو أمام فيلسوف محنك، أو حكيم صيني كبير.
هكذا هي كما عرفتها منذ أن كنت طالباً في الماجستير سنة 1996م. كنت أحضر مناقشات رسائل الماجستير وأطاريح الدكتوراه التي كانت تترأسها، كنت أتابع أسئلتها. تعلمت منها الكثير.
كانت إحدى أعضاء لجنة مناقشة أطروحتي الصراع في مسرحيات عبد الرحمن الشرقاوي سنة 2003م. أثارت أسئلتها في نفسي الفضول أن أقترب من منجزها الإبداعي أكثر، اطلعت على دواوينها، كانت العناوين تثير في نفسي جدلاً وفضولاً يدفعني للولوج إلى أعماق النص.
جالست تلك الدواوين ما بعد الحزن» أنا والأسوار» زهر الحدائق» البحر يصطاد الضفاف» مكابدات الشجر فكنت أشعر وكأني أخوض في بحرٍ من الأحاسيس تارة، أو كأني أقرأ حكايةً تارة أخرى، أو كأني أمام بنية نصية عميقة تارة ثالثة، أو أمام نص عصيٍّ زلق……..، وهكذا تعددت عندي قراءتي لها في كل مرة. أثارت عندي الفضول، أردت أن أعرف هل هي امرأة قوية؟ أم امرأة رقيقة؟ أم فيلسوف؟ أم حكيم كبير؟
أعددت لها أسئلتي، لأدخل معها محنة النص ولأعرف منها مَن أنتج الآخر.
1ــ من هي بشرى البستاني ؟
إنسانة مهمومة بالظلم السائد في العالم، ومذبوحة بحضارة مادية اعتدت على روح الإنسان، وحرمته أبسط أمانيه في العيش الآمن، وفي توفير متطلبات حياته الأساسية ليتمكن من تحفيز أقصى طاقاته كي يحقق ما يبغي من منجزات قيمه الخيرة، وزادت بأن أهدرت دمه عبر حروب ظالمة لا نهاية لها.
2ــ هل أنت أنتجت الشِعرَ أم أن الشِعرَ أنتجك..؟
أنا أنتجت الشعر بهبة ولدت معي وجهد وسهر لا يحدهما وصف لأسباب فنية نقدية لا مجال للحديث عنها هنا، أسباب يعرفها كل شاعر حق يجيد اللعب باللغة ومعها ويدرك مراميها، المبدع هو من ينتج الشعر، وسيلته الفاعلة في ذلك الموهبة واللغة المنحرفة والمنزاحة عن المعيار، تلك اللغة التي يبدعها خياله الموهوب وجهده المعرفي القادر على التحليل والتركيب والدمج من خلال تقانات عدة تعتمد الترميز بكل أنواعه، وفي إنجاز عملية الإبداع تتم معادلة تعتمد التوازن بين الطرفين حيث يكون الشاعر منتج الشعر والشعرُ منتج الشاعر من جديد لأنه سيقدمه للقارئ من خلال نصوصه وتأويلاتها، أما الذين يرون أن الفضل في عملية الإبداع للغة وحدها لأنها هي التي تشكل الكتابة وما المبدع إلا قناة تمر عبره اللغة الشعرية فتلك رؤية سلبية للدور الذي يقوم به المبدع في عملية الإبداع من كونه فضاءً تمر عبره الكتابة كما ادعى كلود ليفي شتراوس الذي عدَّ المبدع لا يمتلك الشعور بأنه يكتب، بل يمتلك شعورا بان الكتب تكتب من خلاله، وتلك هي المعضلة التي كمنت وراء إشكالية موت المؤلف، وهؤلاء يتناسون قضية مهمة هي أن الوعي والمشاعر الإنسانية وهما يشكلان الفنون ما هما إلا الإنسان المبدع ورؤاه ومكابداته، وأنه هو الذي يفعّل اللغة ويشكلها ويرقى بها ويهيمن على تقنية التناص فيها لتكون اللغة الأدبية ليس وسيلة حسب، بل هي غاية أهم وظائفها إنتاج الجمال مندمجا بالقيمة.
الطغاة لصوص العالم
3ــ وجدت الفارس يحتل مساحة واسعة في شعرك، من هو الفارس..؟
الفارس يعيش تحولات شتى في القصيدة حسب قراءاتها وأفق التوقع لقرائها، فهو على الأغلب المخلص والخلاص، وهو الوطن وأخرى هو الملاذ، وثالثة هو الحبيب ورابعة هو الحلم الذي تفعله الإرادة ما بين الرغبة وبؤس الواقع، والإرادة تلك النار الأزلية التي تمتلك القدرة على تفعيل روح الطاقة الإنسانية ليتحول المأمول الغائب والمفتقد إلى واقع، وعليه فإن كل رمز من رموز الشعر لا يمكن إدراجه في خانة دلالية ثابتة، لأن الرمز بطبعه متحول ومشاغب ومشوش معا ما تعددت القراءات، وغموضه وتشويشه يمنح الشعر بعده الأعمق والأرقى، ولذلك كان حضوره في الشعر يعني الغنى والثراء ويمنح النص مستويات تفتح له على العالم والوجود نوافذ شتى وأبوابا ومسارات تتيح للقارئ البحث عن المعنى الذي هو مهمة الآداب والفنون الجوهرية.
4ــ متى تشعرين بالقهر..؟
شعوري بالقهر دائم كلما أحسست بالقسر الذي يمارس ضد الإنسان في كل مكان، وكلما رأيت ذبح ووجع المستضعفين وحاجتهم وفقرهم ومرضهم وحرمانهم من التعليم والمعارف بينما وكلما رأيت عذاب الطفولة البريئة وهي تفتقد الأمان والسلام والكفاية، بينا الأرض تزخر بخيرات الله، لكن الطغاة سخروا قواهم الظالمة لسرقتها ونهب كنوزها، ولو كانت أجساد الأبرياء لهم طريقا لذلك الهدف الشرير.
5ــ هل بدد الشعر قهرك..؟
نعم، الشعر والفنون كلها وسيلة مهمة من وسائل تبديد حجم لا بأس به من القهر والعذاب لدى الطرفين، الشاعرة من جهة والمتلقي الذي يتمكن من معايشة تجربة الإبداع، وقد قلت في جواب سابق لهذا الحوار، أن هناك قصائد لولا كتابتها لذبحني العذاب؛ لأنها تمكنت من تحويل النار الداخلية إلى كتل لغوية فيما أطلق عليه اليوت المعادل الموضوعي؛ ولذلك أعدُّ الفنون بأنواعها هبة من هبات السماء للإنسان كي تخفف عنه مكابدة الحياة وشقاء عصر منح الإنسانية الكثير من التقدم لكنه انتزعها أهم مقومات حياتها في الشعور بالطمأنينة والفرح والانتماء ..
6ــ متى تشعرين بالسعادة..؟
كثيرا ما تقترن السعادة لدي بالانجاز، ولذلك أعدُّ نفسي محظوظة في كثير من اللحظات التي أرى فيها منجزي متحققا على المستويات كافة إنسانية وإبداعية ومعرفية، وأشعر بالسعادة حينما أحس بفرح من حولي ورضاهم، فالسعادة شعور بالرضى وإحساس بالاعتزاز وثقة بطاقة الروح على العطاء، ويقين بأن الزمن لا يجري في فراغ، ولذلك كان علينا أن نفكر بتخطيط مدروس كي نحول زمننا من زمن تقليدي يجري بانسيابية الليل والنهار إلى زمن إبداعي تملؤه الوقائع الخلاقة وإرادة الفعل.
7ــ ماذا يعني الأمل لديك..؟
الأفق الحياتي أمامنا يتجلى بنوعين، أفق مغلق هو اليأس والسواد أو الرمادي في أحسن الأحوال، وأفق مفتوح هو الأمل الحركي المتوهج بإشراقه، الأمل طريق الفعل، والفعل منجَز الحياة ومنتِجُها معا، الأمل هو الغد بكل تفاصيله المشرقة، وأنا لا أتهيأ للنوم إلا ومعي حزمة من الآمال وحلم بأن الغد سيكون أفضل مهما كان الواقع شديد العتمة، فمادام الزمن يجري فإن الوقائع تتغير، وأظل بانتظار المستحيل الممكن، وبانتظار المفاجأة التي تنهض بالبعيد مؤمنة بقوله تعالى {إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا}…المعارج، 6 7
8ــ من هي الأنثى..؟
الأنثى منجبة الحياة، ولذلك فهي مخلوقة قوية بهية بالغة الذكاء ونتيجة لقوتها النفسية وتماسكها الداخلي فهي مؤثرة مضحية تمتلك شجاعة مبهرة على العطاء والاحتواء، احتواء حتى من هم أكبر منها سنا من الرجال، فالأمومة لديها ليست بيولوجية فحسب، بل هي شعور أصيل نابع من طبيعتها الفطرية في القدرة على تشكيل الفرح للآخرين، وإذا كان الظلم التاريخي الذي مورس عليها قد حد من تمكين طاقاتها على التحقق فإنها بالعلم والمعرفة اليوم قادرة على تعويض ما فاتها، وسيرى الرجل أن عطاءها سيكون ثرا في الميادين كلها، وأنها مؤازرة له وليست منافسة ولا مصارعة، لأنهما معا من أروع الثنائيات الأساسية المؤتلفة في الحياة.
9ــ ما الذي يعنيه الحب بالنسبة لك..؟
الحب بكل ألوانه وأشكاله وتمثلاته هو الخلاص من عزلة الروح وسجن الجسد، خلاص من الواحدية الخانقة ومن الانكفاء وذبول النفس في كون غامض كبير ومعقد، ووسط عصر يختنق بإيديولوجيات متناقضة ملأت الحياة بالضوضاء والفوضى وقتلت روح الإنسان. وهو انفتاح على الآخر في حوارية حميمة، الحب وحده علاج الاغتراب وانطواء الذات على ذاتها؛ كونها تعيش مع الآخر لحظة الحرية التي تقول فيها ما لا يمكن أن تقوله إلا لذاتها وقد صارت آخر محبوبا في نقاء وصفاء فريدين، الحب مصدر فرح وقوة واقتدار؛ لأنه أرقى مظاهر الإبداع في القدرة على مغادرة الذات والتحرر من أسر القيد والكيد، الحب إبداع؛ لأنه يرفض الاشتغال داخل معايير الجماعة ورتابة زمنها وقوانينها النفعية؛ فهو يتسم بمنطقه الخاص وقوانينه التي لا تنبع إلا من صميمه ومن تفتح الحرية الداخلية التي تمنح الإنسان كرامة روحه ليمتاز عن رتابة الجموع وعن السائد والمعتاد الزاحف نحو مصيره المحتوم في موت بلا أثر. إن الحياة بحب حتى لو كان متوهما لهي خير وأروع من حالة اللا حب السكونية؛ لأن الأولى فاعلة، منحازة ومنجزة بينما الثانية هامدة ومحايدة وتقليدية رتيبة.
دور الاسرة
10ــ هل شعرت بالإحباط يوما ما..؟
لم أذكر أني شعرت بالإحباط ولا مرارة الفشل يوما، ليس لأني امرأة فولاذية كما يُقال فلا وجود لإنسان فولاذي ما دامت المشاعر هي المحرك لجوانب متعددة من حياته، بل لأني أدرك أن الحياة سلسلة من التجارب وعلينا أن نعي وعيا علميا وإيجابيا أنه من غير الممكن أن تكون كل التجارب ناجحة وملهمة وكما نريد وإلا كنا آلهة وليس بشرا، ولما كنا بشرا واعين فعلينا أن نفيد جيدا من التجارب التي لم تستطع أن تدرك التوفيق المطلوب، كما علينا ألا نضع كل المسؤولية في غياب نجاح ما على الآخرين مبرئين أنفسنا، لأن هذه الحالة فيها نوع من الهروب وابتعاد عن تأمل التجربة الدقيق والفاحص وتغييب لدرس التجربة وأسباب سلبيتها البالغة الأهمية في العمل على معالجتها ومقاومة أسبابها من أجل العبور للنجاح .
11ــ ما هي الخصال التي تحبين أن تجديها في الصديق؟
وعي القيم وأهميتها في ترصين الحياة هو أهم الخصال التي لو توفرت بالإنسان لكفته فضيلة وصدقا وحبا ووفاء، القيم هي الصفات التي تحمل مزاياها بذاتها وليس بالمصالح والذرائع التي تنجم عنها، ولذلك كان الإيمان بها جديرا باحتواء رصانة العلاقات الإنسانية كلها..
12ــ من ترك في حياتك بصمته اجتماعية، ثقافية، عاطفية….؟
لعل من الغبن للكل أن نعزو بصمة حياتنا لجزء واحد منفرد من الحياة بكل موروثها وعطاءاتها وتجاربها، فنحن نولد وحولنا كون كبير أوله الأسرة ودورها التأسيسي المهم، فالمدرسة، فالكتب والمجتمع والعالم، كون يحيط بنا ويضخ إلينا ويعلمنا بوسائل مباشرة وغير مباشرة معارف وتجارب شتى تترك فينا آثارها من الطفولة المبكرة حتى الموت. أما الحدث الأكبر الذي أعده أداة تشويه في حياتي وحياة شعبي وأمتي وحياة الإنسانية جمعاء فقد كان الحرب، الحرب هي الإكراه، إكراه من أمامك على اعتناق رؤيتك قسرا وقهرا وهي تنشب حين يفشل الحوار الذي يُديره العقل والفكر، والذي أعدّه ماء الحياة وضرورتها الإنسانية، الحرب كارثة الإنسانية الكبرى وقاهرة أحلامها. الحرب قاتلة الأبرياء ومروعة الطفولة وذابحة الجمال، الحرب هادمة البنيان والمدن ومخربة الطبيعة المعطاء ونافثة السم في الماء الزلال، ولن يكون للإنسان حياة محترمة إلا بزوال هذا الشبح الهدام ليكون احترام الحياة حقيقة تُعاش وليس كلاما سُلعيا يُقال كسبا للمواقف الذرائعية العابرة .
هاجس الموت
13ــ الكل يبحث عن الصدق ولكنهم في تعاملهم لا يصدقون، فهل هذه العبارة صحيحة..؟
لا يمكن الحكم على القيمة بهذا الشكل العمومي، الأدق باعتقادي ألا ترتبط القيم بالمصالح الشخصية لأنها حال ارتباطها بالذريعة ستكون نسبية، وسيقيسها كلٌّ على مقاسه وحسب ما يجنيه من فوائد، القيم الأصيلة كما أسلفت في جواب سابق هي الناهضة بذاتها فالصدق قيمة بذاته حتى لو تعارض ومصلحتي، قد يبدو هذا الكلام مثاليا في مجتمع المصلحة ولكنه حقيقي في مقياس القيم السامية، وحينها سترتبط القيم بالجمال، بل بأسمى قيم الجمال لما فيها من رقي وسمو ورفعة وحب للإنسان والبناء والعمل من أجل حياة أفضل .
14ــ أينما نصل في التعلم، فإننا لا نشعر بتحقيق ذاتنا..؟
الإنسان مفطور على القصور من أجل أن يبقى ساعيا نحو الاكتمال. فتحقيق الذات لا يكون دفعة واحدة ولن يكون كاملا أبدا وهذه سنة الحياة، وهي سنة التطور القائم على نمو الشخصية الإنسانية بالمعارف والتجارب والأحداث والوقائع على مر الزمن، والناجح الحقيقي هو وحده الذي يجد نفسه بحاجة للمعرفة كلما نهل منها أكثر، لأن الوعي يظل في جدل دائم مع المعارف يتسع بها مدركا سعة مداها، ولذلك يسعى للمزيد لعله يصل مبتغاه، والإنسان عالمٌ ما طلب العلم فإن ظن أنه علم فقد جهل؛ ولذلك كان حديث الرسول الكريم منسجما والتكليف الذي أنيط به بنو آدم في الاستخلاف على الأرض حين فتح فضاء العلم من المهد إلى اللحد ليظل الإنسان مواكبا لضرورة تطور الحياة، وكلما أدرك العالِمُ عظمة الكون وغموضه وما يحيط به من أسرار وعجائب في الخلق ازداد طلبا للعلم من أجل الكشف . ألّا نشعر بتحقيق ذواتنا يعني أننا واعون بأهمية الاستمرار في طريق المعرفة، وأننا سائرون في طريق التطور الدائم، لأننا سنتوقف حين نشعر بالرضى عن معارفنا، وذلك هو الخطر والعقم بعينه.
15ــ كيف تتعاملين مع آخر لديه شعور بالنقص مفروض عليك..؟
نحن جميعا نقابل في مشوار الحياة ألوانا شتى من الأمزجة، وأناسا مختلفي الطبائع والمشاعر والفضائل والعيوب، والقاعدة النبيلة أن يتسع القلب الكبير لكل من يرى وما يرى وان يتسع العالِم للجاهل والقوي للضعيف والمتماسك شخصيةً لغير المتماسك، ولكل مقام مقال، المهم أن نكون واعين لأهمية تبادل الأدوار في الحياة، وأن نسارع للنهوض ببعضنا من حالات الضعف الإنساني الذي فُطرنا عليه، لا بل علينا احترام هذا الضعف ما دام مقدرا على البشرية وخلق الإنسان ضعيفا.. النساء، 28 وهذا الضعف لا يتركز في جانب معين، بل قد يبدو لدى كل إنسان في جانب أو جوانب مختلفة عما هو لدى الآخرين، فهو شعور بالنقص مرة، وانكفاء أخرى، وتضخم بالذات ثالثة، واغتراب رابعة وأنواع من الاكتئاب والمكابدات مرات.
16ــ قرأت في موقعك مقولة الشعر أولا وأولا وأولا، فأين يكمن الشعر في عملك الأكاديمي..؟
الشعرية انزياح عن التقليد وخروج على المألوف والاعتيادي، وشعرية الأكاديمية لا تكون إلا كذلك، إنها الحركية الفاعلة التي تنتج طلبة يتساءلون وباحثين جيدين وبحوثا مبدعة، والتي تعتمد الحوارية لا التلقين والاستسلام، ولاسيما في التعامل مع التراث من جهة ومع الفكر والمناهج والنظريات الوافدة من الغرب من جهة أخرى. 17ــ لو قدر لك وتقلدت مقاليد الأمور في العراق فما هي أولويات عملك.؟
مع أني مؤمنة بأن الشرط هنا غير عامل، وأن لو هي حرف امتناع لامتناع، إلا أنه لو حصل مثل هذا الأمر المستحيل لقمت بالعمل الوحيد الذي سيحتوي كل ما سواه من خير وبناء، وهو تشريع قانون لمحو الحقد والكراهية والعمل على درء العداوات ومنع رصد الأخطاء والحث على إزاحة الشرور بكل أنواعها لإحلال الحب والتسامح وروح الإخاء والمودة ونثر الورد في الحياة والانتماء للعراق الجميل وطنا وشعبا بدل الانتماءات الطائفية والعرقية الضيقة فالمجتمعات المتقدمة هي تلك التي تقودها الكفاءات المخلصة والأمينة والخبرات الجادة وليس المحاصصات المشينة والمنهمكة بنهب وسرقة وتوزيع ثروات وطنها غنائم يندى لها الجبين، فالسياسة علم وفن واحتواء وقدرة على خلق الانسجامات ودعوة للتكيف، وفن في مغادرة الإكراهات وحل الأزمة بالأزمة، لأن معالجة الأزمة بالأزمة سيعمل على خلق أزمات جديدة، لكن ابتكار حلول الأزمة بروح التأني والمحبة والحرص على حياة الجميع سيخلق مجتمعا نبيلا مهيئا للبناء وتوفير الأمن والاستقرار وروح العدل والحرص على حقوق الإنسان.
18ــ هناك مقولة مفادها من منا ينام ولا يروي لنفسه حكاية. فما هي حكاياتك قبل النوم.؟
لا حكاية لي قبل النوم غير الصفاء والدعاء والنجوى والاستعداد لرحلة مجهولة قد أنهض منها صباحا وقد لا يأتي الصباح، أما الحكايا الجادة فقد أنجزتها جميعا خلال نهار مثابر بالعمل والمتابعة.
19ــ هل داهمك هاجس الموت مرة؟
هذا هو سؤال الأسئلة، نعم، فكرة الموت معي منذ طفولتي المبكرة وحتى يحين موعده، الموت معي دوما وأنا في عزّ صحتي ونشاطي وفاعليتي المعرفية والإبداعية والحمد لله، الموت كامن وراء قراءتي وكتابتي ومحاضرتي وحلي وترحالي، ولذلك تجدني رهينة البيت أسابق عملي حتى لا أترك لأفراد أسرتي عبء إكمال عمل لم أنجزه، وهذا الشعور بمداهمة الموت لا يزعجني، بل يحفزني على التواصل مع الحياة أكثر وأكثر، لكن الموت يرعبني من طرف آخر هو خوفي من الموت على من أحب، وتلك إشكالية لم أستطع تجاوزها بالرغم من مشوار الوعي والإيمان والمعرفة والخبرة، فالغياب وعذاباته واحد من أهم المعضلات التي أعيشها بأرقٍ ومعاناة ولعل لذلك أسبابا ومسببات.

/4/2013 Issue 4490 – Date 29 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4490 التاريخ 29»4»2013
AZP09