تساؤلات في ساق البامبو

تساؤلات في ساق البامبو

إستيعاب سردي لأدق التفاصيل

يوسف عبود جويعد

الحيرة شحنت ذهني بأفكار كثيرة ، وتساؤلات كبيرة تحتاج الى اجوبة ، جاء ذلك بعد الانتهاء من آخر ورقة كتبت في رواية (ساق البامبو) للروائي سعود السنعوسي اولها ما دور الروائي(سعود السنعوسي) في هذه الرواية ، وهي تنتمي الى السيرة الذاتية ، أي انها من ادب السيرة ، وقد دونها بطل الرواية (اسمي jose ” هكذا يكتب ، ننطقه في الفلبين ، كما في الانكليزي ، هوزيه ، وفي العربية يصبح كما في الاسبانية ، خوسيه ، وفي البرتغالية في الحروف ذاتها يكتب ، ولكن ينطق جوزيه اما هنا في الكويت ، فلا شأن لكل تلك الاسماء بأسمي حيث هو… عيسى ) ص 17 وهكذا فأن الرواية للروائي (هوزيه ميندوزا) والذي هو بطل الرواية والسارد الوحيد لها ، لانها حياته بكامل تفاصيلها ، وقد ترجمت من قبل المترجم (ابراهيم سلام) الذي استطاع ان يستفاد من وجوده في الفلبين وعمله في السفارة الفلبينية وقربه الى حياة الشعب الفلبيني ، جعل ترجمتها تحافظ على روح النص الاصل حيث انه استطاع ان يحافظ على مبناها السردي وحسب ما اراد كاتب الرواية (هوزيه ميندوزا) وقد تمت مراجعتها وتدقيقها من قبل (خولة راشد) وهي واحدة من شخوص الرواية ، كونها شقيقة بطل الرواية وساردها الوحيد(عيسى) كما يطلق عليه في الكويت ،وهكذا فأننا نكتشف أن هذه الرواية ساهم في انجازها اكثر من شخص واحد ، بطل الرواية وساردها وكاتبها الاول .

اتصال دائم

(هوزيه ميندوزا) والمترجم الذي اتم عمله بأمانة فائقة الاتقان ، متعاوناً معه في ذلك أي ان المترجم كان على اتصال دائم مع الروائي الفلبيني ، الكويتي هوزيه ، او خوزيه ، او عيسى ، كما يطلق عليه فيما ذكرت سالفاً ، اما مهمة الروائي (سعود السنعوسي ) فكانت مهمة مهنية ، أي انه قام بأعادة صياغة الاحداث ومعالجتها فنياً لتدخل ضمن صناعة الرواية ، وهذا واضح جداً ، كونها لم تكن رواية متخيلة ، او خارج الواقع المعاش بين الحياة في الفلبين والكويت ، بل هنالك تفاصيل لا يمكن لأي روائي مهما كان بارعاً في صنعته كروائي ان يصل اليها ، كونها احداث لسيرة ذاتية بحتة ، كتبت من قبل بطل الرواية وكاتبها الاول وساردها الوحيد وهذا ما تؤكده الاحداث في الفصل الاخير من الرواية .

وقد اشترك الجميع في انجازها ، كونها عملا كبيرا جداً ، وهدف انساني نبيل ،كون عيسى ابن الخادمة الفلبينية (جوزيه) لاب من الكويت (راشد) وقد تزوجها في اول الامر عرفياً ، وبعد ان علم بحملها ، قام بتسجيل الزواج رسمياً في الكويت ، وبما ان الاعراف في الكويت ترفض زواج الابن من خادمة فلبينية ، كون ذلك بمثابة عار للاسر في الكويت، فقد اضطر راشد الى اعادتها الى بلدها الام( الفلبين) لترعى طفليهما وتربيه هناك الى ان يجد حلاً لهذه المشكلة ، وهكذا فقد تربى وترعرع عيسى بين احضان اهل زوجته ، جده (مندوزا) وخالته (آيدن)وابنة خالته (ميرلا) وغيرهم ، الا ان امر عودته الى وطنه الاصلي الكويت كان شغله الشاغل وكذلك كان الهم الاكبر بالنسبة لامه ،وكان عيسى وكذلك امه يتابعان الاخبار التي ترد اليهم من الكويت ، حتى حدثت حرب الخليج الثانية والتي كانت سبب في استشهاد (راشد) كونه كان من ضمن رجال المقاومة ، وقد وجدوا رفاته في احد المقابر الجماعية في كربلاء ، أن التفاصيل الدقيقة والواضحة لحياة عيسى في الفلبين تؤكد ان ما يستعرض امامنا من احداث هي سيرة ذاتية دقيقة ، كوننا نعيش تفاصيل دقيقة جداً عن الحياة هناك ، وهي بنفس الوقت فرصة اتاحتها لنا هذه الرواية لنتعرف عن قرب على حياة الشعب الفلبيني وطقوسه ومناسباته ، واطيافه ، وقومياته ، واديانه مثل البوذية ، والمسيحية ، واحداث اخرى كبيرة وواسعة تخص هذا الشعب ، كما اشارت الرواية الى الدين الاسلامي على شكلين ، الاول كان يمثل رمزا من رموزها كان مناضلاً من اجلها ، والآخر كان يمثل قمة الانحطاط ، وكان عيسى يتنقل بين الاديان المختلفة عله يجد ضالته المنشودة ، ثم ننتقل الانتقالة الثانية ،حيث يغادر عيسى من خلال مساعدة غسان هذا الرجل الكويتي الذي يحمل هوية (البدون) وهكذا فأننا نعيش تفاصيل دقيقة للحياة في الكويت تصل حد الخصوصية ، والتي لايمكن لها ان تكتب بمخيلة روائي ، وانما هي حياة عاش تجربتها البطل ، وان الاحداث التي تتضمنها هذه الرواية في البنية النصية ، هي حياة واقعية جداً ، الا أن غرابة الاحداث التي جرت على بطل الرواية وكاتبها وساردها ، مشحونة بالغرابة والانبهار، والدهشة ، وهي تهيمن على حواس المتلقي بشكل ملفت للنظر، الى الحد الذي يصل فيه انه لايمكن ان يتركها ، دون ان يعرف مصير حياة عيسى التائهة في اكثر من عالم ، وتكمن حبكة النص وتأزمه ووصوله اعلى درجات الذروة ، عند دخول عيسى الى اهله جدته (غنيمة) وعماته هند ، عواطف ، ونورية ، واخته خولة ، حيث تنشطر العائلة الى شطرين بين مؤيد ورافض لبقائه بينهم ، الأمر الذي حدى به ترك بيت ابيه ،والعيش داخل الكويت ، الا أن افتضاح امره ومعرفة الجيران بأن عيسى ابن الخادمة الفلبينية هو ابن راشد الطاروف ذات الحسب والنسب وابنتهم هند مرشحة للانتخابات للوصول الى المجلس ، جعل العائلة تحكم طوق الخناق عليه ، وتحرمه من الراتب الشهري الذي كانت جدته ترسله اليه كل شهر، ثم طرده من العمل ، وهكذا يقرر عيسى العودة الى الفلبين ، الرواية من خلال حياة عيسى في الكويت تكشف بشكل واضح الحياة الاسلامية النزيهة المنظمة بصورتها النقية ، بينما نكتشف من خلال الحياة في الفلبين حالة الفوضى والضياع وانتشار الرذيلة بشكل ملفت للنظر وحيث ان عمل اغلب النساء في البغي ، واغلب العوائل تعتاش من مهنة الرذيلة ، وهو امر طبيعي لديهم ،ان الروائي يضعنا بين عالمين متناقضين ، كما انه استطاع ان يحتوي هذه التفاصيل الكبيرة والواسعة والاحداث المتشعبة في دفتي الرواية بشكل متقن ، الى ادق التفاصيل

وحتى تلك العلاقة الحميمية التي نشأت بين عيسى واربعة من الكويتين كانوا في سياحة في احد جزر الفلبين حيث يعترف لهم هناك بأنه كويتي ، وعندما يصل الكويت يتفاجأوا بوجوده بينهم ، وكان من بينهم جابر ابن ام جابر جارة الجدة غنيمة التي كانت سبب في شيوع خبره بين الناس ، ومن كل ذلك نستشف ان الرواية تنتمي الى ادب السيرة ، وانها رواية مشتركة بين:

– هوزيه ميندوزا البطل والسارد وكاتب الرواية الاول وهي حياته يضعها امامنا كقضية انســانية مهمة

– سعود السنعوسي الذي كانت مهمته مهنية بحتة

– ابراهيم سلام المترجم الذي قام بنقل الاحداث بأمانة دقيقة

– وخولة راشد التي راجعت ودققت الرواية

وفي نهاية الرواية يضعنا الروائي داخل احساس عيسى ، عند حضور فريق الكويت لكرة القدم ، ليواجه الفريق الفلبيني ، اذ كانت الحيرة بادية عليه لمن ينتمي ..؟ ومن هو..؟ هل يشجع الفلبين ام الكويت ، رواية (ساق البامبو) للروائي سعود السنعوسي رحلة كبيرة في عالم صناعة الرواية

{ من اصدارات الدار العربية للعلوم ناشرون عام 2012