القومية العربية والإسلام السياسي

Print Friendly

القومية العربية والإسلام السياسي
نصيف الجبوري
عندما كنا نلقي خطب الجمعة في مسجد سيرجي بالمنطقة الباريسية بفرنسا كنا نعلم علم اليقين الخط الفاصل ما بين الدين والسياسة فلا نتدخل في الصراعات الانتخابية بين اليمين واليسار كي لا نعطي لليمين الفرنسي فرصة لمهاجمة جاليتنا. فقد تمكنا من الحفاظ على المصالح العليا للجالية عندما جنبنا المسلمين هناك اتون الصراع الانتخابي والحزبي الساخن. رغم ان هوانا وهوى اغلبية الجالية المسلمة كانت مع الحزب الاشتراكي الذي كان مناصرا للمسلمين. لكن التزامنا بالمواطنة واحترامنا للقوانين العلمانية للجمهورية الفرنسية جعلتنا نحصل من المكاسب ما لم نتمكن الحصول عليه في اي بلد عربي واسلامي. لقد كان عمدة المدينة الاشتراكي العلماني يدافع عن المسلمين في جميع المحافل ويعمل المستحيل في سبيل انجاز مسجد المدينة الكبير وقد ترجم ذلك الى فعل وعمل عندما صرفت بلديته لمسجدنا اكثر من مليون وربع يورو وضمنت نصف قروضه. رد المسلمون الجميل اذ انتخب اغلبيتهم الاشتراكيين في الانتخابات الاخيرة. وهكذا نجحت الجالية في تحقيق مصلحتها حينما تمكنت من عزل الدين عن السياسة هناك.
من هنا نعتقد بأنه من الضرورة في العراق ايضا ان نعزل الدين عن الشؤون السياسية، ونتعرف اولا وقبل كل شيء على الحدود الفاصلة بين السياسة والدين بعد ان اعادنا الاحتلال الغاشم وعمليته السياسية الى ما قبل الدولة المدنية وجعل العراق شيعا واحزابا كل حزب بما لديهم فرحون. فقد عادت العشائرية والطائفية والعرقية والمناطقية والمنسوبية بكل قوة على حساب الهوية الوطنية فازدهرت الاحزاب ذات الصبغة الطائفية والعشائرية على حساب الاحزاب المدنية الديمقراطية. اختلطت نتيجة لذلك السياسة بالدين فتمزق المجتمع لتتحول ولاءاته من الوطن الى الطائفة او العشيرة. لذا ينبغي ان نعمل دون كلل او ملل على تفكيك العلاقات المتشابكة بين السياسية والدين لدى الكثير من الاحزاب العقائدية التي تبنت الدين كمنهج سياسي وننصحها الابتعاد عن هذا الخلط خدمة للدين ذاته وللوطن والمواطنين.
ان من الاسباب المباشرة لنجاح وتقدم ورقي الامم الصناعية الكبرى هو تمكن تنظيماتها المدنية من فك الارتباط ما بين الديني والسياسي فأصبحت كيانات تلك الامم قوية عصرية حديثة. في العراق ايضا يمكن للتيار العروبي من خلال تجربته التاريخية في المنطقة من حل هذه المعضلة وفق المعطيات المحلية غير المستوردة التي يستند اليها. لعل من المفيد دراستها لأنها من اهم الوسائل التي ينبغي الاسترشاد بها في هذا المضمار. لذا اود من خلال هذه المقالة المقتضبة الحديث عن علاقة العروبة بالدين وموقفها من الاسلام الذي يعتبر ثقافة وحضارة مجتمعنا الذي نعيش وسطه. يخطأ من يعتقد بأن التيار القومي العربي معادي او مناهض للدين فهو لا يتبنى بأي حال من الاحوال المبدأ القائل الدين افيون الشعوب انما على العكس فالأديان وعلى الخصوص الدين الاسلامي يرتقي بالإنسان الى درجات عالية من الصفاء الروحي ويبعث فيه الامل بالحياة والتوازن في شخصيته. هذا اضافة الى ان الاسلام يدعو الى محاربة الظلم والفساد والسرقة والرشوة والمحسوبية والمنسوبية والغش والخداع والقتل والتعذيب كما انه يدعو الى العدالة الاجتماعية والسلم الاهلي والصدق والاخلاص في العمل والتضحية والتكافل الاجتماعي وغيرها.
كل هذه الخصال لا تتقاطع ولا تتناقض مع مفهوم الدولة المدنية التي ينادي ويناضل من اجل تحقيقها القوميون العرب في العراق. اضافة الى ذلك فإنهم يتبنون المبدأ الاسلامي النبوي الذي يدعو لاشتراك الناس في ثلاث النار والماء والكلأ ومعنى ذلك أن الدولة او الجماعة او الامة ينبغي لها ان توفر لكل الناس النار الوقود والغاز والنفط والفحم والحطب وكل ما يتعلق بالطاقة والماء كل ما يتعلق بماء الشرب ومشتقاته والسقي الزراعي وغيره والكلأ كل ما يتعلق بالطعام والزروع لتغذية العباد والدواب .
أما العبادات من صلاة وصوم وزكاة وحج وإيمان بالأخرة كالجنة والنار فانها تبقى عبادات شخصية فردية ليس لها اي انعكاسات سلبية على مفهوم المواطنة والدولة المدنية. شرط ان لا تفرضها الدولة على مواطنيها ولا يحق لها بنفس الوقت ان تمنع احد من ممارستها لانها في كلتا الحالتين تظل عبادات في اطار الحرية الذاتية.
ان المبدأ الذي يتبناه التيار العروبي هو عدم خلط الدين بالسياسة لان السياسة شأن دنيوي متحرك يحتمل الخطأ والصواب ويتغير بتغير الظروف والاحوال والمئال. اما الشعائر التي تتعلق بالعبادات فلها شأن اخر لأنها تعالج الجوانب الايمانية الفردية. من المؤكد ايضا بان القوميين العرب لا يمكن ان يقفوا ضد الدين الاسلامي الذي يعبر عن عقيدة الاغلبية الساحقة للشعب العراقي بل على العكس يناضلون ويجاهدو بالتوازي مع الاهداف الاسلامية التي عمل بها المسلمون الاوائل سواء في تطبيق العدالة الاجتماعية او تحقيق السلام او قول الصدق او الاخلاص في العمل.
ان التجارب التاريخية تؤكد صحة موقف القوميين العرب الذي يتسم بالوسطية البعيد عن الافراط والتفريط فعندما تبنت بعض الاحزاب العلمانية العداء للدين وبصورة خاصة الاسلام وقف التيار العروبي مع الاسلام كثقافة لها دور كبير في شحذ الهمم لمقارعة الاستعمار ونشر العدالة والسلام بين الشعوب. وبالمقابل عندما تبنت بعض الاحزاب الدينية الخلط ما بين الدين والسياسة حذر هذا التيار من التلاعب بعقائد الشعب الدينية لأهداف سياسية وحذر ايضا من الفتنة التي سيكون وقودها وضحيتها المواطن أيا كانت عقيدته. ان القوميين العرب كما ذكرنا ليسوا ضد الاديان سيما الدين الاسلامي لكن اصل المشكلة هو التوظيف السياسي من قبل الاحزاب الدينية للإسلام الذي اضحى بسبب ذلك التوظيف عامل تشتيت وتمزيق للشعب فأضعف المواطنة وشتت الدين الواحد الى شيع واحزاب متنافرة ومتصارعة، ولعل سنوات الحرب الطائفية كانت اكبر دليل على ذلك. فالصراع الدموي ما بين السنة والشيعة قد فتح الباب على مصراعيه لتمرير الاجندات والمؤامرات الاجنبية وبات الطرفان يتقاتلان فيما بينهما تحت حجج مذهبية دينية سياسية، كل فرقة تعتقد بأنها على صواب. حتى وصل الامر لكل طرف عندما يهاجم الطرف الاخر يصيح الله اكبر ويشهد ان لا اله الا الله وكل منهما يعتقد بانه الفرقة المنصورة والفرقة الناجية والفرقة الكاملة المعصومة وغيرها فرق باطلة ضالة مضللة. بالتوازي مع هذه الفتن ظهرت فتاوى التكفير من كلا الطرفين والتي زادت النار اشتعالا فهذا ناصبي مستحل الدم وذلك رافضي يستحق القتل. لقد وضفت المساجد والحسينيات لصراعات حزبية ان كان لها اول لا نرى لها اخر حتى هذه اللحظة، فهذا الشيخ يحرم انتخاب هذا المرشح والاخر يدعو بالويل والثبور ونار جهنم وبئس المصير لمن لا ينتخب ذاك. لقد كانت النتيجة الحتمية لهذا النزاع تهديم عرى الوحدة الوطنية وشق صف المجتمع واضعاف الوطن. لقد تعمقت الصراعات ليس فقط بين السنة والشيعة انما وصل الامر الى الاقتتال المرير بين اتباع المذهب الواحد.
اضافة الى كل ما مضى فإن هناك تساؤلاً يطرح نفسه وهو، هل من العدل والانصاف ان تستحوذ الاحزاب الدينية على المساجد والحسينيات لتجعلها منابر انتخابية. كي يفوز هذا المرشح او ذاك باسم الدين وتتحول دور العبادة الى ساحة لصراعات حزبية ضيقة بدلا من ان تؤدي رسالتها الدينية في الوعظ والارشاد، بعيدا عن السياسة التي لها منابرها واماكنها المخصصة لها. في حين تحرم التيارات الديمقراطية والمدنية الاستفادة من تلك المنابر التي اضحت مغلقة لطوائف دينية متحزبة؟
تقضي قوانين الديمقراطيات الحديثة بمنح فرص الدعايات الانتخابية لجميع الاحزاب المرشحة بأوقات زمنية متساوية في جميع وسائل الاعلام الرسمية، وضرورة التوزيع المالي العادل للتيارات من قبل الدولة اثناء حملاتها الانتخابية وشفافية المصادر المالية الواردة لتلك التنظيمات، وتحرم استخدام دور العبادة والرموز الدينية أيا كان موقعها في الصراع السياسي والتنافس الانتخابي. أما الاسلام فهو دين الشعب كل الشعب ولا ينبغي ان يكون حكرا للإسلاميين سواء في دور العبادة او في الحياة العامة. لقد زخرت الآيات القرآنية بالمواعظ والأحكام ومكارم الاخلاق التي لا تأمر طبقة او طائفة معينة بذاتها واسمها، انما هي آيات عامة غير مسيسة لجميع المسلمين. ولكل مسلم سواء كان ملتزما او غير ملتزم اسلاميا او علمانيا الحق في استخدامها لأنها تنادي ضمير المواطن ليخدم المجتمع ويبني الوطن. لعل اغلب آيات القرآن الكريم تتناول المعاملات بين بني ادم والالتزام بالأخلاق الانسانية العامة ولها تأثير كبير على اعادة المواطنين الى جادة الصواب في قضايا الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، فمن هذه الآيات ان الله يأمر بالعدل والاحسان ، و أوفوا بالعهد اذا عاهدتم ، و لا تبخسوا الناس اشياءهم ، و لا تبخسوا الميزان ، و الذين لا يشهدون الزور واذا مروا باللغو مروا كراما ، و لا يجرمنكم شنئان قوم على ان لا تعدلوا اعدلوا هو اقرب للتقوى ، يوم ينفع الصادقين صدقهم ، و لا تركنوا الى الذين ظلموا فتمسكم النار ، ان الله لا يضيع اجر من احسن عملا.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يؤمن احدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، من غشنا فليس منا، ان الله يحب اذا عمل احدكم عملا ان يتقنه، خير الناس من نفع الناس، الدين المعاملة.
لقد علمتنا التجارب الانسانية عموما وتجارب الدول العربية والاسلامية بأن مفهوم المواطنة لبلدان متعددة المذاهب والاعراق هو الحل الامثل الذي يمكن ان يحقق العدالة بين ابناء الشعب الواحد لأنه لا يفرق بين شخص واخر ألا بالكفاءة والعمل والاخلاص. كما ان الدولة المدنية التي ينادي بها التيار القومي العربي يهدف الى منافسة شريفة بينه وبين الاخرين ايا كان مذهبهم وينبغي ابعاد الدين عن الشؤون السياسية العامة. كما ان هناك ضرورة على ان يكون ولاء اعضاء تلك التنظيمات والاحزاب السياسية والمهنية والنقابية وطنيا خالصا بعيدا عن المذهب والدين والعرق والعشيرة والنفوذ الاجنبي.
AZP07