الكاتبة عالية محمد علي

الكاتبة عالية محمد علي

الرفض والقبول ضمن إحتمالية اللغة

وجدان عبدالعزيز

اللغة تعتبر أهم وسائل التفاهم والاحتكاك بين أفراد المجتمع في جميع ميادين الحياة، وهي نسق من الإشارات والرموز، تشكل أداة من أدوات المعرفة، وعرفها القدماء بأنها أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم .. ولم تستطع التعريفات الحديثة للغة أن تتجاوز هذا التعريف الموضوعي، وأن تعريف اللّغة بوظيفتها يختلف عن تعريفها بحقيقتها وعلاقتها بالإنسان. فاللّغة هي الإنسان، وهي الوطن والأهل، واللّغة هي نتيجة التفكير. وهي ما يتميز بها الإنسان عن الحيوان، وهي ثمرة العقل وعرّفها علماء النفس، فرأوا أنها مجموعة من إشارات تصلح للتعبير عن حالات الشعور، أي عن حالات الإنسان الفكرية والعاطفية والإرادية، كونها وسيلة يمكن بواسطتها تحليل أية صورة أو فكرةٍ ذهنيةٍ إلى أجزائها أو خصائصها، والتي يمكنها تركيب هذه الصورة مرّة أخرى بأذهاننا وأذهان غيرنا، وذلك بتأليف كلماتٍ ووضعها في ترتيبٍ خاصٍ… وعلاقة الدال بالمدلول، علاقة اعتباطية، اي انها تابعة على ماتواضع عليه مجموعة الناطقين بها، وبالتالي سميت الاشياء بمسميات القوم، فاصبحت قارة ومستقرة على معاني بعينها.. ولااريد الاطالة في هذا، انما همي التركيز على اللغة الشعرية الحديثة، التي خرجت من الدلالة المعجمية الى الدلالة الاحتمالية، فاصبحت لغة مبتكرة، ذات مرونة عالية، ذات اضاءات متوالدة، تتجاوز الحدود بلا قيد او شرط .. وامامي نصوص للكاتبة عالية محمد حملت تلك المرونة وتجاوزت بعضا من الحدود، واعلنت على انها تقف في مناطق الشعر والحداثة المعاصرة، والحداثة أو العصرنة تحديث وتجديد ما هو قديم وهو مصطلح يبرز في المجال الثقافي والفكري التاريخي، ليدل على مرحلة التطور التي طبعت أوربا بشكل خاص في مرحلة العصور الحديثة. معظم الحياة الحديثة تغذت من مصادر متعددة: اكتشافات علمية مذهلة، معلومات عن موقعنا من الفضاء وتصورنا عنه، مكننة الصناعة التي حولت المعرفة بالعلوم إلى تكنولوجيا، وغيرها. كل هذا يخلق بيئات جديدة للبشر ويدمر القديمة، فهو يعجل حركة الحياة، يبلور أفكارا واتجاهات اجتماعية وسياسية ودينية، يكون قوى وسلطات جديدة، يعقّد العلاقات بين الناس وبعضهم وبين الناس والمؤسسات المختلفة، يزيد أو يغير اتجاهات الصراعات الطبقية ويفصل الملايين من البشر عن تاريخهم وعاداتهم الموروثة، أو( الحداثة هي التجديد الواعي أي :أن الحداثة هي وعي في التاريخ وفي الواقع، ويكون الفهم التأسيسي فيها جذريا مثله مثل شرط الوعي بالدور والمرحلة، وهذا يعني أننا لا نحصر الحداثة في خطاب دون خطاب ، فالخطابات كلها تتعرض للتحديث بالضرورة.) .. اذن مفهوم الحداثة يشمل الجانب الاجتماعي والثقافي بل وحتى الديني ، فالحداثة ليست فقط في الأدب والثقافة، بل قد ذهبت إلى ما هو أبعد من ذلك، لذلك نرى أن المعارضين للحداثة يشنعون على مؤيدها ، قصدا منهم أنها تهدم الدين و تبعدنا عنه. كل هذا ما اوحته لي نصوص الكاتبة عالية محمد، والتي تقول في بعضها :

(لاحاجة لآستنطاق أحلامي

فهي عادةً تثرثر بكَ

كثيرا

عزائي في نهاية المطاف

أقمار هناك .. تنتظر

عزائي

ليس للزمان والمكان سلطة على

عاشقة خرقت قوانين الحب

ثم أحرقتها

وكتبت على الجدران

قانونك .)

تحدثت الكاتبة هنا بصحوة وبوعي، مثيرة بعض الاسئلة في ذهن المتلقي، ثم انها طرحت معارضاتها الخفية، وحاولت الاستسلام لواقع معروف في ذهنها، الا ان المتلقي تتحرك في ذهنه كما اسلفت اسئلة اخرى، فالمسلمة الاولى انها عاشقة، لكنها عاكست قوانين الحب المعروفة، وسجنت نفسها بقوانين التقاليد والاعراف، المسلمة الثانية خروجها من قيد الحلم الى قيد الانتظار، أي من اللاوعي الى الوعي .. من الحلم الى الانتظار، وهذه اشكالية اجتماعية ان ترضى بما ليس منه بد، حيث تتصارع هنا الذات، أي ذات العاشقة الواثقة من مشاعر الحب، لتتحول الى قبول خانع لمشاعر مفروضة من القوانين المتواضع عليها من قبل الجماعة المحكومة باحترام ما تواضعت عليه الجماعة .. وهذا هو صراع القدامة كمسلمة اخرى، وصراع الحداثة بشرط الوعي .. فهل اللغة تقف عند حدودها المعجمية، ام تذهب الى ضفة المغايرة في ذهن أي كاتب يحتاج الى التماهي مع التعبير عن ارهاصاته الرافضة لبعض من واقع مسلم به .. وبما اني صنفت كتابات عالية محمد بالنصوص، تناولت نصوصا تقترب كثيرا من الشعر، ونصا اخر يقترب كثيرا من القص الحديث، لاضرب عصفورين بحجر واحد، بمعنى اثبت معنى العولمة الثقافية بين الاجناس الادبية وعبورها حدود جنسيتها، والمعنى الاخر اثبات رؤية الكاتبة الواحدة والموزعة بين الاجناس الادبية في نشدان الحرية والانعتاق والتعبير عن الرفض والقبول من خلال اللغة كونها احدى وسائل التعبير كما اسلفنا، ففي نص سردي لها تقول : (أصارع لإثبات نظريتي بمواجهة نظرية الكرسي المتهالك الذي سأجلس عليه ، نظرية الكرسي تقول بأن ملابسي ستتسخ بطبقات الغبار المتراكمة عليه ، ونظريتي تقول إن صديقي الغبار لن يجرؤ على أن يلتصق بثوبٍي الأنيق ، أبتسم لمنديلي المعطّر المندّى ببعض الماء الذي سحبته من علبة صغيرة أحملها معي وأظنه كافياً لتنظيف الكرسي كيفما اتفق ، الكرسي الذي رفضت مخازن دائرتي اعتباره مستهلكاً مع كومة من الأثاث القديم رغم عشرات من صيحات الحقيقة الموثقّة بالأختام بأنه لم يعد صالحاً للاستعمال)، ونص اخر يثبت حقيقة ما ذهبنا اليه، يقول : (والصدى يردد : سيقتلونك ببطء يانازك أو يجعلك المجتمع تقتلين نفسك بلحظة انتحار ، فهاجس الشعر لا يتفق مع هاجس القلوب المريضة ! إنك تخرقين الجدران بالكلمات ، ومن غير المسموح للجدران أن تُخترق إلا بالرصاص ، في زمن كان فيما مضى وأتى وسيأتي يتحدث فيه العراق بلغة واحدة ، لغة الحديد والنار ! فأين ستُخفين قدر أجنحتك المُحلقة أيتها الفراشة ، في أزمنةٍ تموت فيها الفراشات وهي لا تزال في الشرانق !)، هذه دلالة واضحة انها انسانة رافضة، رغم القبول، أي هناك صوت يتبادل امكنته مع المغايرة اللغوية واحتمالية الظهور، حتى وان كانت هناك موانع اجتماعية معينة تكاد تقترب من الثبات، وبهذا يتبدى لنا ان شعرية اللغة، تظهر انها مشروع غير مكتمل، قد يكون مشروعا مستقبليا في ظل تيه العالم، ومحاولة تكوين صيرورة وجودية كونية …