من حافة التاريخ.. حياة أمير اللواء الركن المتقاعد طاهر الزبيدي – 40

من حافة التاريخ.. حياة أمير اللواء الركن المتقاعد طاهر الزبيدي – 40

ستة معامل تتبع سجن بغداد المركزي وعملنا على معالجة الروماتيزم بين النزلاء

طارق النجار

بغداد

ثانياً: سجن بغداد المركزي

كانت قاعات ومضاجع المساجين منخفضة، تتسرب إلى داخلها مياه الأمطار كلما هطلت، وكانت ساحات القلاع ممتلئة بالحفر، وكانت القلاع محرومة من الحمامات، وان في كل قلعة كانت توجد حنفية ماء واحدة فقط.. فسوّينا أرضية غرف منام المساجين، بحيث ارتفعت عن مستوى ساحاتها بستّ عقد بعد أن أرصفت الساحات وتساوت وزالت منها الحفر.

ثم أنشأنا (12) اثنتي عشرة مغسلة تقابلها (12) أثنتا عشرة مغسلة أخرى فصار لدينا (24) مغسلة تعلوها (24) حنفية ماء لغسل وجوه المساجين، يضاف إلى ذلك ست حنفيات ماء تأسست في كل قلعة لفائدة المساجين، ثم رممنا محلات التواليت، ووضعت في كل تواليت حنفية ماء واحدة.. وبعد هذا أنشأنا حمامات لكل قلعة.

التثقيف: كان الكثير من المساجين (أميّين) لا يحسنون القراءة والكتابة، وكان من بينهم من درس الدراسة الابتدائية وبعضهم من أكمل الدراسة الإعدادية، والقسم القليل ممن أكمل الدراسة في الجامعات. وبغية بث الثقافة (على قدر المستطاع) راجعت وزارة المعارف ورجوتها بأن تزودنا ب(12) معلماً لكل قلعة من القلاع الثلاث، أربعة معلمين يقومون بتدريس الأميّين أولاً وتدريس من يحتاج إلى ثقافة أكثر ثانياً.. فأحضرنا السبورات والمواد الأخرى لهذا الغرض، ثم استخدمنا من المساجين أنفسهم من كانوا يتحلون بدراسة حسنة كمعلمين مثقفين للمساجين.

وهكذا كنت تشاهد عزيزي القارئ منظر مفرحاً خلاباً في ساحات القلاع، حيث المساجين قد انتشروا في تلك الساحات وأمام السبورات يصغون إلى شرح معلميهم ولزيادة تثقيفهم أسست لهم مكتبة تحتوي على ما لا يقل عن ثلاثة آلاف كتاب (علمي n أدبي n شعري n تأريخي) ووضعنا الأرائك المريحة في غرفة المكتبة المستطيلة مع من ضدها.

الرياضة والألعاب

لقد بثثت روح الرياضة والألعاب بين المساجين ودربنا فرقاً منهم تدريباً كاملاً هيأناها للمسابقات مع فرق ألعاب الثانويات والكليات فتكونت لدينا الفرق الرياضية الآتية:

أ- فرقة ألعاب كرة القدم، وعدد الفرق/ 2.

ب- فرقة ألعاب كرة الطائرة، وعددها/ 2.

ج- فرقة ألعاب كرة السلة، وعددها/ 2.

د- فرقة ألعاب كرة المنضدة، وعددها/ 4.

وفعلاً تم لنا ما توخيناه، وأكملت هذه الفرق تمارينها وتدريبها وتهيأت لخوض السباقات.. وقد اكسيناهم ملابس الألعاب التي يرتديها طلاب المدارس، وبعد أن تم تدريب الفرق صرنا ندعو فرق المدارس وتخوض معها فرقنا السباقات على اختلاف أنواعها. وتوزع الكؤوس والهدايا على الفائزين سواءاً أكان ذلك السباق مع الفرق الخارجية أو فرق المساجين مع بعضهم. وكان يحضر المدعوون لمشاهدة السباقات.

الدين

بعد أن انتهيت من تحقيق ما ذكرته آنفاً اختمرت عندي فكرة الاتجاه نحو تنبيت ركائز الدين الحنيف، ففكرت أولاً في تهيئة مسجد (جامع) لإقامة الصلوات الخمس فيه كان يوجد جداران قائمان متقابلان بدون سقف بمحاذاة مكتبة السجن التي سبق أن أسسناها فراجعت وزارة الداخلية التي انتقل ارتباط مديرية السجون العامة من وزارة الشؤون الاجتماعية إليها.

بناء جامع في السجن

رجوت الوزارة المذكورة أن تأمر تسقيف ذلك المحل فلم توافق، فاضطررت أن أراجع (المرحوم) نوري فتاح شخصياً، وأن أرجوه للقيام بهذا العمل الديني والخيري، فما كان من (المرحوم) إلا أن أمر مهندسه ليصطحب معه رئيس عمال البناء (الأسطة) في اليوم الثاني من مراجعتي له لينفذ ما طلبت.. وفي صباح اليوم الثاني، وفي الساعة الثامنة صباحاً زارني المهندس الموصا إليه وبصحبته (الأسطة) طالباً مني أن أطلعه على المحل الذي يراد تسقيفه.

ذهبت أنا والمهندس والأسطة إلى المحل المقصود، وبعد الكشف وتسجيل ما يحتاجه التسقيف وعمل المنبر انصرف. وفي صباح اليوم الثالث من مجيئه تكدست المواد بأجمعها في ساحة السجن، وجيء بالعمال وباشروا بالعمل فوراً وأنجز المشروع (التسقيف، المنبر)، خلال خمسة عشر يوماً، ثم أمر السيد نوري فتاح بتزويد الجامع بالحصران، والبسط، فذهبت إليه وشكرته على ما قام به من مساعدات دينية جمة، انتهت بأن أصبح الجامع حقيقة لا سائبة فيها، إلا طيب الله ثراك يا نوري فتاح، وقد وجدت من بين المساجين أحد المتدينين، فاتخذت منه إماماً للمصلين الذين كانوا يؤدون فريضة صلاتهم في أوقاتها الخمس.. ثم ذهبت إلى مديرية الأوقاف العامة، ورجوتها بأن تزود الجامع بـ(100) مئة نسخة من القرآن، فزودتنا بها مشكورة، فوضعتها في مكتبة السجن إلا عشرة منها عملت لها رفاً إلى جانب المنبر، ووضعت هذه القرائين العشرة عليه لتكون دائماً تحت متناول يد القراء.. وهكذا أمنا وبتوفيق من الله الجامع للمصلين، والقرائين للقراء، فتم لنا خدمة الدين الحنيف.

المعامل

لقد تم لنا إكمال نواقص المعامل الآتية من الناحيتين:

أ- العمال.

ب- المكائن.

إصلاح معامل السجن المركزي

فأصبحت والحالة هذه على استعداد تام لتزويد المواطنين بما يحتاجونه لدورهم، والدوائر الحكومية لدوائرهم من أثاث مقابل ثمن رخيص وبمواد أمتن وأجود.

1- معمل السجاد.

2- معمل الحدادين.

3- معمل النجارين.

4- معمل الأحذية.

5- معمل السمكرين.

6- معمل الصباغين.

لم يكن هذا الإصلاح مقتصراً على سجن بغداد المركزي بمفرده بل شمل جميع السجون العراقية التي سبق ذكر أسمائها.

إنشاء ثلاثة سجون

وكان من جملة مقترحاتي وللتخلص من السجون البالية القديمة (غير صحية) إنشاء ثلاثة سجون فقط:

1- للمنطقة الوسطى وينشأ في بغداد (أبو غريب) ويأوي (4000) أربعة آلاف سجين.

2- للمنطقة الشمالية، وينشأ في الموصل ويأوي (2000) ألفي سجين.

3- للمنطقة الجنوبية وينشأ في البصرة ويأوي (2000) ألفي سجين.

على أن تتوفر في هذه السجون الحديثة جميع أسباب الراحة والصحة للمساجين. على أن يكون بناء كل سجن من هذه السجون الثلاثة، على شكل مثمن ويحتوي على:

أ- جامع

ب- سينما

ج- مكتبة

د- حدائق ومتنزهات.

ه- دور لموظفي السجون والسجانين.

و- إدارة طبابة.

ز- مستشفى وصيدلية.

ح- محلات زراعة، لتدريب الفلاحين من السجناء على الزراعة الحديثة.

ط- محلات أخرى لتربية الأبقار والدواجن وعمل الألبان على الطريقة الحديثة.

بناية سجن بغداد المركزي

ولقد تم تنظيم الخرائط، وحصلت الموافقة على البدء بإنشاء سجن بغداد المركزي في محله المقرر (أبو غريب) وصرف ما يحتاجه هذا المشروع من مبالغ.

ولقد بوشر بالعمل أخيراً، وأنجز الشيء اليسير مما كنت قد اقترحته أعلاه، وتم تسليم بنايات سجن بغداد المركزي ومستشفاه، وسجن النساء ومقر مديرية السجون العامة إلى وزارة الصحة، لتضاف على أبنية مدينة (الطب) المجاورة لها، بعد هدم أبنيتها وبعد أن انتقل السجن بجميع فروعه إلى محله الجديد في (أبو غريب) وكذلك قد انتقلت مديرية السجون العامة بجميع دوائرها إلى البناء الذي تم إعداده لها.

الإصابة بمرض الروماتيزم

وفي شهر آذار 1955، أصبت بمرض الروماتيزم الشديد فاضطرني هذا المرض الخبيث أن ألازم الفراش لمدة (43) ثلاثة وأربعون يوماً، عادني فيها (12) أثنا عشر طبيباً حتى منّ الله تعالى جلت قدرته عليّ بالتماثل إلى الشفاء.. بعد هذا تشكلت لجنة طبية مختلطة ففحصتني وقررت إيفادي إلى (فينا) عاصمة حكومة النمسا للاستشفاء ولمدة ثلاثة أشهر.. وبعد أن تمت موافقة الوزارتين الداخلية والصحة وافقت وزارة المالية، وخصصت المبالغ اللازمة للسفر ذهاباً وإياباً وللاستشفاء.

وبعد الانتهاء من هذه الروتينيات، تم لنا السفر إلى فينا وفي اليوم الثاني من وصولي إليها، راجعت كبير أطباء مستشفى (فينا) الدكتور -فلنكَر- في محل عيادته في المدينة، فطلب مني أن أحضر إلى مستشفاه الكبير في صباح اليوم الثاني.. فحضرت المستشفى المذكور في الساعة التاسعة من صباح ذلك اليوم وواجهت الدكتور (فلنكَر)، فقال لي: إن الغرفة رقم (3) في الدرجة الأولى، قد خصصت لمنامك، وان الطبيبة ذات الاختصاص بانتظارك الآن في الغرفة المذكورة، فما عليك الآن إلا الذهاب إلى غرفتك وملاقاة طبيبتك.

مقابلة الطبيبة

فذهبت إلى الغرفة المارة الذكر، فوجدت الطبيبة جالسة وراء منضدة صغيرة، فلما شاهدتني أوعزت لي بأن أخلع ملابسي وأضعها في الدولاب (الكانتور) الذي أشارت إليه، وان ألبس بجامتي وأجلس أمامها على كرسي آخر فنفذت ذلك كله، وبعدما جلست أمامها صارت تسألني عن كل الأمراض التي أصابتني في حياتي، منذ الولادة حتى ذلك التاريخ، وأنا أسرد لها جواباً لأسئلتها ثم سألتني عن طرق التداوي والاستشفاء؟ فذكرت لها ذلك تفصيلاً.

وبعد أن انتهينا من أسئلتها وأجوبتي أخذت دماً من أصابع يدي العشرة، ثم أخذت دماً من وريدي لتحليله من الناحيتين (السكر، التخثر- الكولسترول) وبعد ذلك انصرفت، وبدأت الفحوصات، والتحاليل، والأشعة تجري يومياً ولمدة (12) أثنى عشر يوماً، قدمت خلالها النتائج إلى الدكتور (فلنكَر) وفي اليوم الثالث عشر من مكوثي في المستشفى زارني الدكتور (فلنكَر) وبعد أن جلس واستراح قليلاً قال: وهو يخاطبني، إنك جئتنا على أساس أنت مصاب بمرض الروماتيزم، ولكن أن جميع الفحوصات والتحاليل والأشعة التي أجريت لك لم تثبت وجود هذا المرض فيك، إلا أنك جلبت معك تقارير أطبائكم في العراق، وهم يؤيدون وجود هذا المرض فيك، وأرسلوك إلى هنا بقرار من قبل لجنة طبية تؤكد وجود هذا المرض فيك، وحيث أن أطباءكم لهم قابلياتهم العلمية الطبية، فلا يمكن أن نطعن بعلمهم.

اجتماع الأطباء

وعليه عملنا اجتماعاً لستة أطباء من ذوي القابليات العالية في الطب وتداولنا الأمر واتفقنا أنه يوجد فيك مرض الروماتيزم الشديد، وان مضروب هذا المرض معشش في في لوزتيك، ومن هناك ينفث سمومه إلى الفقرة الثالثة من العمود الفقري، ومن هذه الفقرة توزع هذه السموم على المفاصل، (أين ما وجدت) في جسمك، وتحدث لك الآلام التي طرحتك الفراش لمدة (43) ثلاثة وأربعون يوماً. والآن إن شئت التخلص من هذا المرض وآلامه فما عليك إلا الموافقة على إجراء عملية قلع اللوزتين وبها تهدم العش ونقضي على المضروب؟ فوافقت فوراً. وفي صباح اليوم الثاني زراني الدكتور – فلنكَر- وهوي يقول: لقد خصصت لإجراء العملية لك (البروفسور شلاندر) وهو الأستاذ في طب (الحنجرة) إلا انه كان كبير السن، ثم أردف قائلاً: أنه سيجري لك العملية بعد غد الأثنين وفي الساعة 9 (التاسعة صباحاً).

إجراء العملية

فأجيرت عملية اقتلاع اللوزتين، وفي أثنائها ونظراً لارتجاف يده عند بتره اللوزة اليسرى بتر الشريان أو جرحه فنزف مني الدم الكثير، وفي حالتي هذه ذهبت إلى غرفتي في الطابق الثالث مستفيداً من المصعد الكهربائي.

خطأ في العملية

وبعد أن اضطجعت في سريري استمر النزف فامتلأت معدتي وطفح إلى خارج الفم، فعندما شاهدني الطبيب الذي أرسلت في طلبه لنجدتي، عاد وأتى بناقلة وأربعة مضمدين حملوني فوراً إلى غرفة العمليات الجراحية ووضعوني على منضدة التشريح وجاءني الطبيب الجراح وبدأ يخيطّ الشريان وبدون بنج أو تخدير. ولما طلبت من الطبيب إعطائي بنجاً أجابني إن حالتي خطرة وان الوقت لا يساعد لإعطائي البنج، وعليّ أن أتحمل الأذى مهما كلفني الأمر.. وهكذا انتهى الطبيب من عمله، ومرت الخطورة، والموت المحقق بسلام، بفضل الله وكرمه وعنايته إلا أن النزف استمر قليلاً قليلاً حتى انقطع نهائياً بعد سبعة أيام من العملية.. وفي اليوم الخامس من العملية جاءتني رئيسة الممرضات وقالت: إن الدكتور لن يزورك اليوم لأن اليوم عيد ميلاده.

هدية بمناسبة عيد الميلاد

فأرسلت حالاً وفوراً شخصاً إلى السوق واشترى لي باقة ورد وشريطاً أخضر وبطاقة عيد ميلاد، ثم أخرجت من صندوقي علبة كبيرة مذهبة ذات (100) سيكَارة وعلبة تمر محشو بجوز، فرزمت كل ذلك، ووضعت فوقها بطاقة عيد الميلاد، وبطاقتي الشخصية التي هنأته بها بعيد ميلاده، ثم طلبت حضور رئيسة الممرضات وسلمتها كل ذلك، ورجوتها أن توصله إلى الدكتور (فلنكَر) وتعرض عليه اعتذاري لعدم تمكني من تقديم هدية تليق به بأكثر من هديتي البسيطة هذه.

وفي صباح اليوم الثاني، زارني الدكتور فلنكَر فشكرني كثيراً على هديتي فكررت له اعتذاري، لأنني مريض وأرقد في مستشفاه فأجابني: أنكم أنتم العرب هذه أخلاقكم؟ .. فقلت له: هل شعرت بشيء يخالف الأمور الحسنة؟ ..

فأجاب: بالعكس، إننا قطعنا لك شرياناً، كان بعد دقائق سيقضي على حياتك، لو لم تنتبه أنت وتطلب طبيباً لإنقاذ حياتك. وأنت المصاب وبحالتك المرضية هذه وان نزف دمك لم يجف بعد، تذكرني في عيد ميلادي وتقدم لي هدية فاخرة لن أنساها أبداً، أبداً،.. فكررت عليه أنها هدية بسيطة وبسيطة جداً، ورجوت منه المعذرة، فرد عليّ قائلاً: أنها أحسن وأثمن وخير هدية، قدمت لي بمناسبة عيد ميلادي، فأكرر شكري لك وهكذا خرج. وبعد أن قضيت مدة أربعين يوماً في المستشفى وبعد أن التأمت جروح لوزتي، خرجت من المستشفى على أن أراجع في الأسبوع مرتين واعتبرت هذه المدة (فترة نقاهة).

زيارة وزير العدل النمساوي

وفي هذه المدة راجعت وزير العدل النمساوي فرجوته بأن يسمح لي بزيارة السجون في منطقة (فينا) بعد أن عرضت عليه هويتي شارحاً له أنني مدير السجون العام في العراق، وأنني أرغب بزيارتي هذه إجراء بعض الإصلاحات في السجون العراقية على ضوء ما يمكن اقتباسه من أمور، لابد من تطبيقها في سجوننا. فوافق حالاً، وعيّن معاونه ليكون برفقتي في زيارتي للسجون المذكورة، وان يعمل منهجاً خاصاً لتلكم الزيارات.. والآن لابد لي من أن أشرح للقارئ الكريم درجات السجون النمساوية:

1- سجن الأحداث.

2- سجن المحكومين لحد الثلاث سنوات.

3- سجن المحكومين لمدة سبع سنوات.

4- سجن الكبير الذي يسجن فيه المحكوم عليه بالسجن المؤبد/ (30 سنة)، والمحكوم عليهم بالإعدام.

فبدأنا بزيارة السجون وفق المنهج الذي أعدّه معاون وزير العدل النمساوي، وقبل أن أبدأ بوصف هذه السجون أرى من الضروري بيان أسباب مراجعتي وزير العدل دون سواه.