العمود الصحفي

Print Friendly

العمود الصحفي
العمود الصحفي وشاح أدبي ، تجلت سطوره بأفكار تندرج في محتوى مضامين مختلفة ، تصب في إظهار هذا الوشاح بأبهى صورة ، لايمكن لك أن تقرأ هذا الوشاح الأدبي من وجهه المقروء تماما ، فلربما لعب كاتبه معك لعبة فنية فقدم لك عمودا بظاهر يدل على خفي مختلف، كما يمكنك أن تتوقع منه خفيا مؤتلفا لظاهر مختلف ،وربما باعد وقارب بين الأفكار ، في لحظة غفلة منك ، ففاتك الكثير مما عنى وكتب!، (وقد يكون) ، ولا أكرر الطرق على (ربما) السخية، فتغضب وتقفز هاربة من ساحة ومعترك المقال!
أقول قد يكون لعب لعبة البداية التي تشبه النهاية ، أو العكس ، أو عرج بك على عاصمة إبداعية لم تنو السفر إليها ، ومن المحتمل أن يكون اقلع بك عنها ، وأنت على مشارف التعارف!، هكذا هو ساحر وبهلوان كتابي من الطراز العمودي ، أو المستطيل ، إذا جاز هذا التعبير ، وإذا لم يجز فالملقن يتحمل ذلك ، أقول هو يفعل هكذا كي يقيس اختبارك القرائي ومدى تفرغك للكلمة ، ومدى قدرتك على الهضم المتنوع سرعة ، أو تباطئا! ، وهكذا هو الخلق الكتابي ، ولا أقول الإبداع ؛ لأن لفظة الإبداع جرى تكرارها كثيرا ، حتى اشتكت من كثرة الطرق عليها ، وقامت بتظاهرة استعراضية انضمت إليها جميع الكلمات التي يكثر تكرارها هنا وهناك (بما اسميه مطرقة الطرق اللفظي في التحدث أو الكتابة).
ومن هذه الكلمات لفظة :ربما التي نوهنا عنها سابقا وعبارة في الحقيقة ،وفي الواقع..وينبغي ، (وأنا) أعوذ من كلمة أنا، وقد فات من ينوه على ذلك أن هذه الأنا هي ضمير متحدث لاعلاقة له بعيوب الأنا المعروفة بالأنانية فلا داعي لاعتذار المتحدث بالنيابة عن ضمير لم يقترف خطأ في حياته التي تجاوزت ألف عام ، ومن الألفاظ التي ضاقت بتكرارها الممل، لفظة لكن ، ويعني وو..الخ .
فاستجبت للفظة الإبداع وأبدلتها ، بلفظة ( الخلق) تجنبا للإثارة بهذا الاتجاه!، ثم فرقت بقية الألفاظ وصرفتها عن احتدام واستمرار التظاهر ، حيث ذهبت كل واحدة إلى بيتها المعجمي لتستقر هناك وتراقب الموقف عن كثب ، إذ لابد من إيجاد بديل لكل واحدة منها ، لاسيما وإن لدينا في معجم الترادف المزيد، وهذا يخص الذين يزعجون هذه الكلمات بكثرة تكرارها ونشرها على حبل الملل السماعي!
العمود الصحفي.. هو هذا المستطيل الذي نقرأه يوميا لإخوة اعتادوا أن يسردوه بهذه الأبعاد ، فهو ليس بالعمود الخشبي الذي احتاجه أهلنا القبليون للعراك بينهم ذات مرة ومرة .. ذلك العمود الذي يدمي الرأس لو هوى عليه ( لاسمح الله تعالى) ، ولم أجرب هذا العمود فقد يهوي هو الآخر على رأسي فيدميه ، عندما لا أكون حذرا عند التعامل مع حكايته الحاذقة! ، سموه صحفيا تسمية أولية ، وإنما هو عمود قد يحتوي على غذاء لغوي وإنشائي وفير، ولربما كان عمودا فقريا ، لهواجس وأفكار شتى اجتمعت على حب الكلمة والإبداع ، فاجتذبه ذلك ودفعه ليكون متبرعا كعمود فقري لمثل هذا الاجتماع المبارك! ، وهو يشكل موروثا من الزاد الأدبي الذي تحتاجه الأجيال!، ولأن الصحافة صارت عنوانا من عناوين الأدب الدالة تنظيرا، سمي هذا العمود بالعمود الصحفي جوازا .. العمود الصحفي له قامة مميزة بين الأجناس الكتابية ، كونه امتلك مزية الخطف السحري للفكرة ، ومزية الابتزاز الإيجابي للذوق ، وهذه الميزة امتلك تذوقها محرر صفحة الأغلبية ، لاأريد أن أجامله بهذه العبارة ، لأن ملقني الكتابي لايسمح لي بالمجاملة، ولو علم أنني أجامل لسحب مني القلم والدواة والقرطاس، ولربما حتى الممحاة التي قد احتاجها في ظروف اشتداد الوهج الكتابي! ، ولعله كذلك يقدم على غلق مكتبي الإبداعي لديه إلى إشعار آخر ، فتراه أي ملقني الكتابي يقف على رأسي ، بعباراته المعروفة في هاجسي ، ومنها هيا عجل.. عجل .. لا تأخرنا وراءك مقال ، وبيمينك مقال ، وبيسارك آخر .. هيا .. هيا .. أسرع وخلصنا ففي رأسك دوي وأزيز وهدير وعواصف وجنون كتابي ، لانطمئن حتى يمر إعصاره! أقول محرر الأغلبية لديه (مزية التصنيف الأبجنشري) للنوع الكتابي وهي من منحوتاتي اللفظية التي لاينكرها علي الملقن أعني بها النشر الأبجدي، وهو أي المحرر يختطف بنظرته الفاحصة عمودا من هنا ، وآخر من هناك ، مما يصله من نتاج مميز يسعى إلى طلب النور المبارك!، فتراه تارة يصدر ، وأخرى يعمد وأخرى يوسط ، وأخرى يؤخر ، أو يذيل بموجب وحيه الذوقي ، فهو سلطان الكلمة في لحظة مروقها إلى منتظرها الجمهور الكريم! ، وهذه النصوص حاشيته يرعاها كيف يشاء!،
ولا أريد أن انغمس في لفظة العمودي ، كي لايظهر لنا منظر فيقترح علينا أن نكتب بمثلث كتابي ، أو مربع ، أو مخمس ، أو مسدس ، أو مسبع ، أو مثمن ، أو متسع ، أو معشر، أو مكعب، فتتحول مهمتنا الكتابية إلى أشكال هندسية ، تتعامل مع المستقيمات والزوايا والنظريات ، والمفروضات ، والمطلوبات إثباتها ( فتخيط وتميط كما يقولون شعبيا) بدون فائدة وعبارة القوسين هذه جعلت الملقن يعض أصبعه ويهز رأسه ويحمي وطيس ضحكه! ، فدعونا نسير على سكة المستطيل العمود ، فهو الذي شن حربا على الجمود الذي اعترى الكتابة ، وفتح لديه ردهة تجميل ورشاقة ، ومستشفى رجيم ، وصيدلية أدوية نادرة ، وقاعة لألعاب القوى اللفظية ، كل هذا من اجل أن يزودنا بمستطيل ذي قامة كتابية فارعة ، هو العمود ، فالعمود.. وما أدراك ما العمود، أنه ميدان لاختبار جدوى الأقلام ، وأصالة المواهب ، وقابلية الفات النظر العفوية العمود الصحفي بقعة نادرة من البقاع التي تتوخاها الجريدة فترصدها لشذرات كتابية ، استطاع كاتبها أن يصوغها بعقد كما تصاغ اللآليء بعقدها الفريد ، ولكنها هنا تتراخى تارة ، وتقوى أخرى ، في إطار البلاغ الإبداعي ، فلا ضير من تراخيها لحلوله في موضعه ، ولا ضير من قوتها لحلولها في موضعها! العمود الصحفي شريان كتابي فعال ، يجتمع فيه فنان من الإبداع: فن الكتابة ، وفن النشر ، وصولا إلى فن الإجادة لكلا الفنين ، من اجل إيصال رسالة للقراء فحواها: أن المضمون الذي احتواه المستطيل هو مضمون نادر ومميز ، يجب أن نقرأه عموديا ، وأفقيا ، وبهذا ينزل المحرر إلى ميدان الصفحة فيكاد أن يجود ، بما يجود به العمود!
رحيم الشاهر- كربلاء
AZPPPL