القاص علي السباعيّ الرمز بالأخضر 1-2

2

 القاص علي السباعيّ الرمز بالأخضر   1-2

الشخصية في إيقاعات الزمن الراقص

ميّادة عبد الأمير كريم العامريّ

الملخص :

يستحضر السباعي في مجموعته القصصية “إيقاعات الزمن الراقص” نصوص صارخة بالألم مصوّرة وبكل صدق القسوة السلطوية التي أهانت كرامة الإنسان العراقي ، وقد جاءت شخصيات المجموعة شخصيات قلقة معذبة سحقتها دواليب الحياة فكانت بحقّ مرآة عاكسة لمرارة الواقع المعاش.. وقد نجح القاص في رصد المعاناة التي طالت أطياف الشعب العراقي من مثقف وإنسان بسيط ، ومن امرأة ورجل وطفل صغير.

          ” إيقاعات الزمن الراقص ” عنوان أولى المجموعات القصصية للقاص العراقي علي السباعي ، صدرت عام (2002م) عن اتحاد الكتّاب العرب في دمشق .

ينتمي القاص إلى جيل الألفية الثالثة أي الفئة المعاصرة ، قاص ((نأى بنفسه عن الانسياق خلف الإغراءات السلطوية واتجهت بوصلة إبداعه نحو الواقع العراقي ، المصطبغ بالدم المسفوح على ثرى الرافدين)) .(1)

جاءت هذه المجموعة في (إحدى وعشرين) قصة ، تنوعت فيها الشخصيات ، وسُردت فيها الأحداث فجاءت كما هي ماء الأنهار رقراقة عذبة ، تؤنس قارئيها وتمتع دارسيها ، وقد نجح القاص في تصوير مرحلة بائسة في تاريخ العراق ابان حكم النظام الصدامي وما ساد الشعب من جوع وحرمان وموت ، فكانت بحق كما أراد لها السباعي أن تكون ((وثيقة تاريخية من الأحداث المأسوية التي مرت في حياة العراقيين)).(2)

وقد أثرى القاص مجموعته القصصية بكثير من الرموز منها التاريخي ، ومنها الأسطوري ومنها أيضاً الأدبي .. ويكفينا في بيان سبب ذلك جواب السباعي حين سُأل عن سبب الترميـز قائلاً : ((لجأت إلى الترميز لا لكي أكون مغايراً في كتابتي للقصة القصيرة السائدة في فترتي الحرب والحصار ، ولم اشأ أن اسرق الأضواء وآتي بهن إلى سوح قصصي بل غايتي احترازية ولتجنب بطش السلطة الظالمة والمكوث في منطقة آمنة بعيدة عن براثن الرقيب)) .(3)

شخصيات السباعي :

تشكّل الشخصية أبرز مكونات القصة القصيرة فهي ((تمثيلية أو وضعية ما)) 4) ) بها يعبر القاص عن فكره وايديولوجيته ، وبوساطتها يستطيع التعبير عن ارائه التي يريد أن يضمنها قصته وصولاً بالقارئ إلى الحقائق التي يعتقد بها5) ) لتكون الشخصية في النهاية ((نتاج عمل تأليفية )) 6))  فهي المكونة للنص والدافعة بأحداثه نحو الأمام .

 وقد جاءت شخصيات السباعي في “إيقاعات الزمن الراقص” متنوعة الصفة ، متعددة الهيأة ، يمكن لنا أن ندرجها تحت الاقسام التالية :

ــ شخصيات مثقفة

ــ شخصيات تاريخية

ــ شخصيات خرافية

ــ شخصيات عجائبية

ــ شخصيات نسوية

القسم الأول : الشخصيات المثقفة :

أولى الشخصيات التي تطالعنا في هذه المجموعة شخصية الأستاذ الجامعي المحاضر في مادة التاريخ المعاصر ، وفيها يعبر القاص على لسان شخصيته المثقفة عن ضياع الانسان في زمن تلاشت فيه الإنسانية ، زمناً لا يعرف غير المادة سبيلاً ، كما ويفصح عن تجدد صفحات التاريخ صفحة تلو أخرى ، فبالأمس كانت الاشتراكية واليوم بدأت صفحة جديدة أكثر قوة هي النظام الدولي الجديد ، وفي الماضي كان هناك الاسكندر المقدوني ((أكل العالم _فأكله التاريخ ، جاءت حقبة الحربين أيضاً ابتعلهما التاريخ)) 7) ) هذا هو تاريخ البشر ((الدمار ، الجوع ، الحرب ، ولن يكون الرقص)) 8)  ) وقد يكون رقصاً لكن أي رقص ، انه رقص العالم على إيقاعات انهيار البلدان النامية ، رقص على إيقاعات الآمنا وأوجاعنا.

      القصة بدورها ترفض الواقع وتصور من خلال محاضرة الأستاذ التي يلقيها على مسامع طلابه الصراع القائم بين القديم والجديد ، بين البداوة والتكنولوجيا الحديثة ، والقاص في ذلك يستحضر رموزاً تاريخية كالاسكندر المقدوني ونابليون معززاً أفكاره بها ليخلص بالقارئ إلى حقيقة مفادها إنَّ فَقْدَنا لبعض الأشياء مهما كانت عزيزة علينا وثمينة لا يعني أن نفقد معها حياتنا ، بل علينا أن نتحدى الآمنا و نواصل حياتنا .

      ويستحضر السباعي شخصية مثقفة اخرى هي شخصية المدرس في قصة “مظلومة” كاشفاً النقاب عن امراة مظلومة عبثت بها أصابع الأثم من خلال الحوار الذي جرى تبادله بين الشخصيتين .

    ويأتي (الرجل الأنيق) مصورا الضيق والضنك الذي عاشه الانسان المثقف في زمن الجدب والجوع ، فالرجل الأنيق على الرغم من اناقته إلا أنّه يتعثر في خطاه بالاحجار، وجاءت الاحجار حاملة لرموز استحضرها القاص للتدليل على ما يواجه المثقف ابان الحكم البائد من مصاعب ومحن وقلة ذات اليد ، فضلاً عن تصويره للكلاب الشرسة التي اعترضت طريق الرجل الأنيق فما هذه الكلاب إلا اعداء الثقافة الانسانية فالسلطة لا تستسيغ وجود اناس اولوا ثقافة ، قد يقفون يوماً ما بوجهها صارخين بظلمها واستبدادها .

القسم الثاني : الشخصيات الشعبية :

      ينتقل السباعي من شخصية الأستاذ إلى شخصية بائسة من أوساط الشعب العراقي، شخصية تعيش العزلة والوحدة هي شخصية (حارس المقبرة) في قصته التي حملت عنوان “عرسٌ في مقبرة” .

      تظهر الشخصية هنا بمظهر الإنسان الواقعي الذي يأبى أن يعيش الأوهام ((كنتُ دائماً واقعياً ، ولم أحلم قط بأن أكون خيالياً)) (9). ولعل ذلك متأتٍ من طبيعة عمله كونه حارساً لأحد المقابر وهو يراقب في كل يوم عوائل الموتى وهم يزفون احبتهم إلى سجنهم الأبدي في جوّ يعلوه الصراخ والبكاء والعويل ، مما دفعه إلى أن يعيش الوحدة المتفردة ، إذ لم يذكر القاص شيئاً عن اسرةٍ له يستظل بحنانها ، أو بيتٍ يعود إليه ، لكن ما لبثت هذه الوحدة أن تنفرج حين تأتي للمقبرة من تشاركه وحدته ، إنَّها امرأة مجنونة حكم عليها القدر ظلماً فزوجها اهلها وهي في الرابعة عشر من عمرها لرجل يدّعي أنَّه تاجر ، انجبت له خمس بنات ، باعهن زوجها لأحد بيوت الدعارة ، فغدت (تاجية) كياناً بائساً يحمل في داخله بقايا لأنثى يعتصر قلبها كمداً .

     والقصة بحق صورة لحالة اجتماعية مريرة وهي بيع النبات لأجل لقمة العيش ، كما أنَّها جاءت معبرة عن القيود التي تقيد البشر في حياتهم من جوع وفقر ، بل حتى وهم في قبورهم لا يزالون مقيدين .

     شخصية (السيد وجع) شخصية أخرى من شخصيات السباعي الشعبية ، شخصية يدل اسمها على ما تحمل من اوجاع وحزن ، يتحدث السيد وجع إلى (حماره) في حوارية معبّرة عن ضياع الحياة وعن أقدارنا المكتوبة والمرسومة لنا ،  قائلاً : ((حقاً حياتنا لا شيء))10) ) وفي عبارة أخرى له :((إنَّ حياتي ضائعة)) 11)) يخيم الحزن وعدم التفاؤل على القصة ، فها هي روح (وجع) تتنفس ((أقداراً شوكية ، تجتر أوجاعه ، ايامه ، حياته كلّها كالبعير الذي يجتر العاقول)) 12) ) فالحياة مريرة والواقع اصبح لا يطاق ولكن هل هذه هي النهاية ، كلا ، فالقاص بعد أن رصد المعاناة ، زرع الأمل ونشر الضياء في نفس (وجع) من خلال الارادة القوية، إذْ يقول : ((تستطيع صنع قدرك الجيد بالارادة . بل بأمكانك أن تذيب جبلاً من الجليد لو شئت ذلك)(13) .

      “سائس الخيل” في قصة دم أخضر هي شخصية شعبية أخرى كان لها حضورها في قصة “دم أخضر” وهي تصور الرجل الجبان الذي قُتل أخيه أمام ناظريه من دون أن تكون له القدرة على الدفاع عن أخيه المقتول أو الثأر لدمه المسفوك ، لنستمع إلى زوجته محرضة أياه على الهرب من شيخ القبيلة قائلةً : ((لماذا لا نهرب؟)) توقف عن البكاء ، يتلفت ذات الشمال واليمين مجيبها مرتاباً : ((لأنني جبـــــان يا امرأة …!جبان!!)(14) .

 و “دم أخضر” تحكي عن ترك الديار بسبب السلطة الظالمة كما تصور الاستهانة بدم الانسان ، فضلاً عن منظر الرعب من خلال قتل الرجل امام عياله ، لتتعالى أصوات النساء وصرخات الأطفال : ((تعالت صيحات النسوة المستجيرة ، صراخ الأطفال يملأ المكان استغاثة ، الرصاص ينتهك السكون ، دوامات التراب تتصاعد محتجـــــــــة على انتهاك البارود…)) .(15)

       وجاءت صبغة الدم بدلالة اللون الأخضر ، وعادة يرمز بالأخضر للحياة والنماء بينما صفة الدم هي اللون الأحمر رمز الموت والدمار ، وإنَّما كسا القاص الدم بالثوب الأخصر إيحاءً لبطش واستباحة الدم الإنساني وهي مفارقة غريبة ، إذْ إنَّنا أصبحنا في عصر سر بقائه في القتل والدمار .

 يعالج القاص من خلال شخصياته كثيراً من الظواهر الإجتماعية وهذه المرة يصوّر الجوع في قصته “آخر رغيف” إذْ تظهر شخصية رجل في الثالثة والاربعين من عمره، كان السبب في فقدان ابنه الصغير لسَمْعه أثر ضربه على أذنه اليسرى مما تسبب في تمزق طبلتها ، ولعل هذا الأمر يبدو غريباً ومشوقاً لمعرفة سر تلك الضربة ، وإذا ما مشينا مع القاص في بستان سطوره وجدنا أن السبب في ذلك هو أنَّ هذا الطفل أكل آخر رغيف تصدق به عليهم أحد الميسورين ، كان قد تُرك طعاماً لأخيه حال عودته من المدرسة جائعاً إلا إنَّه لشده جوعه أكل رغيف أخيه.

   أمّا “الحاج مغني” فهو رجل كبير شارف على السبعين قضى حياته ترافقه بندقيته ، مدافعاً عن أرضه وعن قريته ، وها هو اليوم يخوض حرباً مع أولاده الذين اختطفوا زوجته الشابة سيئة السمعة (رمّان) التي تزوجها على نساءه الخمسة ؛ لتكون معركته هذه ((اثبات وجوده ، معركة مع ذاته ، وليس مع أولاده ، معركة تجعله يرفض كل قيد ، كل شرط ، كل ما بأمكانه أن يمسّ وجوده)) .(16)

        ومن “الحاج مغني” إلى (برع) و(محبس) الذين مثلاً دور بحارين خرجا في رحلة بعيداً عن المدينة حيث السماء والبحر … (محبس) شاب سأم الحياة أحس بالضياع، يخاطبه (برع) الصقار بقوله : ((لماذا تعذب نفسك ؟ على امتداد سواحل أنفسنا . نحن لا نرى الظلام الذي بداخل كل واحد منا ، فترتفع جدران أجسادنا متينة ، قوية ، وعالية، توحي لكلّ شخص بأنّه حي بينما سماء عيونه تنبئان بالتعب والخذلان))  (17)و(محبس) شخصية تأبى القيود كالصقر لا تقيده سلاسل و لاحدود .

 وتطالعنا شخصية (عرفان) الميكانيكي (الشخص الحالم) مع زميله في العمل في مصنع البلاستك الحاج (ماضي) في القصة الثامنة عشر من قصص المجموعة .

      تنبئنا القصة على لسان الحاج ماضي عن ((إنَّ الحياة تبدأ على الجانب الآخر لليأس)) (18)فإذا ما اردت أن تحيا سعيداً فعليك أن تعيش الواقع وتترك الأحلام ((لأنَّها تشل الروح على الدوام)) (19) وبالتالي فأنك سوف ((تنزف أحلاماً ليس بمقدورك وقف نزيفها وإذا بأحلامك تتراكم .

 تتراكم فتغرق أنت في لجة اليأس والكراهية …)) (20)

      أمّا شخصية “باسل” فقد تركها القاص من دون تحديد لهويتها ، إنّه شخص استقل قطار الأمل والطموح سائراً نحو اللاهدف حاملاً بين جوانحه ألماً وأسى ثم يحيلنا القاص إلى استرجاع يوم نيساني عالق في ذاكرة “باسل” حين طُرق باب بيته ثلاث طرقات ، كان الطارق الأول والده الذي احتضن صغار باسل لينسى تعبه ، أمّا الطارق الثاني فهو أخوه الذي كان مخطوف اللون متعباً دون أن يصرح السباعي عن سبب ذلك ليعود بنا مرة أخرى إلى ماضٍ ليس بقريب حين تذكر “باسل” كلمات معلــمة الذي أخبره بأن ((حياة كل إنسان عبارة عن طرق نحو نفسه ، فقلّة من البشر من باستطاعتهم معرفة أنفسهم وكثيرون يجهلون ذلك ، فينهارون بسببه)) (21) .

        أمّا الطارق الثالث فقد كان كبشاً أبيض اللون ضخماً يصارع الباب ، لم يفصح القاص عن إيضاحه وكشف رمزه .. وهكذا انتهت حكاية “باسل” في قصته “رياح” بنهاية مفتوحة قابلة للتأويل..ومن الشخصيات الشعبية التي استوقفتنا شخصية “الدّلال” بائع الأكفان وهي مهنة لم نعتد على رؤيتها في الأسواق ، يجعجع بائع الأكفان بصوته قائلاً : ((من يفتح المزاد ؟ أكفان صنعت بأيد ماهرة من أرقى الأقمشة المستوردة ، من يزايد ؟ من ؟ ..)) .(22)

      مزاد الأكفان صورة فوتوغرافية قاسية لحياة العراقيين التي أصبحت شبه معدومة ليحل الموت محلها إلى الحد الذي غدت فيه الأكفان يقام لها المزادات ، أكفان تصنع من أقمشة مستوردة بتشكيلات متعددة .

القسم الثالث : الشخصيات التاريخية

 يستحضر السباعي شخصيتي (هارون الرشيد) وجاريته (دموع) في قصته الموسومة بـ”الخيول المتعبة لم تصل بعد” وهارون الرشيد رمز للحاكم الظالم ، والقصة في الواقع توضح تغير الزمن وتغير البشر بطباعهم وأحاسيسهم وأفكارهم ، فالحياة أصبحت نهراً من الدماء المتدفقة بفعل القتل الذي اجتاح الدنيا فغدونا كما الخيول المتعبة لم تصل بعد إلى مكان استراحتها .

    اورد السباعي هذه القصة على لسان “شهرزاد” الراوي التاريخي لحكايات “الف ليلة وليلة” إلا إنّها هذه المرة جاءت متكفلة بـسرد محنة ابناء الشعب العراقي ، كي لا تنسى هذه المحن وتوارى التراب وتظل حبيسة الصدور ، بل تحكى وتحكى الف ليلة وليلة عن لسان شهرزاد ، فتسطّر المآسي صفحات في تاريخ العراق وتدوي بألم في   تاريخ الانسانية المنتهكة (.(23

     “غاندي” واحد من الشخصيات ذات الصبغة التاريخية وظفها القاص في قصته التي سماها “قطار اسمه : غاندي” .

      ظهرت شخصية غاندي بهيئة إنسان معذب حاملاً للهموم التي برع السباعي في تصويرها على شكل قطار ممتلئ بالألم يجر وراءه مقطورات من الوجع المزمن فوق سكة الخيبة (24) .

     فغاندي صورة لكل إنسان عراقي ذاق ويلات العذاب والحصار والإهانة من أجل تمسكه ببلده ، ولم يفكر قط أو للحظة بأنّه سوف يتخلى عن جزء منه ، ولبطش السلطة لم يكن بامكان الفرد أن يفصح عن همومه لغيره فما لبث أن وجد له متنفساً  بالإفصاح عن نفسه بنفسه   .(25)

وعلى الرغم مما قدمته شخصيته غاندي من عرض لمعاناة الإنسان إلا إنّها أفصحت في الوقت ذاته عن فكرة مفادها إن الإنسان على الرغم من كل أوجاعه فهو قادر على التــــــمرد عليها والخلاص منها ، فأصحاب الهموم كالموسيقيين يعزفون بأنفسهم لأنفسهم (26) .

     ويندرج تحت هذا العنوان شخصيات حملت اسماء لأشخاص خلدهم التاريخ كشخصية “شهرزاد” في قصة طائر الهزار .

     شهرزاد فتاة ريفية تلوح السعادة أمام ناظريها ، ولعل هذه القصة هي الوحيدة من بين قصص المجموعة جاءت تحمل السعادة بين سطورها ، إذْ تصور مغازلة بين الطائر وشهرزاد ، تبسم شهرزاد للحياة لتبتسم معها الدنيا ((كأنّ في ابتسامتها عناق الشمس وهي تحتضن الأرض بضفائرها الذهبية)) .(27)

القسم الرابع : الشخصيات الخرافية

     الشخصيات الخرافية هي شخصيات حيوانية ناطقة تتحاور مع الإنسان وتتجاذب معه أطراف الكلام .

     في قصة هكذا وجدت نفسي كان “الحمار” هو الشخصية الخرافية ، إذْ كان ينطق ويتحاور مع صاحبه (السيد وجع) في حوارية كشفت عن فكر القاص في بيان غدر الزمان وضياع الحياة وهي أمور سبقت الإشارة إليها أثناء التعرض لشخصية (السيد وجع) .

      جاءت شخصية (الحمار) لتصنع الأمل وترافع راية الحياة الخضراء ، يقول : لا تُصنع الأقدار بالأوجاع يا سيدي … تساءل “وجع” بحدة :

_كيف ؟

إجابه الحمار :

بتغيير ما بأنفسنا ))(28).

     والقاص يتناص مع قوله تعالى : )إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ (الرعد : 11  ليرسم للقارئ نهج التغيير الحيّ للواقع وذلك بتغيير ما بداخل أنفسنا ، نقرأ في موضع آخر من القصة على لسان الحمار :

((سنحصل على كلّ شيء بعزيمة الورود وهي تشق رمال الصحراء طرباً بهطول المطر)) (29) فالإرادة والعزيمة هي من تصنع الحياة السعيدة .

     “طائر الهزار” هو الآخر كان له حضوره الخرافي في المجموعة القصصية في القصة التي حملت عنوان “طائر الهزار” تفتتح قصته بأبيات من الشعر الحر للشاعر الكبير (عبد الوهاب البياتي) ، إيحاءً بما ستحمله سطور القصة من مغازلة ووصف للحبيبة (شهرزاد) ، فها هو يغازلها قائلاً :

((إنَّك رائعة في عيوني … ترمقه بنظرات عجب ، ليستطرد قائلاً :

بين أضلاع صدري جياد قوية ، تسابق بعضها للفوز بنظرة من عينيك الساحرتين)) .(30)

    وها هي ضحكات (شهرزاد) الصادقة تدوّي تملأ الجو سعادة : ((تضحك شهرزاد بضحكتها الطفولية ، يتلألأ ضياء وهاج تبعثه روحها الصافية الكرستالية ، تجدها حين ذاك كأنها ريحانة صغيرة تداعبها قطرات الندى في صباح ربيعي دائم)) .(31)

    ولعلنا لا نلمح في قصة ” طائر الهزار” ما تردد ذكره في بقية قصص المجموعة من الموت واليأس والضياع ، بل هي غزل رقيق في سرد مرتب رافقه الوصف الجميل لعيون المحبوبة وقوامها ، يقول الطائر محدثاً شهرزاد بثقة :

((إنَّهما عيناك يا غالية ، وقوامك الممشوق ، وخالك البديع … تقاطعه بحدة :

ما هذا الكلام يا طائري الصغير ؟

اخترفته سهام عينيـــــــها السوداوين …)) (32) .

مشاركة