قراءة نقدية لمجموعة الأشجار لا تغادر أعشاشها

قراءة نقدية لمجموعة الأشجار لا تغادر أعشاشها

إرتكاز البؤرة النصية في أنسنة الأشياء

عباس باني المالكي

حين ندخل إلى العالم الشعري للشاعر سعد ياسين يوسف في مجموعته (الأشجارُ لا تغادرُ أعشاشَها) ندرك أنه قد تجلى بشاعريته ،من خلال إدراكه للكلمة لا ككلمة ولا كمجرد بديل عن الشيء المسمى ولا كتفجير للحس اللساني، بل ندرك أنه أعطي لكون الكلمات في نحوها ومعناها وشكلها الخارجي والداخلي علامات ترتفع بها من قيمتها الذاتية، إلى الكون الوجودي بكل أبعاده وتطلعاته الذاتية في أن يرى الحياة خضراء ،من خلال البعد ترميزي المتناظر مع الحياة الخارجية و داخلية، في البعد الوعي الحي بكل تفرعاته، لهذا أصبحت الأشجار هي المؤشر على وجود الحياة وتكاملها، كالقيمة الحية للإنسانية والطبيعة التي حوله .وأستطاع الشاعر أن ينفلت من مصائد وشباك و السقوط في المعنى المتكرر من خلال جعل الرمز الواحد هي القيمة المعنوية والتي تنمو داخل شاعريته ، وجعلها بعدا تكوينيا في لغته الشعرية والارتقاء بهذه اللغة و كما أكدت عليها سوزان برنار حول قصيدة النثر ( تريد قصيدة النثر الذهاب إلى ما وراء اللغة وهي تستخدم اللغة ، ويريد أن يحطم الأشكال وهو تخلق أشكالا ، ويريد أن تهرب من الأدب وها هي تصبح نوعا أدبيا مصنفا ) حيث نشعر أن الشاعر يذهب بلغته إلى ما وراء اللغة، فتخلق علاقة رؤيوية وترتفع بمستوى الحس المعرفي متحكم باللاوعي ،و يدرك المتلقي عمق مكنون البناء الداخلي داخل النص، كي يحقق انفتاحا واسعا على اللغة بتشكيلها الدلالي في منهجية الذات وتشظيها، و يقترب من اكتشاف استحضار الواقع لذاته الكامنة ، حيث يحرك مشاعره باتجاه الكامن من الرمز الدلالي (الأشجار ) فتخرج مشاعره بتراكيب صورية يصوغها عبر مفردات بالمعنى المتغير للرمز الواحد ، لكي يعطي مساحة الحياة لهاجسه الكامن اتجاه ما تمثل الأشجار من طاقة على وجود الحياة ، و تمثل الأشجار كالارتكاز في البؤرة النصية وبما هو متوهج في الذات التي تسعى إلى الحياة كبعد في أنسنة الأشياء، لكي يكشف ما بين الحياة الحقيقة والحياة المتجردة حين تكون هذه الحياة دون الشجر، لهذا تكون هذه الأشجار البعد الفلسفي التكويني في تناظر مشاعره مع هذه الأشجار، ما تمثله من قيمة الحياة في وجودية الإنسان في أقصى طاقاتها الوجودية ليعيد تشكيل هذه الحياة وفق قصديه ذاته المحركة، لكل ما يقدم له من تمرد ببحثه عن التجدد وصياغة هذا التجدد وفق مبدئية انزياح الأستعاري،إلى عالم أكثر اقترابا من الحلم ويتم هذا بأحداث التغير الشامل إلى الذات، كي يأتي الكشف بتقارب الأشجار إلى مكنون الذات في الحياة متوافقا مع ما يريد أن يتحقق. فالشاعر لا يقفز على الواقع بل يعيد خلقه وصياغته من جديد, وفق جدلية رمزية الأشجار ودلالاتها كالبعد الكامل والمنهج في هدفية الحياة كعلاقة تبادلية بينها وبين الطبيعة .

ص 22 نص (شجرُ القدَّاس )

(القُدّاسُ المُتواري /خلفَ تراتيلِ الفيروزِ المعقود ِ /على جيدِ الذَّاكرة ِ…/ووقعِ لآلئِ المطرِ المرتطمِ، /بأجنحةِ الطُّوفانِ / نحوَ سماءٍ ثامنةٍ /أنبتَ أشجارَ شموع ٍ /تتقدُ كما تتقدُ العينانِ الحالمتانِ، /فاغرةً قلبَ اللهفة ِ /لوجهِ الأسطورةِ /إذ يتشظى ناقوساً للدهشةِ فيَّ : /أيُعقل ُأني /أطوفُ بكلِ الجزر البكرِ، /اكتشفُ المرجانَ ، الفيروزَ؟/وأجوبُ شوارعَ تمشي فيَّ /على مَهلٍ /تتصاعدُ إيقاعاتُ هطولِ العرقِ المتفصدِ /من خوفي … /من رعشةِ كفي وهي تلامسُ /صوتَكِ ، يجلسُ قربي يعانقني /أمسكهُ فأغيبُ برعشةِ ضوءٍ /طوبى ، طوبى ، طوبى …./أغفو بين الفَينةِ…/الفَينةِ…/أُبصرُ هالتَكِ سفرَ نبوءة ٍ/فالتيجانُ… أحذية ٌمَرميَّةٌ ،/العرباتُ الملكيةُ، /ركامٌ مفتوحُ العينينِ … /على أرصفةٍ أوقفَها / ترتيلُ الشيطانِ عن الجَرَيان ِ.)

الذي يميز نصوص هذه المجموعة، أن الشاعر أتخذ من الأشجار كمركز تناظر وتبادل المعنى بينها وبين كل ما يحدث في الحياة ، كقيمة ترتقي إلى مستوى الرمزي في التقديس لأنها عنصر الحياة والكاشف لها، والذي يميز أسلوبيته في إيصال فكرته الرؤيوية، أنه لا يبقى يدور حول المسميات ويعيد تركيب قيمتها بقدر ما يحاول أن يبتعد عنها ، لكي يعطيها أبعاد الحياة وتناظر هذه الأبعاد مع كل ما يحدث في الكون حين يكون مجردا منها، وماذا سيكون حالته حين يكون مجردا من قيمتها المعنوية التي تستدل بها من خلال دلالاتها الحية ، أي أنه يحاول أن يأخذ البعد الكوني في فكرته لكي يوسع دلالاته، التي يريد أن يعطيها التسلسل في البعد البانورامي المتحرك وفق حركة الحياة ، ويتخذ الشاعر من الحلم في تركيب الدوال ، ويأخذ من الشجر البعد الدلالي الظاهر وبعدها يحاول أن يتخذ الأفق الذي يتحرك ضمنه، لكي يصل إلى ضفاف المعنى داخله في كل المراحل التي يعيشها أو عاشها، و يمازج ما بين حقيقة الحياة وتناظرها الحي مع الشجر كشيء مقدس ، وقد أستخدم فعل الإشارة لكي يأخذ مساحة تركيبة في تكوين جملته الشعرية، حيث تأخذ هذه الجملة المعنى حين يتعمق في دواخله ومدى اقترابها من قدسية الأشياء التي ينتمي إليها ، أن النص الشعري لدى الشاعر يتكون بين الدلالة الظاهرية وهي الشجر وبين ما يعيش في الباطن من معترك،يحاول أن يبني المعنى من خلاله ليكشف عن صوته الداخلي في سريالية التخيل الإدراكي في تكوين المعنى الداخلي ، وأستطاع الشاعر أن يلغي حدوث الانفصال بين الذات وصوتها و حركة الحياة الظاهرية ، بل جعل نصه يتمازج ويرتقي ويتطور حسب صوته الداخلي ، أي حافظ على جوهرية الفكرة لدية من عدم ابتعادها عن المركز البؤري الداخلي، وجعل الظاهر ينجذب إلى الداخل وليس العكس ، فهو يعيش الحياة مثل الشجر بتفرعها الظاهري، ويتجدر جذورها فيتفرع ويشظى ظواهرها الخارجية و يتجذر مع معناه الداخلي ،وقد أتخذ من الشجرة الدالة المعنوية ، لكي يبني هرم نصه وفق منطق الشجر ، لهذا يحاول أن يرسم أبعاد النص وفق قدسية الشجر ووجدوها الكوني حتى في السماء الثامنة ، ويتخذ من هذا البعد الأشاري على قيمتها الحية، أي تلازم الشجر مع الحياة كأنها انعكاس كامل لها ، لأن حين تتجرد منها تنتهي الحياة  (القُدّاسُ المُتواري /خلفَ تراتيلِ الفيروزِ المعقود ِ /على جيدِ الذَّاكرة ِ…/ووقعِ لآلئِ المطرِ المرتطمِ، /بأجنحةِ الطُّوفانِ / نحوَ سماءٍ ثامنةٍ /أنبتَ أشجارَ شموع ٍ /تتقدُ كما تتقدُ العينانِ الحالمتانِ، /فاغرةً قلبَ اللهفة ِ /لوجهِ الأسطورةِ ) فهو يأخذ البعد الأسطوري في تطلع الإنسان فيه إلى فكرة الوجود، بعد أن أوصل الشجرة إلى ظاهريتها يبدأ التعمق في داخله لكي يوازي البعد الكيفي ما بين دالته (الشجر) وأعماقه التي يكشف عنها من صراعه الداخلي ، حيث يرتد إلى ذاته ( أيعقل أني) ينمو صوته الداخلي على ظاهرها و يشظي ناقوسا، أو أن صوته الذي هو الذي يتبعه ويرتب إحساساته الشعرية وفق طاقة هذا الصوت ، وأن قصيدة الشاعر تكون ذات مستوين متوازين مستوى الظاهري مع المستوى الباطني ، ويكون المستوى الباطني هو الذي يحرك الظاهري، وأن النص لديه يعتمد الإيقاع الداخلي الذي يتوازي مع والإيقاع الظاهري ، لهذا تحتاج نصوصه إلى تأمل المتقارب في فهم المعنى لكي لا يختلط أو يؤدي إلى الفهم والإدراك السطحي لنصوصه، أو تكون كل على حد وتكون منفصلة عن بعضها ، كما يجب أن نفهم نصوصه على أنها نصوص تعتمد النص المزدوج الصوتي ما بين ظاهر المعاني وداخلها ، فهو يكون النص من خلال توسع عالمه الداخلي وقد أتخذ من أبعاد الشجر النافذة، التي يتوغل من خلالها إلى مساحات ذاته، ونجد صوته الداخلي في الظواهر التي يعملها ، مرة يطوف ومرة يجيب على الشوارع ويكتشفها ، ونحن أمام نص الظاهر يبين عمق الباطن بطريقة الكشف وتمازج الكلي معه ، ولكي لا يحدث الانفصال بينهما يمشيها على مهل (إذ يتشظى ناقوساً للدهشةِ فيَّ : /أيُعقل ُأني /أطوفُ بكلِ الجزر البكرِ، /اكتشفُ المرجانَ ، الفيروزَ؟/وأجوبُ شوارعَ تمشي فيَّ /على مَهلٍ ) ويستمر بطريقته الخاصة بكتابة نصه الشعري ، حيث يمثل الباطن الإشعاع المؤثر على حركة الظاهر منجذب نحوه ، ما يجعله يبقى متوازيا مع جوهرية الفكرة للنص ، حيث نلاحظ هذا من خلال تأكيده على ما يحدث له حين يعمق في داخله من تصاعد الإيقاعات التي تسبب هطول العرق ومن خوفه الذي يؤدي إلى رعشة كفه ، وبعدها يخرج من داخله ليوازيه مع الظاهر، ويعتمد الصوت الخارجي ( صوتك يجلس قربي يعانقني) ، ونشعر أنه يعيش مواسم ذاته في كل أبعادها التركيبة الدلالية ، فيغب برعشة الضوء ويعيش الإغفاءة بين الفينة والفينة ، ويصبح المعنى الداخلي هو الكاشف ، و يتسع إلى حد كشف الظاهر لكي لا تحدث الفوضى وتتحول التيجان إلى أحذية مرمية بسبب غياب المعنى و تحوله إلى معان هامشية وفوضوية (تتصاعدُ إيقاعاتُ هطولِ العرقِ المتفصدِ /من خوفي … /من رعشةِ كفي وهي تلامسُ /صوتَكِ ، يجلسُ قربي يعانقني /أمسكهُ فأغيبُ برعشةِ ضوءٍ /طوبى ، طوبى ، طوبى …./أغفو بين الفَينةِ…/الفَينةِ…/أُبصرُ هالتَكِ سفرَ نبوءة ٍ/فالتيجانُ… أحذية ٌمَرميَّةٌ ،/العرباتُ الملكيةُ، /ركامٌ مفتوحُ العينينِ … /على أرصفةٍ أوقفَها / ترتيلُ الشيطانِ عن الجَرَيان ِ.) هو بهذا يعيد كشف كل ما ينمو حوله من هدف دلالي في استعارة الرمزية التكوينية في قصيدة التكوين الدلالي، فيؤكد أن كل شيء حوله سوف يكون بدون المعنى إذا لم يشكل الداخل هو صوته الحقيقي في جوهر الدلالة المعنوية بالارتقاء بالحياة ، يؤدي هذا إلى تراتيل شيطان ، و سيسقط العالم الخارجي من دون التمسك بالصوت الداخلي ، وسوف تأخذ المعاني إلى غير حدودها الحقيقة ، لهذا يجب أن يصبح الظاهر هو الإشعاع الدلالي للداخل في كل تحولات النص .

ص 53 نص (شجرُ الدَّوَران )

(الحياةُ… /التي سلَّمتْنا لغُربة ِ /رَحمٍ كبيرٍ /لما تزلْ تسيرُ بأغصانِها /لسماءٍ أكثرَ زُرقةً /نتساقطُ أرضا ً /غيرَ آبهينَ بجذوةِ الجمرِ المشتعل ِ /بين ثنايا الأمنيات ِالتي تناثرتْ /مِن على شَجرتِها إيذاناً، /ببقاءِ الأسلاكِ الشائكةِ /وهي تشدُّ بقايا مِزَقِ لحومِ الضوءِ /العابرِ فوقَها في أطرافِ فَرحة ٍ /لم تُولدْ بعدُ /من ليلٍ أُتخِمَ بفقدِ النجومِ /حدَّ العَطب ِ /لا ثقبَ في سقفِ الغرفةِ /لا غصنَ يدخلُ ليشيرَ إليَّ /أسمعُ آلافَ الأصوات ِ /تتزاحمُ كالنَّملِ على وجهي : / هوَ ذا … هوَ ذا /اصعدُ جذعَ جدارِ السنواتِ العارية ِ،/إلّا من أسلاكِ الفقدِ /واهبطُ ثانيةً /بيَديَّ الحجرُ النابض ُ ، /يُذكّرُني ، /بتَواريخِ الجمرِ …)

الدلالة الرمزية

يستمر الشاعر باتخاذ من الشجر الدلالة الرمزية التي عن طريقها يعيد تكوين التأويل وفق طاقة التخيل ، واستدراجها الصوتي في لسانية بصرية الفكرة التي يريد أن يضمنها نصه ، حيث يتخذ من الحياة التي تتجمع وتتكون في البؤرة النصية الموصلة إلى المعنى الحي برمزية الشجرة ، ففي نصوصه السابقة يتخذ من الشجرة المفتاح التقويمي الرمزي الذي يدعم تكوين النص عنده وبعدها يتشظى حسب موقعية الحياة داخله ، أما هنا فيتخذ من الشجرة المركز البؤري في رؤيته إلى الحياة ، ومن ثم يجعل من أبعاد الشجر الداعم لتركيز المعنى وثباته باتجاه الدالة التي يريد أن يوصلها ، و يتخذ منها بعدا توجيهيا لكي لا يبتعد عن البؤرة المركزية ، وهذا ما يعطيه القدرة على التموضع التناظري مع جوهرية الفكرة المرتبطة مع الرؤية الذهنية التكوينية في الاستدلال، و يأتي هذا من خلال سلسلة من المرئيات البصرية التي تحكم النص، وقد أتخذ الشاعر من الرؤية الوجودية في كيانية الإنسان كدلالة معنوية، وجعل من الحياة هي الدالة الكبرى التي تعطي البعد البؤري من ثم ربطها مع التعبير التأويلي للشجرة . هو لا يسلك نسقا واحدا في شعرية نصوصه، وحتى وأن كانت الشجرة هي المركز البؤري لهذه النصوص، حيث يستدرج التشظي في المعنى من ثم يجمعه في البؤرة المعنوية لكي يستمر بإعطاء التأويل وفق هاجسه الداخلي ، أي يضفي المعنى على الخارج حسب قيمة الحياة واقترابها من تصوره الذهني ، وقد أتخذها الأفق الذي يتشظى فيه ، وحول الشجرة إلى الإشارة ، و أستخدم الدالة والمدلول لعنصر الحياة داخله بتأمل فكري باطني من أجل أن يشرك كل مسميات مع بعده التنظيري في الكتابة ، فهي الرحم الكبير وأغصانها المتفرعة في كل جوانبها الحية . فيترادف بالتسلسل المعنى الباطني لفكرته حسب تحسس ذاته،التي تحرك المسميات وتوهجها وتشظيها داخله، غير أبه بالجمر المشتعل من أجل الوصول إلى الأمنيات، ومع هذا عليه الوصول لهذه الأمنيات رغم الأسلاك الشائكة ، ويسعى من أجل أن تولد الفرحة داخله (الحياةُ… /التي سلَّمتْنا لغُربة ِ /رَحمٍ كبيرٍ /لما تزلْ تسيرُ بأغصانِها /لسماءٍ أكثرَ زُرقةً /نتساقطُ أرضا ً /غيرَ آبهينَ بجذوةِ الجمرِ المشتعل ِ /بين ثنايا الأمنيات ِالتي تناثرتْ /مِن على شَجرتِها إيذاناً، /ببقاءِ الأسلاكِ الشائكةِ /وهي تشدُّ بقايا مِزَقِ لحومِ الضوءِ /العابرِ فوقَها في أطرافِ فَرحة ٍ /لم تُولدْ بعدُ ) و يجعل المعنى ودلالته هي من تحرك الرؤية البصرية التي تعيد كشف الاستعارة المقاربة إلى رمزيته ، و يضمنها مسميات ذاته إلى حد تتطابق هذه المسميات مع المسميات الخارجية لكي يبتعد عن الرموز المبهمة والبعيدة عن المنطق الدلالي ، وهذا ما يجعل النصوص لدية قادرة على أحداث التأويل المؤثر في فعالية تكوين الصورة الشعرية ، و مسك الدلالة السيميائية في رموزه كما يجعل هذه الرموز ذات طاقه فعاله، لتجمع الأنساق الذهنية التصورية ، ضمن آفاق رؤيوية متطابقة مع رؤيته للحياة وقيمتها المعنوية المتمثلة بالشجر ، فيتخذ تفرعات الشجرة وما يشير إليها من أغصان ويرتقي بها إلى المعاني التصورية في فكرة الأنساق الدلالية المتشظية والمتمركزة في التوحد العضوي للنص، ونشعر أن النص لديه بقدر التشظى الدلالي يجتمع بالمعنى الواحد في الثيمة التي يريد أن يكونها في كل نصوصه، و يسمى الأشياء بأسمائها ، ومن ثم يعيد تكوين نسقها الدلالي حسب نسق مسمياته ، وهذا ما يجعل نصوصه متوهجة لا تخفت في نهايتها بل تتطور وتتكاثف اتجاه فكرة النص ويفعلها بالإشارة المعنوية التي تقارب التأويل في تكوين النص ، فبعد أن أشار إلى الليل الذي يكون شديد أسود، والذي أشار إليه من خلال التواصل الدلالي من تخمته بفقد النجوم ، إلى حد تنعدم الرؤية فيه ولكي يؤكد أنه لم يفقد الحياة من خلال دلالة الأصوات التي يسمعها ، وقد يشير هنا إلى غرفة المعتقل حيث لا ثقب في سقفها وشديدة السواد وتنعدم الحياة فيها إلى حد فقدان الرؤية ولا شيء يشير أنه مازال حي إلا الأصوات ، ولهذا يشعر بأسلاك الفقد قد تكون أسلاك التعذيب ، والإشارة هنا إلى جذع جدار السنوات العارية لأنه تذكره بتواريخ الجمر أي التعذيب ، ولم يبق في ذاكرته إلا سنوات التعذيب ،لهذا يبقى ماسك بالحجر النابض وهي أشارة حيه إلى إصراره على الحياة (من ليلٍ أُتخِمَ بفقدِ النجومِ /حدَّ العَطب ِ /لا ثقبَ في سقفِ الغرفةِ /لا غصنَ يدخلُ ليشيرَ إليَّ /أسمعُ آلافَ الأصوات ِ /تتزاحمُ كالنَّملِ على وجهي : / هوَ ذا … هوَ ذا /اصعدُ جذعَ جدارِ السنواتِ العارية ِ،/إلّا من أسلاكِ الفقدِ /واهبطُ ثانيةً /بيَديَّ الحجرُ النابض ُ ، /يُذكّرُني ، /بتَواريخِ الجمرِ … )ويحاول هنا أن يبن قدرة الإنسان على التمسك بالحياة رغم ما يلاقي من اضطهاد ، لهذا يصعد جذع الجدار للسنوات العارية من المعنى ، و يتمسك بالقيم التي ينتمي إليها مهما كانت الظروف حوله ، ويبقى ماسك الحجر النابض ، رغم أنه يذكره بتواريخ الجمر لأنه جزء من حياته ، لبين مقدار اعتزازه بحياته وتمسكه بها..

 ص92 نص (شَجرةُ الأشواكِ)

(الأشواكُ التي …/نبتتْ على هامتِكَ /أحنتْ رؤوسَها /لتوغلَ فيكَ /خناجر َظمأٍ /وأنتَ تمنحُها جسدَك /خُبزاً /أيَّها الجليلُ /رأسُك /مثقلٌ بنبالِهم …/وعيناكَ ترنُوانِ /إلى السَّماءِ /وصغارُكَ الثاوون /في الرِمالِ /تسحقُهم حوافرُ الرثاءِ …/انفض رداءَك /تمتلئُ الأرضُ حولَك /حَدَقَاتِ ذئابٍ / ألقِ عصاكَ /ستلقفُ كلَّ من ألقى الحجارة َ/في عينِ بئرِك /كلَّ مَن … …/تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ )

معنى متغير

الشاعر هنا يتخذ من المعنى المتغير للشجرة كي يعيد تكوين فكرة الرؤيا ، التي تمد تصوره الإدراكي والانفعالي من أجل ينمو النص لديه ، وفق تجاذب المعنى المتغير وحسب إحساساته الوجودية لكي يقارب الاستعارة ، وحسب انزياح الرموز التي تشير إلى المعاني الداخلية التكوينية لفكرته ، من أجل بناء النص وحسب الترابط الرؤيا وتوحدها ، لكي يحقق البؤرة المركزية الاستدلالية التي تعطي إلى المعنى الإيحائي بُعد توهجي يتصاعد حسب نمو النص وأتساع الرؤيا فيه ، وأستخدم الأشواك كبعد دلالي لكي يبين حجم الوجع والوخز الذي يسبب الألم ، وهذا لا يستدعي الانحناء والركون لهذا الألم لأنها مهما تكون سوف تنحني لقوة وصلابة الإنسان من الداخل وعدم قدرتها على هزيمته ، مهما توغلت فيه، وهو يريد أن يعطي الدالة التي تحكم مدى الإنسان الذي لا ينهزم ويبقى متمسكا بأيمانه ، قد بني فعل الإشارة إلى هذه الأيمان من خلال العيون التي ترنو إلى الأسماء، و لا يمكن أن ينهزم الإنسان وهو متمسك بأيمانه وقدرته على تحمل كل الخناجر التي تطعنه (الأشواكُ التي …/نبتتْ على هامتِكَ /أحنتْ رؤوسَها /لتوغلَ فيكَ /خناجر َظمأٍ /وأنتَ تمنحُها جسدَك /خُبزاً /أيَّها الجليلُ /رأسُك /مثقلٌ بنبالِهم …/وعيناكَ ترنُوانِ /إلى السَّماءِ) وفي نفس الوقت يؤكد أن كل هؤلاء الذين يحاولن أن يحققوا نصرهم من خلال هزيمة الإنسان هم من يهزموا ، مهما كانت نبالهم تثقل رأسه ، ومن أجل أن يغير فكره الذي ينتمي إليه ، وهذا الأفق الدلالي الذي يشير إليه هو أن الإنسان الثابت في أيمانه وفكره لا يمكن أن يهزم،و عليه أن يصر على ما يؤمن به ، ، لأن مهما كانوا سوف ينكشفون ويعرف من حاول أن يؤذيه وسوف يعرف من ألقى الحجارة في عيون بئره (وصغارُكَ الثاوون /في الرِمالِ /تسحقُهم حوافرُ الرثاءِ …/انفض رداءَك /تمتلئُ الأرضُ حولَك /حَدَقَاتِ ذئابٍ / ألقِ عصاكَ /ستلقفُ كلَّ من ألقى الحجارة َ/في عينِ بئرِك /كلَّ مَن … …/تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ ) وسوف يبقى ثابت رغم أنهم سيحاولون أن يصدونه عن أيمانه ، ويستمرون بالكذب والافتراء عليه (تلقف ما يأفكون) أي سوف يعلم ويعرف كذبهم وما يحاولن أن يصــــــــدوه عن الحقيقة التي ينتمي إليها ، ويبقى ثابتا رغم كل هذا لأن في النهاية هو من ينتصر عليهم وتمتلئ الأرض حوله ويربح النهاية حيث يلقي عصاه .

الشاعر سعد أستطاع أن يكون الرمز من خلال التدرج بنمو المعاني التي تحقق الاستعارة الفهمية التكوينية ،فبقدر ما موجود من تشظي المعاني داخل جوهرية النص، ويجمعها باتجاه البؤرة المركزية لكي تبقى نصوص متوهجه ومؤثرة على القارئ ، لأنه بقدر يدعم هذه النصوص بحسه العاطفي الانفعالي الرؤيوي ، يمزجها مع فكرته الدلالية ضمن تأمله الباطني في قيمة المسميات واقترابها من مسمياته ، أي أنه لا يتجاوز على الواقع بقدر ما يعيد أكتشافه من أجل أعادة صياغة معناه لكي يرتقي به إلى معنى حركة الحياة الحقيقة، و لا يبني نصوصه وفق تراكم الجمل بقدر ما يجعلها تتناسل مع بعضها ، لكي تبقى محافظة على توحدها العضوي ضمن فكرته ، وعلى أسس قابليتها على التأمل والتخيل لكي يحقق التراسل بين نصه والقارئ .