بانوراما النثار في قصة سيدة

1

بانوراما النثار في قصة سيدة

المدينة إنموذج لإشتباك عوالم اللغة

وجدان عبدالعزيز

حينما نريد الالمام بكل ما يحيط النص لابد لنا من الوقوف على عتبته الاولى ، وهي العنونة فكلمة بانوراما تعني الاحاطة والشمول ,بمعنى أن الكلمة تطلق على أي شيء شامل يشمل أكثر من شيء واحد بنفس الوقت ، واما النثار فمعناه ما تناثر وتساقط متفرقا ، هذه العتبة الاولى ، اما الثانية فهي الاهداء لشخصية باحثة اهتمت بتراث بغداد الفولكلوري وغيره وهو الباحث باسم عبدالحميد حمودي وبالتالي فان قصة (بنوراما النثار) للقاص سعدي عوض الزيدي استغرقت بالخيال والرمزية وانسنة المدينة كمكان ، باعتبار ان الانسان العنصر الاهم والقائم بحد ذاته ، ثم انها ارتدت ثوبا سرياليا كون السريالية ديوان الأخيلة والصور الغريبة والمتناقضة التي يعسر فهمها، وسبب هذه الغرابة أنها إبداع ذهنيٌّ خالص لا يمكن أن يتولّد من مشابهة بين طرفين، بل من مشابهة بين واقعين متباعدين نسبياً، وكلما كانت الصلة بين هذين الواقعين بعيدة جاءت الصورة قوية. ولغموض الصورة لا يُنْتَظرُ من القارئ فهمها من القراءة الأولى، بل لا بد له من أن ينسى كل ما اكتسبه من ثقافته المصطنعة وينغمس مع السرياليين في حياتهم الداخلية.وهنا تظهر العلاقة بين النص والقارئ ، فهي (ليست علاقة تسير باتجاه واحد : من النص الى القارئ ، حيث يقوم القارئ عند استقبال النص بفك شفراته وفقا لاتجاه من الاتجاهات النقدية السائدة مثل الاتجاه البنيوي او السيميولوجي او الاجتماعي ونحوها ، وانما هي علاقة تبادلية تسير فيها عملية القراءة في اتجاهين متبادلين : من النص الى القارئ ومن القارئ الى النص ـ فبقدر ما يقدم النص للقارئ يضفي القاريء على النص ابعادا جديدة قد لايكون لها وجود في النص ، وبذلك يصح القول بان النص اثر بالقارئ وتأثر به على حد سواء)1 ? يقول الاستاذ الدكتور محمد صابر عبيد : (ينبني الفضاء القصصي في تمظهراته الحكائية السردية على افق التخيل من حيث هو “فضاء متحرك لا فضاء محدود ، انه متحرك في ذاته وفي الديمومة معا” ، ويولد دينامية ايقاع تشبع الفضاء بطاقة متوقدة وعالية تضاعف من استعداده للاستقبال والعمل ، وتوفر الحكي ـ خاصة ـ سبلا كافية للتمظهر والتبنين في اطار حاجة الكتابة السردية “الى مغامرة ، الى اقتحام ، الى توسيع افق” ، تسهم في اثراء الفضاء وتخصيب الياته ، وتذهب بالسرد الى مساحة القول المفتوح الذي يكتسب شعريته وجماليته من حقيقة “ان السرد هو توضيح ، ووراء كل سرد هنالك عنصر معين يرتبط بالانموذج الانساني” ، والذي يفعّل منطقة القراءة ويديم الحوار الدينامي في متاهة الحكي بين ادوات السرد وآليات التلقي)2. فكانت قصة الزيدي رحلة سردية اعتمدت لعبة لغوية تصاعدت الى افق المعنى الذي تخفى بين نثارات التهشيم والغموض والنسق السريالي ، وجعل المدينة/السيدة .. ليكون بحثا في مكان قد يكون مؤنسن يحاول الكاتب من خلاله كشف النقاب .. (في كتابه “ممارسة الحياة” ناقش ميشيل دو سرتو ما يسميها حكايات المكان ، التي تنظم الامكنة عن طريق وصف الانزياحات ، وتقوم بوظيفة التحويل المستمر للفضاء الى مكان ، هذه السرديات التي تجسد ادراكنا للمكانية ، التي تؤنسن الفضاء الذي نعيش فيه بتشريبه بالمعنى) 3 ? يقول الكاتب الزيدي في قصته اعلاه : (سيدة المدينة ، اكبر معمرة في البلاد يستأنس الناس هنا في جمع نثار الذاكرة والتلذذ في تعداد زيجاتها حتى انقضاء ربيعها وهجرة ارواح ازواجها الثلاث الى عالم يخلو من نسيم النهر … ) .

ويقول في مكان اخر : (الصمت في الشارع تحول الى هيجان معلوم يمتد من النهر عبر اراض السواد الشاسعة … في هذا الهيجان اتساع يلملم نثار الرعية في امتداد اشتباك لسواعد دبكة متواصلة على نغم الناي المتهادي ، المتسرب من خلل الفورة المؤجلة منذ الف ونيف من السنين من سنوات الصدأ) ، ومن خلال هذه القرائن والتشظيات اللغوية ، نجد انفسنا في متاهة الحكي ، فوجود اللغة يعني وجود الشعر والموسيقى والغناء بأنواعه وفنون القول الاخرى ، وإن الشعر والقصة يبقيان ما بقيت اللغة والموسيقى ونفس تريد وتهفو وتسعى, وما بقي طير يغرد وأمواج تتناغم وبشر يخطو فوق التراب ويحمل همّاً وطموحا وتطلعا نحو غدٍ أفضل وآفاق أرحب ، غير ان الكاتب الزيدي تلاعب باللغة في اتجاه كشف النقاب كما اسلفنا .. فالقصة بنية سردية تحتوي على فكرة وتعتمد التكثيف ..

 يقول يوسف إدريس″ القصة القصيرة رصاصة، تصيب الهدف أسرع من أي رواية”. ويعرفها آرسكين كالدويل بأنها (حكاية خيالية لها معنى، ممتعة بحيث تجذب انتباه القارئ، وعميقة بحيث تعبر عن الطبيعة البشرية). والقصة بكل تأكيد تحمل رؤية ، هي جوهر العمل الفني، ونواته الفكرية التي قد تصدر عن الفنان دون وعي منه لفرط خبرته، فهي تعبر عن مفهومه ونظرته للحياة، فالمبدع الحقيقي هو الذي تكون له نظرة ما حول ما يقدمه من أعمال فنية، وتعتمد القصة على اللغة ، فهي المعبر والمصور لرؤية المبدع وموضوعه، فهي أساس العمل الأدبي، وتعتمد على بناء أساسه لغوي ، حيث التصوير والحدث يتكئان على اللغة، والدراما تولدها اللغة الموحية المرهفة، كل هذا يشير بدلالة واضحة على أهمية اللغة وإنه لولاها لكان العمل الأدبي سيئ وغير مفهوم. ثم ان القصة عالم يمتزج فيه الخيال بالواقع لتكوين مقاربة جمالية سمتها البحث عن حقيقة الحياة وتفاعلات الوجود .. هكذا حاول الكاتب ان يتخفى بقناع السرد وجعل المدينة تتماهى بالسيدة او بالعكس ، وهي حالة فريدة ان تكون المدينة مؤنسنة ، والسيدة تحمل سمات مكان المدينة ، لتقترب الرؤية الجمالية في بحثها عن الحقيقة ، وقد تكون حقيقة (تمد وتنزح الاجساد الى ارض الجزيرة عبر النهر من ارض السواد .. التراص الهائل مع مويجات النهر اطلق اهزوجة شجن السيدة في ذوبان روح بعلها الرمل الممزوج بالسائل المتدفق من قلب الحراش رضابي على ضفة النهر وحناء يشرأب جنب الحقول والبيادر …) هذا هو التماهي السريالي ، والسرد الزئبقي الذي لايظهر المعنى بصورته الواضحة الا بعد كد ذهن كما يعبر قدامى العرب في استرداد المعنى حينما يكون عصيا على الاذهان الساكنة ، انما يحتاج الى ذهن متدرب ومتمرن في الدخول الى مسامات النص ..

مصادر البحث

1 ـ (كتاب اللغة والابداع) الدكتور محمد العبد /دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع

القاهرة 1989 م ص37ـ38

2 ـ كتاب (تأويل متاهة الحكي في تمظهرات الشكل السردي) /الاستاذ الدكتور محمد صابر عبيد / عالم الكتب الحديث ـ اربد الاردن /الطبعة الاولى 1432ـ2011م ص89

3 ـ كتاب (الاستشراق جنسيا) ارفن جميل شك /ت:عدنان حسن تقديم ممدوح عدوان / شركة قدمس للنشر والتوزيع ـ بيروت ـ لبنان الطبعة الاولى 2003 م ص91

4 ـ قصة (بانوراما النثار) للكاتب سعدي عوض الزيدي  / مجموعة رغوة المسافات 1996 بغداد

عوض الزيدي  / مجموعة رغوة المسافات 1996 بغداد.

مشاركة