التعددية الثقافية وازدهار الحضارة في بغداد العباسية

Print Friendly

التعددية الثقافية وازدهار الحضارة في بغداد العباسية
تطور حضاري لجم البداوة وبلغ ذروته في عهد المأمون
ابراهيم الحيدري
كان ازدهار الحضارة في العراق في العهد العباسي بفعل التعدد والتنوع والاختلاف والتكامل بين الاقوام والشعوب والاديان واللغات والفرق والطوائف التي تعايشت معا بحيث اصبحت بغداد اشبه بقطعة موزائيك ملونة.وقد ساعد هذا التعدد والتنوع على تطورالحضارة والعلوم والاداب والفلسفة والفنون، بحيث اصبح العراق نموذجا حيا ومثيرا في التاريخ الاسلامي فيما يتعلق بعلاقة العرب بغيرهم من الاعاجم وعلاقة العرب بالمسلمين وعلاقاتهما بغير المسلمين، حتى اصبح العنصر غير العربي عنصرا عاملا وفاعلا ومهما في تطور الحضارة العربية الاسلامية على وجه الخصوص.
فعندما كانت بغداد عاصمة الدولة العباسية جرت عملية تثاقف طوعية متبادلة بين الاثنيات والاديان والطوائف حيث اصبحت اللغة العربية هي لغة الثقافة والاداب والعلوم واصبحت أمرا طبيعيا لا يثير أية حساسية بين الاقليات، بالرغم من عدم استعمال اللغات الفرعية في الحياة اليومية، كما شكلت اللغة العربية الى جانب الدين الاسلامي عاملا حاسما في تشكيل هوية الناس العربية الاسلامية.
والحقيقة كان ازدهار الحضارة العربية الاسلامية بسبب تحضر اغلب الشعوب وتحالفها، التي لجمت بدواتها وعنصريتها ولغاتها ووظفت جميع طاقاتها في مشروع نهضة حضارية جديدة نما نموا مطردا اجتماعيا وثقافيا واقتصاديا وبلغ أوج ذروته المعرفية في عهد المأمون. وبالرغم من استبداد الخلفاء العباسيين فقد استطاع البعض منهم ان يقيم توازنا سياسيا واجتماعيا وحضاريا عن طريق تفاعل مثمر وخصب بين اغلب القوى العربية والفارسية والرومية من سكان العراق في العصر الوسيط.
غير ان هذا التوازن السياسي النسبي لم يخلو احيانا من توتر وصراع، لم يتمكن من الاستمرار وذلك في مواجهة قوة الموجة الرعوية البويهية ومن ثم الموجة الرعوية السلجوقية العارمة القادمة من آسيا الوسطى، التي اكتسحت العالم الاسلامي وعملت انقلابا خطيرا بمساعدة الخليفة المعتصم العباسي كان بداية نهاية العصر العباسي المزدهر الذي وضع أسس نهضة كان من الممكن ان تستمر طويلا.
وتشير الاحداث التاريخية الى الطابع الرعوي لعسكر المعتصم. فقد اخبرنا الطبري بأنهم كانوا جفاة يركنون الدواب ويتراكضون في طرق بغداد وشوارعها فيصدمون الناس ويطأون الصبيان بدوابهم. غير ان سقوط بغداد على يد المغول عام 1256 شكل بداية الانحطاط الحضاري الفعلي وسيطرتهم على السلطة وتفكيك الدولة واجهاض الحركة الفكرية العقلانية ـ التنويرية للعصر الوسيط التي قام بها علماء الكلام واخوان الصفاء والمعتزلة. وقد سبق ذلك تدهور وركود اجتماعي واقتصادي بدأ بدخول البويهيين الى العراق في القرن العاشر الميلادي، وتبنيهم المذهب الشيعي الصوفي في سياقه الأكثر رجعية، رغم تطور مذهب فكري انساني ومتفتح في ظلهم، ازدهرت فيه العقلانية الفلسفية المستلهمة من الاغريق.
ولكن هذه الحركة العقلانية سرعان ما ضمرت واصبحت في طي النسيان. وحينما اجتاحت جيوش المغول حدود الدولة العربية الاسلامية الشرقية كانت سلطة الخليفة العباسي الناصر لدين الله في بغداد لا تتعدى وسط وجنوب العراق وخوزستان، في حين كانت بقية الاقاليم تحكم من قبل امراء وسلاطين مستقلين عن الخلافة في بغداد ولم تكن علاقتهم بالخلافة سوى ما يتعلق بالمراسيم التقليدية، حيث كان العراق يمر آنذاك باسوء فترة من تاريخه السياسي والاجتماعي والثقافي وذلك لفساد الحكم والرشوة في ادارة البلاد وتسلط جيوش المماليك على مقاليد الحكم في بغداد، وهو ما أدى الى تعرض العراق الى كوارث وفيضانات واوبئة كانت تجتاح البلاد وتخرب المدن والمزارع وتنشر الامراض والمجاعات والفوضى فيها وتحوله الى بلد شبه رعوي، بعد ان تحولت الاراضي الزراعية الغنية اواخر العصر العباسي الى بوادي قاحلة واهوار ومستنقعات واراضي زراعية تغمرها الاملاح، مما ادت الى الانخفاض التدريجي للقوة الانتاجية للاراضي الزراعية. وفي ذات الوقت ادى اسلوب الانتاج الزراعي الذي شاع آنذاك، الذي قام على نظام الاقطاعيات حيث كان الخليفة العباسي يقطع بموجبه اراضي شاسعة لاصحاب النفوذ لاستغلالها وبصورة خاصة الى امراء الجيش والضباط من المماليك والجركس والترك والسلاجقة، الذي بدأ نفوذهم يتوسع منذ تولى الخليفة العباسي المتوكل للسلطة في سامراء ثم استفحل الامر في خلافة الناصر لدين الله ثم المستنصر بالله آخر خلفاء الدولة العباسية الذي قتل على ايدي المغول عام 1256م وسقوط الدولة العباسية.
من ذلك التاريخ اصبح العراق مسرحا لصراعات ونزاعات مستمرة، داخلية وخارجية، مما سهل دخول اثنيات وطوائف واقوام ولغات الى العراق الى جانب اقتحام موجات بدوية وفدت من البادية الغربية واحدة تلو الاخرى، وكذلك هجرات اجنبية كاسحة وجيوش غازية ومجموعات مرتزقة دخلت العراق من الشمال والشرق، لعدم وجود حدود طبيعية وسلطة مركزية قوية تستطيع حماية البلاد من النزاعات الداخلية والاعتداءات الخارجية، وهو ما ساعد بدوره على اقتحام مزيد من الموجات والاقوام والجماعات والقبائل من الاتراك والسلاجقة والايرانيين والمغول والهنود وغيرهم.
لقد احدثت تلك الموجات البشرية تغييرات بنيوية عميقة الاثر في التركيبة السكانية والبنية الاجتماعية ـ الثقافية، مما سبب تدهورا في القوى المنتجة ووسائل الانتاج وادواته، وبذلك فقد العراق مكانته في التجارة العالمية وتدهورت الصناعات والحرف وطرق التجارة. كما انهارت منظومات الري والانهر والسدود وتدهورت الزراعة والملاحة في نهري دجلة والفرات وشط العرب. ان ضعف السلطة المركزية في العراق خلال عصر التخلف والانحطاط والصراعات السياسية والحروب المستمرة بين الدول التي احتلت العراق والموجات البدوية المستمرة وكذلك استبداد الولاة الاجانب وضعفهم ساعد على نشوء سلطات محلية ضعيفة قامت على شكل دويلات وامارات ومشيخات ورؤوساء مدن ومحلات وطوائف وجماعات، وفرت مجالا خصبا لتقوية الروح العشائرية والعصبيات القبلية واعادت انتاج القيم والاعراف والتقاليد القديمة حتى يحافظ كل من الحاكم والمحكوم على موقعه والدفاع عنه وحمايته.
وكان في مقدمة ذلك سيطرة القيم والاعراف والعصبيات القبلية على حساب القيم والاعراف العربية ـ الاسلامية والحضرية التي أثرت بشكل مباشر او غير مباشر على افكار الافراد وسلوكهم، بشكل واعي او غير واعي، كالغزو والتغالب والتعصب والفخر وغيرها من القيم البدوية السيئة التي انتشرت على حساب القيم البدوية الجيدة كالشجاعة والمروءة والنخوة والكرم وغيرها. وقد استمر التخلف الاجتماعي والاقتصادي والثقافي حتى نهاية القرن التاسع عشر بعد حدوث تحولات بنيوية في نظام الملكية الزراعية وتطور نظام شبه اقطاعي جلب معه تخلفا في نمط الانتاج الزراعي والعلاقات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لم يسمح بتطور طبقة وسطي كان من الممكن ان تحمل على اكتافها قليلا من التقدم الاجتماعي، كما حدث في تركيا ومصر وايران.
AZP09