تهجدات عبد المنعم حمندي

تهجدات عبد المنعم حمندي

لزوم ما لا يلزم ورائحة إختزال الخوف والقلق

هشام عبد الكريم

بعد إصداره لمجاميعه الشعرية السبع ، يطل علينا الشاعر العراقي عبد المنعم حمندي بمجموعته الشعرية الثامنة ( تهجدات ) واذا ما أخذنا بالحسبان أن عنوان النص هو العتبة الاولى لقراءة هذه المجموعة فسنتناول أولا ماالذي تعنيه هذه المفردة التي اختارها الشاعر عنوانا لمجموعته  .

 ان التهجد في قواميس اللغة هو الصلاة في منتصف الليل او الدعاء والناس نيام ، ويبدو لي ان تهجد الشاعر هنا كان تأمليا ازاء ما جرى ويجري لهذا العالم ولاسيما لوطننا العربي وعراقنا الحبيب .

  حسنا ما فعله الشاعر من خلال تقسيمه لهذه المجموعة الى ثلاثة أودية ( وادي الاسى –  وادي عشتار –  وادي الشآم ) .

  في وادي أساه يطالعنا الشاعرعبد المنعم حمندي بقصائد تفصح عن معاناة يعيشها وهو يرى الى تصدع أيامه من خلال عتمة حاضر لا مناص منها بحيث يتحول الماضي الى حلم أما المستقبل فهو صورة قاتمة هي الأخرى :

( أين أمضي ؟ / والشجا / في الرحم ينمو في الجنين / أين أمضي ؟ / وخطاي ، / هربت مني خطاي / وأنا ظل سواي )

  هذه القصيدة المعنونة ( لزوم مالا يلزم ) ترسم خلاصة لأسى الشاعر وانكساره من خلال مقارنة رؤاه لأشياء كانت تشكل مرتسما لحلمه :

( سطع النجم ، وليلي معتم / وحلمت ، ليت كنت أحلم )

  وفي قصيدة ( الرمل ورائحة الخوف ) يقدم لنا نصا يختزل معاني الخوف والقلق والترقب والهجرة والشعور باللاجدوى ، غير أنه ـ وعلى الرغم من هذا الفزع كله ـ يعود ليخاطب الشمس التي لابد من بزوغها متحدية ذئاب الخوف عبر تساؤل مشروع يوجهه الشاعر :

( إلى متى تبقى ذئاب الخوف / تنهش ثم تضوي في قنوت ؟ / من أي فجر تولد الشمس ؟ / الربيع الطلق يفتح للحياة شراعه / خذني اليك وعد إلي الشمس / إن الشمس ترفض أن تموت)

هكذا هو إصرار الشاعر العنقاء يتجسد من خلال قوله :

( إن الشمس ترفض أن تموت )

وفي هذا إعلان عن التمسك بالحياة من أجل عودتها من جديد ، وهي نبوءة تشي بأن الأشياء لا بد لها وأن تعود إلى سابق عهدها.

  إستوقفتني قصيدة ( طائر ) لما تحملها من دلالات وتحولات ، لم يعرف الشاعر طائره بأل التعريف بل تركه طائرا مجهولا ، غير أنه ليس كباقي الطيور ، إنه طائر ( سوبر طائر ) إن صحت التسمية ذلك لأنه :

( تحدى الرياح .. وقد أفزع النجم والطيران / يغير ويغزو النسور / ووكر الصقور / وفي الليل يطوي بجنحيه عرض المكان / ….. وطول الزمان / أقام بكل فضاء له مسكنا من شذى الزعفران / وشق له أنهرا من رياض الجنان / وأمسى بكل سماء له صولجان ) .

  غير أن هذا الطائر ـ وعلى الرغم من سوبر مانيته كلها ـ قد تعرض الى خيبة أمل كبيرة بعد ارتحاله إلى كوكب قاحل فيه الصقور وانقلاب المعاييرالأمر الذي يدعـــــوه للرحيل إلى كوكب آخر مجدب بعيد عن هذه التقلبات التي تعتصر قلبه الذي بقي بين الحياة والموت  :

( قد يرى منفذا للسماء / يضيء الجسد / وآخرفي القلب يدخل فيه / ليتركه دون أجوبة للأبد )

  في قصيدة ( هرج ودخان ) تعلو وتيرة التوجس واليأس إلى أقصى مدياتها  بعد أن رأى الشاعر نفسه في فضاء اللا فضاء إن صح التعبير أما المستقبل ، فهو الآخر لا يقل سوءا عن الماضي  المؤلم : ( وغدي أسوأ من أمسي ) ، لكن هل هذا الوجع يدفع الشاعر الى القنوط أو إلى الاستسلام ؟ ، الجواب نجده من خلال القصيدة نفسها حيث يحاول الشاعر أن يضع اشتراطات لإمكانية عودة الحياة إلى سابق عهدها من خلال إعادة الإنسان إلى هويته الحقيقية  : ( لا منجى إلا أن نزرع / في الانسان الإنسان ) .

هرج ودخان

  وما ينسحب على قصيدة ( هرج ودخان ) يمكن أن ينسحب على قصيدة ( العمى واليباب ) التي يقول الشاعر في مستهلها موجزا ما يعيشه وما يعاني منه : ( غابة تتشابك أشجارها بأفاعي بشر ) ، لكن هل ثمة أمل للخروج من هذا الإشتباك ؟ هنا يعود الشاعر ملمحا : ( ولولا سنابك خيل المطر / وهبوب العواصف في المشتجر / وخيط من الفجر يدنو ) . إذا ما زال هناك أمل في تحقيق حلم الشاعر على الرغم من من ضعف هذا الأمل إلا أنه يشكل علامة لنهارات قادمة .

  وعلى العموم ، تشكل الخيبة والحزن والحيرة والخراب الذي يحصل بشكل منظم أو غير منظم هواجس ألم واعتمال لدى الشاعر وتكاد هذه العناصر تشكل الملامح العامة لهذه المجموعة الشعرية التي تتحول قصائدها أحيانا إلى صرخات احتجاج .

  وفي قصيدة ( مرثية نهر ) ، التي أجدها مرثية وطن ، يفصح الشاعر عن أوجاعه بشكل مباشر وهو يردد في أكثر من مقطع للتأكيد على هذا الخراب : ( الله يا وطني .. / نشر الهلاك شباكه / في كل زاوية يدور / والنهر يصعد عائدا / يخفي بسرته النذور ) .

  ويعود ليؤكد ثانية : ( الله يا وطني / نشر الهلاك شباكه / كا الدود ينخر في البلاد … ) .

  إن تصدعات الوطن ، بقيت تلاحق الشاعر أينما حل ليجد موته في الأرجاء كلها . ( ما بين فوضى الموت في الأرجاء موتي ) ويضيف ( لكأن فجرك يا بلادي / كان أعمى في بلادي / الذئب أمسى حارسا والحلم شاة ) .

  وفي قصيدته ( اللوحة في المرآة ) يستعير الشاعر اللونين ( الأسود والأبيض ) ليعبر من خلالهما عن تضادات متنوعة في الحياة .. هذه الحياة التي مازالت تجمع المتناقضات المختلفة

( للوحة نص من شفرات / وغيوم سارحة في حقل نجوم / ونوافذ عشاق وفضاءات ).

  إن هذه القصيدة تختلف عن القصائد الأخرى إذ فيها نرى الشاعر ينحو منحى تأمليا حتى من خلال تنويعه للمشاهد .

  وفي ( وادي عشتار ) يطل علينا الشاعر بقصائد هي أقرب ماتكون الى القصائد الوجدانية ذات المنحى التأملي إزاء المرأة وبالتحديد المرأة العراقية التي عانت ماعانت في ظروف الحصار البغيض فضلا عن عذابات حروب لا تنتهي .

   إن قصيدة ( العراقية ) بلغتها الهادئة وأسلوبها القريب من الشعر السيري ، تضعنا أمام نص يختزل تأريخا من الوجع المر الذي عانته المرأة جنبا الى جنب مع الرجل العراقي :

( هل أنسى كيف توزع بسمتها / يوم تنامى الجوع على الأفواه ؟ / وكيف انتشر الحزن على الطرقات؟)

   تكاد تكون قصيدة ( تغاريد ) القصيدة الوحيدة التي تصور الحب عالما مبهجا ، عالم تصوف في الحبيبة يعيشه الشاعرفي محراب حبيبته ، فيروح مصورا لحظات اللقاء بطريقة أخاذة رائعة : ( كلما غرد البلبل / خافقي يزجل / كلما تعبرين الطريق الي ّ /  أرى غيمة تهطل ) ، في هذه القصيدة تتحول الحبيبة الى مخلص ينأى من خلاله الشاعرعن عذابات أيامه السالفة : ( حبك نسمة / تشتشف الفؤاد / وضوء نحيل لروحي / يزيل السواد ) .

  وفي ( وادي الشآم ) يقف الشاعر متأملا بروح حزينة ما جرى لهذه المدينة وما مسها من خراب فمن خلال قصيدته ( لغرة قاسيون ــ الرؤيا واليقين ) يقول الشاعر عبد المنعم حمندي : ( أرنو إلى ليل عبوس / قد رمى حجرا لغرة قاسيون / ماذا تخبيء يا ظلام ؟ ) من خلال هذه الجملة الاستفهامية يضعنا الشاعر في خضم الأحداث التي تتعرض لها الشام ، فجرحها هو جرح العراق نفسه والشاعر عندما يخاطب الشام بروح مجروحة ذلك لأنه يحمل في أعماقه هما قوميا أصيلا لا يفرق بين هذين البلدين وشعبيهما الشقيقين :

( ناديت باسمك يادمشق / وانت أدرى باغتيال الحلم / في بغداد .. / في الفجر المخضب بالغـــضب) .

  لكن هل وقف الشاعر محبطا يبكي على طلل ؟ أم أنه حاول البحث عن نافذة لاستنهاض الهمم كي تعود هاتان المدينتان ( دمشق وبغداد ) إلى سالف مجديهما .

  إن الشاعر ــ وعلى الرغم من قسوة الجراح ــ يحدثنا على لسان دمشق أن هذه المدينة العريقة مازالت ملتصقة بعروبتها وأمتها ومتمسكة بتلابيت صحوتها ونهوضها من جديد :     ( برغم آلاف الجراح / تصيح أمتنا العرب).

في وادي الشآم نجد الشاعر أحيانا يتغزل بدمشق ( الحبيبة ـ المجد ـ التاريخ ـ العروبة ـ الحب)

وهو بذلك يفصح عن محبته لهذه المدينة وهيامه بحبها .. كيف لا ؟ وهي دمشق التاريخ والعروبة والحضارة .

عالم الخسارات

  في قصيدته ( عزف على الجرح ) يطوف بنا الشاعر في عالم الخسارات العربية الذي شكلت القضية الفلسطينية بداياته ، فمن خلال رؤيته لما جرى لفلسطين الحبيبة من ويلات لم يركن الشاعر الى حالة من اليأس على الرغم من هول المصاب ، بل حمل في طيات خطابه الشعري بشائر التغيير بعد كل ذلك الصبر :

( سيأتي زمان جديد ويأتي غمام / ليزيح الحصى والحجر / شموس غرر / ويولد جيل القدر )

 وأخيرا اختتم الشاعر مجموعته بقصيدة ( الشآم قلبي ) وهي لا تقل عن سابقاتها حزنا وتوجعا على الشام التي طوقتها حراب الغدرففي هذه القصيدة نرى حيرة الشاعر تكبر لأن متاهة الشام ومتاهة حلب كبيرتان فيختتم القصيدة بقوله : ( قل لي إلى أين اتجاه الياسمين ؟ ) .

  ماذا بقي لنا أن نقول بعد هذا الطواف ؟ إلا أن نربت على أكتاف هذه المجموعة الشعرية التي لم تأت من فراغ بل ولدت من تهجدات تصور لناهم أمة شاء لها الأعداء أن تتحمل أوزار عذابات لا تحصى وما خطاب الشاعر الصديق عبد المنعم حمندي إلا تجسيد لتلك العذابات .