سعدي يوسف في قصائد جديدة ـ عليك أن تفكّ الحصار

Print Friendly

تعويض

الطيورُ اختفتْ
فلا حِـدَأٌ تهفو على القمّةِ البعيدةِ
لا مِن يمامةٍ
كانت الريحُ شماليّةً ، وثلجٌ قريبٌ
في الشميمِ …
انتبهتُ
كانت ثلاثٌ ورقاتٌ مثل الهشيمِ يُحَلِّقْنَ
ويَمْرُقْنَ …
السماءُ احتفَتْ
أهُنَّ الطيورُ ؟

طائرةُ تدريبٍ تعبرُ النافذة

طائرةُ التدريبِ العائدةُ الآنَ إلى مدرسةِ الطيَرانِ
تَعَدّتْ نافذتي ، متضائلةً ، كالطيرِ …
سماءٌ بيضاءُ
وأشجارٌ عاريةٌ
وأنا ، المسكينَ ، أُقَفْقِفُ في الغرفةِ
حتى كدتُ أرى ثلجاً يَـسّـاقَطُ حولي ؛
شُهُباً بِيضاً تَـسّاقَـطُ
أوراقاً من كُتُبٍ تَسّاقَطُ
أثوابَ نساءٍ كنتُ عشقْتُ ، قديماً ، تَسّاقَطُ
أسناناً لَبَناً تَسّاقَطُ
تاريخَ بلادٍ يَسّاقَطُ …
……………….
……………….
ماذا فعلتْ طائرةُ التدريبِ العابرةُ ؟
الطيّارُ الـغِـرُّ
سيدخلُ مدرسةً أُخرى
وسيقذفُ كلَّ قنابلِهِ
وهو سعيدٌ …
يَقتلُ فلاّحي نخلِ البصرة

عليك أن تفكّ الحصار

أنت تنظرُ عبْرَ الزجاجِ المضاعَفِ
والثلجُ يهطلُ
حتى اختفتْ في البياضِ الصنوبرةُ
تَذْكرُ الآنَ أنكَ أنبَتَّها قبلَ عشْـرٍ
وذاك السياجُ الخفيضُ …
أتذكرُ كيفَ انتقَيتَ من الرَّدْمِ أحجارهُ ؟
كان ذلك من قبلِ عَشرٍ
أتمضي ، إلى أبد الآبدينَ ، تُحَدِّقُ عبرَ الزجاجِ المضاعَفِ ؟
لستَ في نَـشَـزٍ …
كلُّ هذا الزجاجِ المضاعَفِ ما عادَ يحميكَ …
فالثلجُ يهطلُ والثلجُ يهطلُ
حتى يُجَمِّدَ أطرافَكَ …
انتبهِ الآنَ ؛
خُذْ جُرعةً من شرابِ جامايْكا
وقُمْ
وافتح البابَ
واخرجْ إلى ساحةِ الحيّ
وارقصْ
لتدفأَ
والثلجُ يهطلُ …

سمفونية مرئية

أفُقٌ أبيضُ .الساحةُ الدائريّةُ بيضاءُ . سقفُ البناياتِ أبيضُ.
والشجرُ المتضائلُ أبيضُ .في البُعْدِ تبدو البحيرةُ بيضاءَ بيضاءَ .
حتى السياجُ الذي فقدَ اللونَ قد صار أبيضَ . ممشايَ أبيضُ.
شَعري الذي طالَ دهراً لأضفِرَهُ … أبيضُ . الغـيمُ فوقَ
الـمَراكبِ أبيضُ .والورَقُ المتناثرُ في غرفتي أبيضُ . الضوءُ
أبيضُ.ذاكرتي تأفُلُ الآنَ ، بيضاءَ . لا نخلَ فيها ولا نهرَ …
كلُّ النساءِ اللواتي مررْنَ على شرشفي، يرتدِينَ العباءاتِ بيضاَ.
سأبسِطُ كفّيَ بيضاءَ من غيرِ ســوءٍ . دمي أتخَـيّـلُُهُ أبيضَ.
القِطُّ ، هذا الذي يتربّصُ بالطيرِ ، أبيضُ . والطيرُ أبيضُ .
أغمضتُ عينيَّ حتى أرى ، مثلَ ما أنتَ ، دوماً ، ترى …

أتَـقَـرّى المآذنَ في أصفهانَ كأنّ لِـزُرْقَـتِها خُضرةَ البحرِ.
هل كنتَ في فاسَ ، حيثُ العباءاتُ تخرجُ زرقاءَ من جَـفْـنةٍ ؟
هل رأيتَ حديقةَ مُرّاكشَ الزُّرقةَ الملَكيّةَ والشّوكَ ؟ فَخّارَ دَلْفِتْ ؟
عيونَ التي كنتَ أحببتَ يوماً بباريسَ ؟ زرقاء . زرقاء . إني أُحِبُّكِ
زرقاء . لوركا الذي قال خضراء . خضراء . إني أحبُّكِ خضراءَ.
قُلْ ما الذي يجمعُ الأزرقَ الفذَّ والأخضرَ ؟ الـمَعْشباتُ التي تتألّقُ
خــضراءَ عندَ السواحلِ … إفريقيا . والأساطيرُ كانت تقولُ
دمُ الأُسَــر الملَكيّةِ أزرقُ . لكنّ ماري انطوانيت ذاتُ دمٍ أحمرَ.
الغابةُ المطريّةُ تبدو من البُعدِ زرقاءَ . ما يرتديه الطوارقُ أزرقُ …
قبلَ ليالٍ ثلاثٍ حلمْتُ بأنيَ أغرَقُ ما بينَ نهدَينِ. والبحرُ أزرق .

أنا في عدنٍ .
1986

كنتُ أرنو إلى جبلٍ كانَ يُسْمى حديداً . ولكنه اليومَ أحمرُ .
قد قال رامبو أنا الآنَ أسكنُ في الفُوّهةْ .
ليتَ رامبو رأى ما رأيتُ
الجحيمُ الذي كان في عهدِهِ خامداً ، لم يَعُدْ خامداً …
كان أحمرَ في بهجة الإنتحار .
وفي صيف موسكو أسيرُ إلى الساحةِ . العلَمُ الأحمرُ المتألِّقُ منعقدٌ في الجبينِ.
وفي صيفِ بايجينغ لوّحتُ بالرايةِ الأمميّةِ حمراء . حمراء . إني أحبُّكِ حمراء.
في 61
كان العراقُ الجميلُ سيُشرِقُ أجملَ
كان العراقُ سيُشرِقُ أحمرَ
كان العراقُ سيُشرِقُ
كان العراق …