أيام ووقائع في العاصمة الهندية – 2

أيام ووقائع في العاصمة الهندية – 2

ذوو الثياب البيض يحتفلون بعيد الأضحى وسط أجواء إيمانية

حشود كبيرة تسير سبع ساعات نحو الجامع للصلاة وتبادل التهاني

رزاق إبراهيم حسن

بغداد

لان الجريدة التي اعمل فيها تعتمد على عدد قليل من العاملين ولانني اشعر انها بحاجة الى اي موظف من موظفيها ولكي لا اثقل عليها باجازة طويلة ولانها تتوقف عن العمل في ايام الاعياد فقد فضلت السفر الى الهند خلال ايام عيد الاضحى المبارك، وهي ايام لا تحسب ضمن الاجازة كما انها تقصر ايام الاجازة فبدلا من عشرين يوما تقتصر ايام الاجازة على خمسة عشر يوما وقد سافرت الى الهند في اليوم الاول من عيد الاضحى المبارك يوم 11/9/2016 .

 وقد وصلنا الى نيودلهي في الساعة الثانية والنصف ليلا وبسبب سعة المطار والاستفسار عن الاجراءات والمسؤولين عنها فقد تاخر خروجنا من المطار الى اكثر من ساعة حيث ساعدنا مترجم هندي على الحصول على سيارة للدخول الى المدينة والحصول على غرفة او شقة للنوم والاقامة وقد عرفنا ان السيارة تابعة للمستشفى وان اجرة النقل تضاف الى اجور العلاج وقد جهزت لنا شقة بغرفة واحدة كانت تقع مقابل بناية المستشفى يفصل بينهما شارع عام للسيارات ذهابا وايابا.

ومع انني لم احصل على قدر من الوقت للمنام الا انني لم اترك عادتي في الاستيقاظ فجراً لاطل على الشارع حيث كان خاليا من السيارات وكان مشغولا بحشود  كبيرة من القادمين من داخل المدينة الى جامع من الجوامع المجاورة للمستشفى وكانت الحشود تسير افرادا وجماعات باتجاه الجامع، وكان اغلب او جميع السائرين يرتدون الملابس البيض وهي في غالبيتها تنتسب للازياء الهندية ومع ان السائرين كانوا يتحدثون مع بعضهم البعض الا ان الاحاديث لم تنتظم في ايقاع مسموع بوضوح او باصوات ذات تردد معين او اصوات اقرب للهتاف كانت الافراح بادية على وجوههم وكانوا يتقدمون دون تزاحم ودون قيام احد بدفع الاخر او التسابق مع الاخرين وباستثناء عدد من الشحاذين المتوزعين على جانبي الشارع فان هذه الحشود كانت خالية من اي استغلال سياسي او فئوي ولم ترف اية لافتة او علم من الاعلام ولم يتصدر اية مجموعة منها قائد او مشرف او دليل كانت الحشود تعرف الى اين هي سائرة والى اي مكان تقصد بسيرها وباية مناسبة.

وكانت الحشود الكبيرة ملتحمة مع  بعضها لا يفصل بينها اي عازل او موقف اختلاف في الاتجاه او السكن او النقطة كما هو حال المواكب والتظاهرات في بعض البلدان وليس هناك راكض او متسابق بل كانت الحشود تسير بخطوات ليست بطيئة وليست سريعة وانما هي خطوات هادئة وواثقة وذات ايقاع مهيب ووقولا ولم يكن هناك اي عائق يجعل السير سريعا ويجعل الحشود متموجة ومتلاطمة ومتصارعة ولكن هذه الحشود البشرية ارتضت ان تتشابه في السير وان يكون مسيرها احتفاليا والاحتفالية تتطلب التماثل في الجلوس والحركات وممثلين يعززون من هذا التماثل ومن وحدة الايقاع وبدون ذلك تتحول الاحتفالية الى فوضى وكانت الحشود قد اختارت الطريق والسير فيه للاحتفال بمناسبة ليست رسمية وليست شخصية وليست موجهة من حزب معين او جهة معينة ولم تكن المناسبة التي يحتفل بها اغلب سكان الهند وهم الهندوس وانما هي مناسبة عيد الاضحى المبارك واذا كانت هذه الحشود في بلدان اخرى تبحث على هواجس العزف والرقابة فانها في الهند لم تخصص لها اي حماية ولم يتطوع احد من المشاركين او غير المشاركين لحمايتها ولم يحطها سياج  او سور من المدافعين عنها ولم يلاحظ وجود اشخاص للاشراف على تنظيمها او منع الناس الغرباء والمندسين من الانضمام اليها والعبث بها وتعريضها للتدخل والانقسام كما ان هذه الحشود لم تنتظم في صفوف او في طوابير وانما اختارت العضوية والسير الطبيعي والخطوات المتأنية والمحافظة على جمعها دون الخروج من نهر على الشارع العام ومن هيبة الحشد.

هدايا سخية

وهناك من تقبل عليه الهدايا سخية لانه حريص على قراءة ما يحصل عليه منها وابداء موقف نقدي تجاهها ورغم اهمية مثل هؤلاء الاشخاص الا انهم ياخذون في بعض الاحيان ببيع ما حصلوا عليه من هدايا الكثير ولكن مثل هذه التصرفات لا تشمل كل الاشخاص الذين يتاجرون بهذه الهدايا الثمينة  والمهمة وانما هناك من يحرص على الاحتفاظ بهذه الهدايا وعدم التفريط بها وجعلها في موقع متميز في مكتبته الشخصية.

وفي كل الاحوال فان من غير اللائق ان تعرض الهدايا الثقافية للبيع وان يكون الاهداء المجاني وسيلة للمساومة والتجارة والارباح خاصة وانها ذات اعتبارات ثقافية واخلاقية فالذي يقدم على الاهداء انما يختار اشخاصا معينين في ذلك اخذا بنظر الاعتبار مكانتهم الثقافية والذي يبيع الاهداءات انما يناقض هذا الفهم لشخصه ويعرض سمعته الثقافية للتشكيك وعدم الثقة والامانة، والسؤال الذي يطرح نفسه كيف يمكن التصرف بكثرة الكتب المهداة وعدم وجود مكان لاستيعابها؟

وقد استمر تدفق الحشود الى الجامع من الفجر الى ما بعد الثانية ظهرا ولم يكن المشاركين في الحشود من اعمار متقاربة بل فيهم الكبير والصغير والشاب والكهل وهناك من يرافق اولاده واخوانه ومن يرافق اصدقاءه ومعارفه وهناك من جمعتهم المهنة والوظيفة والمنطقة ولعلهم يمثلون المناطق القريبة من المستشفى ولا يمثلون كل المسلمين في نيودلهي وكانوا بهذه الحشود يتجهون الى الجامع الذي يقع في منطقة اسمها (ساكت) لاداء صلاة العيد وتبادل التهاني بحلول عيد الفطر والاستماع الى خطبة العيد المعدة من قبل امام الجامع بهذه المناسبة واذا كان هذا الشارع الذي انفتح واسعا وطويلا امام الحشود ضاجا بالاصوات وحركة السيارات وصخب البائعين فانك في هذا اليوم لا تسمع غير صوت امام الجامع وصداه المتردد في الارجاء وهو يلقي خطبة العيد باللغة العربية الفصحى ودون لحن واخطاء في النحو والصرف والاملاء وقد بقيت مشدودا الى  الحشود طوال ساعات سيرها وفاضت عيوني بالدمع متاثرا بهذا الحشد المهيب والرائع والمؤمن متسائلا لماذا لا تعرف جوامعنا ومساجدنا مثل هذا التقليد الايماني الذي يعكس قوة وعظمة الاسلام ووحدة المسلمين؟ والاخلاص للدين ؟ ولماذا اصبحت جوامعنا ومساجدنا مزروعة بهواجس الخوف والرعب والقتل والخطف والتفجير من الارهاب وجرائمه ووحشيته؟ ومتى تصبح الجوامع والمساجد بعيدة عن كل اكاذيب ومؤامرات وافتراءات السياسيين؟

طفولتي  النجفية

ورافقني هذا الطموح على امتداد ما عشته من حياة الا انني وجدت نفسي مدفوعا الى تحقيقه دون ان تتوفر الفرصة المناسبة لذلك فقد بلغت من العمر ما يجعلني خائفا من فوات الفرصة نهائيا وانني في حاجة للسفر الى الهند لمعالجة المرض العضال الذي اختارني موطنا له ورفيقا لمخاطره وآلامه وكانت سمعة الطب الهندي موضع اهتمام واشادة وحديث العراقيين والتقيت بمن اعده صديقا كان قد عاد من الهند بعد ان اجريت له عملية لعينيه وكان يثني كثيرا على الاطباء الهنود ويقدم عملية دليلا على ذلك اذ انه راجع اطباء عراقيين ولم يجد لديهم ما يبحث عنه من شفاء ووجد العلاج اللازم عند الاطباء الهنود وكانوا في يتعاملون بلطف شديد مع المريض ويتساهلون مع في السعر وقال: اعانني الله سبحانه وتعالى لان اجد العلاج اللازم لك دون اي تدخل جراحي ودون اي تعقيد اذ حضرت لقاء طبيب هندي بعراقيين يعانون مرضك نفسه وجرى استقبالهم من قبل طبيب مختص حيث اوعز لهم بممارسة العلاج الطبيعي مع تناول حبوب معينةوتوقفت عند الملايين تؤدي الصلاة وتحتفل بالاعياد بملابس ذات الوان مختلفة وليس بثياب ذات لون واحد وحسب اطلاعي لا يوجد نص قرآني او حديث نبوي يؤكدان ارتداء الملابس البيض في الاعياد ولا يوجد نص يعارض ذلك وهناك ما يشجع على ارتداء هذه الملابس في الاعياد وخلال الصلاة فهناك اراء تشير الى ان ملابس اهل الجنة ذات لون ابيض ويرتدي المسلمون اثوابا او اقمشة ذات لون ابيض ويتم تكفين الموتى والمسلمين باكفان ذات لون ابيض واللون الابيض يرمز الى الطهر والنقاء وهو اللون القريب من الضوء ولعله الغالب على ضياء الشمس والقمر والنجوم وهو بالضد من اللون الاسود بالغالب على الظلام ولعل احد الاسباب التي دفعت المسلمين الهنود لارتداء الثياب البيض تتمثل بانهم ارادوا التشبه بالحجاج فالعيد عيد الحج وفيه يرتدي المسلمون الملابس والاقشمة البيض اثناء تادية شعائر الحج، وهم يحتفلون بعيد الاضحى بالملابس نفسها ولكن حسب ازياء الهنود القومية.

وقد لاحظت ان بعض الاديان في الهند تحاول تمييز نفسها بالالوان فالهندوس يهتمون باللون البرتقالي فبعض المعابد تستبدل قبعات الزائرين ذات الالوان المتعددة بمناديل برتقالية اللون ويرتدي رجال الدين اثناء الصلاة واداء الطقوس ملابس ذات لون برتقالي ويؤدي الاشخاص الزائرون حاسرو الراس بهذه المناديل ايضا واغلب المعابد تقلد بعض الزائرين بقلادات متالفة من باقات ورود ذات لون برتقالي وقد وجدت ان المحال التجارية القريبة من المعابد تعرض الكثير من النذور والاعمال الفنية الدينية وهي موشاة باللون البرتقالي فهناك قطع من الاساور ذات لون برتقالي وقطع من التماثيل الصغيرة والكبيرة نسبيا يغطيها اللون البرتقالي وهنالك صور للالهة تحمل اللون نفسه، وتكثر زراعة الاشجار ذات الثمار الوردية والزهور ذات اللون البرتقالي ويتم توزيع  باقات وقلادات ذات الوان برتقالية على الزائرين والسطوح وقد حاولت ان اعرف اسباب الاهتمام باللون البرتقالي ورحت اسئل عنه على بعض الهنود فاجاب البعض بان ذلك يرجع الى التاثر بالبوذية التي تعد البرتقالي لونا مقدسا ويرتدي كهنتها الملابس البرتقالية كما ارجع البعض اللون البرتقالي الى جماله واشراقه ولانه يجمع بين العديد من الالوان ولانه من اكثر الالوان انتشارا واستخداما عند الهنود والمناطق المجاورة للهند.

اقامة حفل

ومن الاحداث المتميزة قيام وزير الهند المفوض في بغداد (قوي جاد) باقامة حفل بمناسبة قيام الجهات العلمية الهندية بتقيين موسوعة تاريخ الفلسفة الامنية والقريبة الى المجمع العلمي العراقي والوافدين الى جمعية الفنون في كلكتا بعثة ثقافية فنية الى العراق برئاسة الدكتور (كاليبدراس نالف) حيث القى هذا الضيف محاضرتين عن تاريخ الفن الهندي كما عرضت البعثة مئة وخمسين لوحة في بغداد وكانت هناك رغبات مشتركة لتطوير العلاقات الثقافية بين البلدين ولكن الوضع غير المستقر للعراق اديى الى ضعف العلاقات الثقافية رغم وجود اتفاقية للتعاون الثقافي بين البلدين موقعة في 5 تموز 1954.

وسواء كان اللون البرتقالي طبيعيا او اصطناعيا فانه موضع اهتمام الهنود وهو يدخل في الزينة والنذور والطعام ايضا وبعض الملابس ولكن يظل الورد البرتقالي سائدا في الكثير من المعابد والمحال التجارية واغلب المحال القريبة من المعبد تباع فيها اشياء ذات الوان برتقالية وسال سائقا هنديا كان يقود سيارة ذاهبة بنا الى احد المعابد اذ تفسر الاهتمام باللون لماذا يهتم الهندوس بهذا اللون فياتي الجواب:

وردي

وهل يستخدم المسلمون لونا معينا.

نعم اللون الابيض لون المسلمين.

وهل لديك تفسير لذلك.

لا اعرف، ولكنه اللون المفضل ويبدو ان الطوائف الدينية في الهند قد جعلت من الالوان جزءا من العقيدة او علامة تميز بين دين واخر فاختار المسلمون اللون الابيض واختار الهندوس اللون البرتقالي وهناك طوائف اختارت لنفسها ازياء وعلامات جسدية معينة.