من أوزار الثقافة في العراق وأرزائها

100 90من أوزار الثقافة في العراق وأرزائها

طه باقر يذيع مصطلح الجزيريين بدل الساميين

شكيب كاظم

إذا كان النتاج الجيد يفرض نفسه على الناشر والقارئ، فأن منجزاً معرفياً مهماً، سيكون أكثر مدعاة لفرض نفسه، ودفع القارئ والباحث على معاودة القراءة فيه والرجوع إليه. وكتاب (تمثلات الحداثة في ثقافة العراق) الصادر عن منشورات الجمل بطبعته الأولى لسنة 2015، الذي أغدقته علينا الباحثة العراقية الرصينة المغتربة فاطمة المحسن، يمثل صورة متقدمة لهذه المنجزات المعرفية، فأنا منذ أن قرأته لأول مرة يوم الأربعاء 25/ من آذار/2015، وكتبت عنه حديثاً نقدياً ضافياً، مازلت أعيد النظر فيه والقراءة، فهو من الكتب التي تحتاج إلى قراءات والى أكثر من حديث.

نهضة معرفية

لقد وقفت ثانية عند الفصل الرابع والذي وسمته الباحثة فاطمة المحسن بـ (الدرس التعليمي والمشروع الأكاديمي) ص259.ص313 درست فيه النهضة المعرفية والبحثية التي عاشها العراق في عقدَي الأربعينات والخمسينات من القرن العشرين، حيث دأبت الدولة العراقية، على إرسال البعوث إلى دول العالم المتقدم، للدراسة في الجامعات العلمية الرصينة: السوربون وكمبردج وغيرهما، وعودة الخريجين مكتنزين بالمعرفة والعلم القويم، وأسبغوا ما حصلوا عليه من أسس رصينة على الحياة الجامعية في العراق، ليظهر لدينا جيل، لا بل أجيال من المتعلمين والدارسين، هم الذين سيقودون الحياة الأكاديمية والمعرفية في العراق، واقفة الباحثة فاطمة المحسن عند مفهوم التأريخ والدرس الأكاديمي، متحدثة عن من درسوا تأريخ العراق القديم مثل: طه باقر (1912/1984) وفؤاد سَفَرْ (توفي بحادث سيارة في10/1/1978)، وعبد العزيز الدوري (1917-2010) الذي درس التأثيرات الاقتصادية على سيرورة الأحداث التأريخية، وفيصل السامر (1925-1982) الذي درس ثورة الزنج في البصرة، ووصول الثوار إلى مشارف بغداد عاصمة الخلافة العباسية، فضلاً عن جواد علي (1907-1987) الدارس في ألمانيا، والذي ناقش قضية مهمة في الحياة الدينية ألا وهي (المهدي وسفراؤه الأربعة) ويجب أن لا ننسى كتابه المهم (المفصل في تأريخ العرب قبل الإسلام) واقفة عند جهود الباحث الكبير الدكتور صالح أحمد العلي (1918-2003) الذي تولى رئاسة المجمع العلمي العراقي في سبعينات القرن العشرين، الذي درس مدناً إسلامية مثل: بغداد والكوفة والموصل والبصرة في دراسته القيمة (التنظيمات الاجتماعية والاقتصادية في البصرة في القرن الأول الهجري)، وبين يدي بحثه القيم (التدوين وظهور الكتب المصنفة في العهود الإسلامية الأولى) في المجلد الحادي والثلاثين من مجلة المجمع العلمي العراقي الصادر في جمادى الأولى 1400- نيسان1980، غير ناسية جهود الدكتور علي الوردي (1913-1995) في علم الاجتماع، ومشيرة إلى مثابات مهمة في الدرس العلمي العراقي: شاكر مصطفى سليم (1919-1984) مؤسس علم الانثربولوجيا في العراق بدراسته للهور العراقي والجبايش، وعالم الفيزياء والفلك عبد الجبار عبد الله (1911-1969)، والباحث الاقتصادي الضليع الدكتور إبراهيم كبة (1919-2004). وخبير النفط العالمي الدكتور محمد سلمان حسن (1928-1989) والدكتور متي عقراوي (1901-1982) الذي كان له فضل تأسيس جامعة بغداد سنة 1957 ورئاستها، حتى إذا اديل في تموز 1958، ظل وجلاً يترقب خشية تهاوي هذا الصرح العلمي الذي شاده، حتى إذا تولاها عبد الجبار عبد الله ارتاحت نفسه وقرت عيناه، إذ تولاها من يأتمنه عليها.

ما أود الوقوف عنده، متغاضياً عن بعض الهنات البسيطات الهينات، مثل ذكرها نقلاً عن مذكرات صلاح نيازي الموسومة بـ (غصن مطعم في شجرة غريبة) (سيرة ذاتية) إذ يرد إسم كلية التربية بوصفها التي درس فيها صلاح نيازي وصحة الاسم: دار المعلمين العالية ص268، وورود إسم المؤرخ أحمد صالح العلي هكذا على غير الوجه الصحيح .ص270 وصحة الأسم صالح أحمد العلي، وتاريخ نشر كتاب ثورة الزنج لفيصل السامر سنة1945.ص 271، وصحة التأريخ 1954ولعله خطأ طباعي، كما أن الباحثة المحسن تستعمل هذا الاصطلاح الغريب الهجين (بالكاد) ص305 ولا وجود له في لغة العرب وبالإمكان استخدام: يكاد أن، لا يكاد، كاد أن لا، حسب مقتضى حال العبارة.

أقول: ما أردت التعليق عليه والوقوف عنده، قول الباحثة فاطمة المحسن لدى حديثها عن العلامة طه باقر: ((انقطع طه باقر عن الدراسات والبحوث والتعليم في العراق أزيد من عقد ونصف بعد اعتقاله في إنقلاب البعث الأول 1963(…) أصدر كتابه (من تراثنا القديم. ما يسمى في العربية بالدخيل)، (…) حيثُ يرجعْ أصول اللغات السامية إلى العربية (…) ولتعزيز هذه الفكرة يُفْرٍدُ باباً تحت عنوان (اللغات العربية أو ما يسمى باللغات السامية) وفيه يرى ان المستشرق (شولتزر) 1781 هو الذي استخدم تسمية الأقوام السامية (Semites) على الذين هاجروا من الجزيرة العربية باعتبارهم ابناء (سام) بن نوح، كان على خطأ لأن مصدره الأول، التوراة (…) ليس مصدراً تأريخياً، عليه فان فرضية (الأقوام السامية) لا تستند إلى حقيقة تأريخية (…) إن هؤلاء الأقوام وأبرزهم الأكديون والكنعانيون والآموريون والآراميون والعبرانيون والفينقيون الذين هاجروا من الجزيرة العربية بموجات مختلفة إلى أجزاء مختلفة من الوطن العربي، منذ أبعد العصور التأريخية يصح أن نسميهم (الجزيريين) أو (الأقوام العربية القديمة)، (…) الذي يعنينا من موقف باقر، هو التغير الذي حصل في اتجاه بوصلته، فقد كان في كل كتبه السابقة غير معني بهذه الفرضية، أو لم تظهر إشارات لها في مؤلفاته، بل يقول في غير موقع بخلافها(…) هذا التحول يعني الكثير في موقف باحث رصين مثله)) ص300-302.

أقول: حينما يعلو صوت السياسة والأدلجة والرأي الواحد المستند على سلطة مطلقة يخبو صوت العلم ويذوي، فلا يكون أمام الباحث الذي يحترم نفسه وعلمه سوى الصمت والانسحاب إلى الظل، لكن حتى هذا الصمت يفسر في غير صالحه، وتظل الشكوك تحوم حوله، فيقصى ويخصى، ويحولونه إلى سقط متاع، قد يقبل من يحترم نفسه بهذا المآل السكوت والصمت لكن يجب ان لا ننسى أن هناك ضغوطاً تفرض، وكتابات يجبر عليها الباحث، وما خبر عزيز السيد جاسم وشقيقه الدكتور محسن جاسم الموسوي ببعيد عن أذهان الدارسين والقراء الجادين، عند نشر دار الآداب اللبنانية لكتابه (علي بن أبي طالب. سلطة الحق) الذي كانت دائرة الرقابة بوزارة الثقافة والإعلام التي كان عزيز السيد جاسم (1941-25/نيسان1991) قد قدم لها سنة 1987 كتابه، لكن الدائرة، أحالته إلى وزارة الأوقاف، نكاية به، أو تقليلاً من شأن الكتاب وكاتبه، أو خوفاً من الموافقة على نشره، أو تأنيب ضمير من عدم الموافقة حتى إذا نشرته دار الآداب، الذي كان عزيز قد سلّم مخطوطته إلى صاحبها الدكتور سهيل إدريس لدى إحدى زياراته للعراق، ثارت الثائرة عليهما، وأجبرا على تأليف كتاب عن رأس السلطة كنت أراه معروضاً في المكتبات وبحجم ضخم وزينت غلافه صورته باللباس العربي عنوانه (فلان بن فلان. عملاق الرافدين)!

لقد علت المنبرية والهتاف والسياسة على صوت الحقائق والعلم، ترى هل أتاك حديث إلغاء مصطلح الأدب الجاهلي واستبداله بـ (العرب قبل الإسلام)؟ هل غابت عن بالك مفاهيم إعادة كتابة التأريخ، حتى أسماء المدن ما نجت من السياسة، وقبل أشهر قليلة من عام 2003، غير اسم (بلدروز) إلى ما نسيت اسمه!

وكانت الأثفية الثالثة، لا الألفية الثالثةّ محاولة القفز على المصطلح العلمي الشائع (الأقوام السامية، واللغات السامية) الذي ظهر لأول مرة على قلم المستشرق (شلوتزر) سنة1781. ومع أني غير مقتنع بصحة هذه الصيغة والتسمية، لكن قبلناها لعدم وجود ما ندحضها به، أو لعدم توصلنا إلى مصطلح علمي حقيقي بديل، لكن ان نقفز قفزة في الهواء وفي ليلة ظلماء فهذا ليس من العلم في شيء.

حقائق تاريخية

 ولقد وقفت موقف الشاك والمرتاب من هذا المصطلح الذي جاء به طه باقر، فضلاً عن أحمد سوسة، الذي نظر لهذه الأقاويل ، وكان كتابه (العرب واليهود في التأريخ. حقائق تاريخية تظهرها المكتشفات الآثارية)، ميداناً لهذه الآراء. ولقد طبَّل لهذه المصطلحات المطبلون الجوف الذين يحلمون بالغنيمة، وما غابت عن بالنا تلك الندوات التي يدعى لها المؤرخون والباحثون للكتابة في (إعادة كتابة التأريخ).

إن هذه الانعطافة المؤسفة في فكر طه باقر، إنما جاءت نتيجة الخوف ونظرية الأخ الأكبر الذي يحصي الحركات والسكنات، ولتؤكد هذه الانعطافة ضرورة الحرية في الإبداع والابتكار، فالخوف لا ينتج إلا عقماً وإنكساراً ولكنا أكثر غبطة وفرحاً بتوصلاته لو كانت صادرة عن اقتناع وإقناع وسنناقشها وصولاً إلى الحقيقة لو لم تكن مملاة عليه، لذا فأنا أتفق مع قول الباحثة فاطمة المحسن، إذ تقول: ((من بين كل زملائه في الدرس الجامعي، بقي علي الوردي مثقفاً مستقل الرأي تؤرقه حشود العامة وتصرفاتها، وسببت له ثورة الرابع عشر من تموز صدمة عاطفية ونفوراً مضاعفاً من أعمال العنف، حتى انه أمتنع بعدها عن الكتابة لمدة خمس سنوات (…) فهو جريء لا يخاف مجابهة الكثير من القيم الاجتماعية والمسلمات السياسية، (…) علي الوردي أكثر الأكاديميين العراقيين الذين جوبهت مؤلفاتهم بالنقد، وبعض هذا النقد نفى عنه سمة الباحث السوسيولوجي(…) لعل قدرة الوردي على ان يكون مثقفاً نقدياً، تتفوق على جميع قدراته في البحوث النظرية المهمة التي كتب فيها، فمن يجرؤ في يومنا هذا ان يقول: إن ثورة العشرين كانت اقرب إلى هبة اعتادتها العشائر في غزواتها وحروبها المستمرة؟ ومن يجرؤ على ان يقول إن الشعب العراقي في ثورته على البريطانيين، استغل فسحة الحرية التي افتقدها أيام العثمانيين، حين صمت عن فظاظاتهم وظلمهم)) ص305- ص313 .

اجواء الحرية

أقول: لقد كتب الوردي مستفيداً من أجواء الحرية في الكتابة والبحث، قال الذي قاله في سنوات العقد الخمسيني، مستفيداً من أجواء الحرية والحياة النيابية الحرة إلى حد بسيط، وحرية التظاهر والقول قبل ان تؤمم الصحافة وتكمم الأفواه، ومع تصاعد موجات الأدلجة، انسحب الرجل رويداً رويداً من الحياة الثقافية، وظل من حظار المجالس الثقافية.

لقد صمت الرجل بعد أن اصدر كتابه الثري (لمحات اجتماعية من تأريخ العراق الحديث)، وأكتملت أجزاؤه سنة 1975، وهو أول كتاب يطبع بعشرة آلالف نسخة، فالكتاب العراقي لم يتجاوز الألف نسخة إلا لماماً لقد خسرنا الوردي إذ صمت، عدا حديث في هذه الجريدة أو تلك، كما صمت آخرون، وكانت الخسارة أفدح وأدهى وأمر، إذ نكَّس طه باقر للعاصفة المؤدلجة رأسه الشامخ الزاخر بالعلم والدرس، فكتب ما كتب، مما هو غير مقتنع به حقاً، أو لعله كان مقتنعاً به . ما أدرانا فلقد ذهب، ومعه ذهب سره؟!