جيل السبعينات الشعري .. حضور لا يلغيه الغياب وتأثير يفتح الأبواب

جيل السبعينات الشعري .. حضور لا يلغيه الغياب وتأثير يفتح الأبواب

احسان محمد علي

أصوات شعرية مبدعة أرست قواعد وأسس القصيدة الحديثة وشكلها وتركيبها اللغوي والبنيوي وقاموسها الجديد الذي يستمد ديمومته من أنصهار البلاغة القديمة، في جمل قصيرة مختارة ببالغ الدقة والعناية الفائقة والتي صاغت مفرداتها المعبرة عن مرحلة كاملة تخللتها، اشكالات سياسية وأقتصادية عارمة لتقدم لنا بالتالي قصيدة يومية حداثية تحمل هموم الشعراء الذاتية والعامة، وهاجس الخوف من تشظي التجربة السياسية بانهيار جدار (الجبهة الوطنية) وأضطرار أغلب المواهب المبدعة التي غلب عليها، طابع القصيدة المؤدلجة الى جانب القصائد التي تعبر عن الذات ومعرفة كنهها وسبر أغوار النفس وأشجانها (الى أختيار المنافي البعيدة) كل ذلك أوقد شعلة من الحراك الثقافي الواسع شهدته أروقة أتحاد الأدباء والصحف التي كانت صفحاتها الثقافية منبرا واسعا يستوعب هذه الطاقات الأبداعية ويؤطر انتاجها بالمتابعة النقدية المستمرة على يد الأساتذة (طراد الكبيسي، وفاضل ثامر، وياسين النصير) فأستمدت ديمومتها وحضورها رغم الغياب القسري الذي فرضته الظروف الصعبة والمعقدة خاصة بعد بداية الحرب الايرانية واحتلال الكويت ومآسي الحصار الاقتصادي الذي ضرب اطنابه على جميع طبقات المجتمع العراقي وفرض شروط قاسية القت ظلالها على انتاج الكتاب وتوزيعه وتسويقه وحرمان الكتاب العراقي من الوصول الى خارج العراق عبر المؤتمرات الادبية ومعارض الكتب التي يتم فيها انتشار الكتاب الى فضاءات اوسع واشمل. وهذه محنة الكتاب العراقي سابقاً وحالياً والتي تمنع وصوله الى مرافىء اوسع . ان الاصوات الشعرية التي حلقت عالياً في سبعينات القرن الماضي غابت اصواتها كثيراً وان لم تغب اسماؤها في خريطة الشعر العراقي المعاصر .

لقد ترك شعراء السبعينات بصمة واضحة على معالم القصيدة الحديثة مبنى ومعنى عبرت بها افاق حدودها لتتواصل مع الحداثة والبنيوية والتركيب الحاذق لمفردات اللغة التي تتسع الظروف القاسية التي عاشها هذا الجيل بكل سلبياتها وايجابياتها واحباطها ونكوصها. فهل احتوى المنفى الاختياري او الاضطراري هذه الذوات المبدعة التي الهمتنا شعراً لم يزل يعيش في نفق الذكرى الادبية العراقية والذائقة الفنية التي تتمتع بها النخبة المثقفة التي انبثقت بعد تجربة الرواد والجيل الستيني عبر مجلة (الكلمة) وجماعة (كركوك).

مرحلة قاسية

ان جيلي الذي تحمل اعباء مرحلة قاسية بكاملها وبكل تفاصيلها واشكالياتها قدم خطاباً شعرياً راقياً منسجماً مع ذاته ومع وقع خطى الظروف المتشابكة والمريرة ابتداء من تقييد الحريات الى فرض رقابة صارمة على ما يكتب وينشر مما ترك اثاره واضحة على مجال الافصاح عما يجول في الخواطر والذاكرة والوجدان والهم العام الذي ترك اثارة السلبية على الشارع الثقافي وادى بالتالي الى الرحيل صوب المنافي القصية حاملة معها رموزها وذكرياتها وتجربتها الشعرية الثرة التي كانت بودقة للجيل اللاحق الذي لم يتعكز عليها بل طور هذه التجربة الشعرية صوراً منسجمة مع الواقع المعاش عبر استخدام الرموز والدلالات الموحية عن دلالة المضمون الراق الذي وصل حد ناصية الكمال الشكلي والفني والجمالي كبنيان لا يستطيع احد من نسيانه او تناسيه. انه جيل النكبات وضيق الحريات وملاحقة الاقلام الشريفة التي استطاعت ان تكشف عبر اداوتها الفنية عالية التقنية وارتباطها بهموم وطنها معايير المواطنة والحرص البالغ على تطوير المجتمع بما يخدم كل طبقاته وفئاته. لقد ترك جيلي انتاجاً ثراً لا ينسى . لقد رحلوا وسرقوا معهم الطفولة والفرح والمشاكسة. تركوا نخيلهم يجف تحت وطأة المعاناة الانسانية التي عصرت جيلاً بكامله والبسته رداء الانزواء والانكماش مراهنين على واقع افضل يستطيعون من خلاله ان يرفدوا الادب العراقي وتاريخه زهوراً جديدة يانعة ومورقة .واذكر الذي غادروا بعيداً وحملوا معهم بطاقة انتمائهم وتوجسهم وذاكرتهم وخطاهم التي تركوها على شوارع الابداع نصاً ومضموناً لم يرق الى مستواه الا قلة قليلة من الشعراء سارت على خطاهم وانضجت تجربتهم وجعلتها فاكهة طازجة في متناول المتلقي لتعبر به الى ضفاف المعرفة والحكمة والجمال والمتعة والمكاشفة التي تعكس مصداقية الشاعر ونبضه ونبض الشارع المتخم بالمرارات. واذكر هنا على سبيل التذكير لا الحصر اسماء الشعراء التي كانت قصائدهم وبواكيرهم تثير اكثر من سؤال في عالم الدهشة والذهول الصادم انعكاساً حياً للواقع المعاش بكل تفاصيله اليومية وحيثياته وملابساته. فمن ينسى (هاشم شفيق،وزاهر الجيزاني، وخزعل الماجدي ويحيى السماوي ونبيل ياسين وليث الصندوق وخليل المعاضيدي وكمال السبتي واديب كمال الدين؟) والجيل الذي تلاه والذي قدم اجود ما تكون القصيدة ببنائها الصوري والموسيقي والجمالي واختيار اللغة بتراكيبها المنسجمة مع الواقع وما تركه من اثار شاخصة في مضمار الابداع الذي استمد كينونته عبر الاجيال والتي افرزت شعراء لامعين اخذوا بتلابيب القصيدة الى شواطيء لم تكن مأهولة من قبل فسطروا اروع ما يكون البيان لفظاً وصوراً مبتعدين عن الابتسار والسرد النثري الذي طفا في الاونة الاخيرة على معظم المجاميع الشعرية الصادرة حديثاً. واذكر على سبيل المثال المبدعين (عدنان الصائغ وعبد المنعم حمندي وهاتف الجنابي وقيس مجيد المولى ورزاق ابراهيم حسن وريم قيس كبه وكزار حنتوش وجواد الحطاب) هذه الاجيال المتعاقبة انتجت جيلاً صقلته الظروف الاخيرة في بودقة ابداع اكبر تجلى ضمن اطر جمالية ومضامين (ديناميكية) تواكب المرحلة بكل اسقاطاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية فأينعت قصائد حرى تستظل بنخيل العراق الباسق وتتفيأ تحت شجرة الابداع التي ما فتئ العراقيون يقطفون ثمارها ليتبوأوا المقاعد الاولى في قاعة التفرد والتجديد في عمارة الكلمة وبنائها ، في الموسيقى الداخلية الضمنية التي تعزف لحنها في مفردات ابدعها شواء طرقوا باب القصيدة فأنفتح امامهم طواعية ليلقوا بالتالي نشيدهم المتواتر عبر الدهور واذكر كلا من الشعراء (جبار الكواز وعلي الفواز وعمر السراي ومروان عادل وسلام دواي ) الذين استمدوا خطواتهم الواثقة وبسطوها على خريطة الشعر العراقي المعاصر.

عناء وغربة

انهم امتداد حي لجيلي المضمخ بالعناء والغربة والوجع المر الذي خلقته المنافي القصية والظروف العصية التي عصفت بالعراق وبالمنطقة عامة لتخلف هذا النشيج المتواصل والغناء والحداء الحزين .

اننا في حضرة الشعر نقف ذاهلين من هذه الاقلام الرصاصية التي توقد الذاكره وتورق الوجدان والاحساس والخيال الخصب .. لتثمر اشجاراً عاليه في معبد الشعر المضاء دوماً بنيران الاسئلة وفلسفة الاشياء والنفوس الباحثة عن ذواتها في صيرورة الكلمة وجزالة اللفظ وبيان المعنى في صور تلتقطها عين الشاعر لتحيلها لوحه سريالية في ذاكرة الادب والشعر خاصة والذي طالما ارهب الداخلين من بابه ليتفرجوا على الدنيا في مرآة الحياة الصاخبة.. وليحولوا هذه الاحاسيس الى صور شعرية يبقى صداها يردد رغم تقادم الزمن.