الجيش العراقي والبناء الوطني – حسين علي الحمداني

hussain-al-hamdany-160x160

الجيش العراقي والبناء الوطني – حسين علي الحمداني

قبل أن تتأسس الدولة العراقي في 23 آب عام 1921 تأسس الجيش العراقي في السادس من كانون الثاني من نفس العام، وهذا ما يجعلنا نقول بأن الجيش العراقي آنذاك كان نواة بناء الدولة العراقية الحديثة وعاملاً مساعداً من عوامل وجودها بعد حقبة الاستعمارين العثماني والبريطاني .

ومثل الفوج الأول للجيش العراقي الذي سمي بفوج موسى الكاظم النواة الحقيقية للجيش العراقي وأنخرط فيه الكثير من الضباط العراقيين من العرب والأكراد والتركمان من الذين تخرجوا في الكليات الحربية التركية وكانوا ضمن الجيش العثماني الذي شارك في الحرب العالمية الأولى وخسرها.

وبما إن العراق وعبر الكثير من الانتفاضات والثورات آخرها ثورة العشرين المجيدة كان يتجه للاستقلال التام عن التاج البريطاني،فإن هنالك رغبة قوية بأن يمتلك العراق جيشاً ولعل هذا هو السر في تكوين الجيش بوقت مبكر من عمر الدولة العراقية،ساعدها في ذلك الخبرات المتراكمة لعدد كبير جدا من ضباط وقادة الجيش العراقي الذين خدموا في الجيش العثماني من جهة،ومن جهة ثانية اختلاطهم واكتسابهم خبرات مضافة عبر التعامل المباشر مع الضباط الانكليز الذين كانوا في بداية الأمر يشرفون على تجهيز وتدريب الجيش العراقي. وربما كان دافع بريطانيا آنذاك هو أن يكون هذا الجيش محورا مهما في التحالفات الإقليمية التي كانت تصاغ مشاريعها في أروقة وزارات خارجية الدول الاستعمارية آنذاك.

تجهيز متكامل

لهذا سعت بريطانيا والحكومة العراقية لتجهيز الجيش العراقي بشكل متكامل بغية أن يكون العراق دولة محورية ذات شأن كبير في تصارع الدول الكبرى وتنافسها مستقبلاً.

و الجيش العراقي ادى دوراً مهماً في حركة التاريخ في بلدنا عبر دخول قادته ميدان السياسة عبر بوابة الانقلابات العسكرية التي ابتدأت منذ عام 1936 ولم تنته سوى في تموز 1968 وتركت آثارا واضحة على المشهد السياسي في العراق الذي لم يستقر منذ ذلك الحين.

ونحن هنا لا نوجه اللوم للجيش كمؤسسة بقدر ما نريد أن نقول بأن الكثير من قادة الجيش العراقي آنذاك كانت تتولد في دواخلهم رغبات السيطرة على الحكم عبر استخدامهم للجيش وقوته في فرض نفوذهم وهذا ما تجلى بوضوح في الكثير من الانقلابات التي كانت بعضها دموية بدرجة عالية جدا لدرجة غاب شكل الدولة المدنية بفعل الانقلابات المتكررة .

ولا يخفى على أحد بأن الجيش العراقي ضم عددا من القادة المحترفين والمتسلقين لسلم القيادة العسكرية بطريقة مهنية ويعرفون جيدا كيفية استخدام الجيش في الزمان والمكان وتوظيف طاقات منتسبيه. وهذا ما تجلى في أكثر من مواجهة خاضها الجيش العراقي. أولها كان في حرب عام 1948 ودوره المعروف في الحرب العربية الأولى ضد الصهاينة في فلسطين، وتكرر ذلك ثانية في حرب أكتوبر عام 1973 ودوره الذي أشاد به الجميع.

تلك الإنجازات تحققت من خلال عامل مهم جدا يتمثل بمهنية قادة الجيش واحترافيتهم وحسن إدارتهم لوحداتهم العسكرية.

وقد تنبه الطاغية صدام لهذا جيدا، وتنبه لسمعة الجيش العراقي في العالمين العربي والدولي لذا زج به في حرب ضروس لثماني سنوات ضد إيران بغية إبعاد الجيش عن أخذ دوره الحقيقي والمرجو منه ضمن واجباته الوطنية،ثم تلى ذلك جر الجيش العراقي لمحرقة حقيقية عبر غزو الكويت،هذا الغزو الذي قامت به قوات الحرس الجمهوري الخاص بالطاغية التي نهبت وسلبت ونفذت أوامر طاغيتها لكن الذي دفع الثمن في عاصفة الصحراء الجيش العراقي الذي وجد نفسه دون غطاء جوي ولا حماية.

تحجيم دور

وبالتأكيد فإنه وما بعد عام 1991 وجد النظام إن باستطاعته تحجيم دور الجيش العراقي إلى أدنى درجة بحيث بات لا يقوى حتى على إطعام نفسه، مما جعل الدكتاتور يعزز من قواته الخاصة التي تعددت تسمياتها وألوان ملابسها لكنها تتشابه جميعا في المهمات المناطة بها إلا وهي قمع الشعب وردع كل من تسول له نفسه المساس بالسلطة والحُكم مهما كان فارتكبت جملة من الجرائم بحق شعبنا في شمال الوطن وجنوبه.

لهذا فإن العراق وبعد تحريره من حكم الطاغية في التاسع من نيسان 2003 سعى جاهدا لبناء قوات مسلحة قائمة على مبادئ مهنية حقيقية يكون ولائها الأول والأخير للوطن والشعب، ولا يمكن أن تكون طرفا في نزاعات سياسية أو يحاول البعض تسييس ولائها أو جرها للتخندق بعيدا عن مهمتها الحقيقية وهي صيانة مكاسب الشعب وردع القوى الإرهابية التي تلقت دروسا قوية من قواتنا المسلحة.

وفي عامنا هذا نجد قواتنا المسلحة تحظى بتأييد شعبي لم تحظى به من قبل خاصة وإن دورها الآن في ظل مايدور من معارك تحرير المدن العراقية من براثن داعش الإرهابية ، هذه المعرك عكست بصورة كبيرة جدا رغبة الشعب العراقي في دعم جيشه الوطني خاصة وإن الجيش العراقي هو القاسم المشترك الأكبر الذي يوحد الشعب العراقي بكل أطيافه .