القاصة والروائية إيناس البدران: الذاتية ونزعة الترصّد تحاربان المشاريع الثقافية

القاصة والروائية إيناس البدران: الذاتية ونزعة الترصّد تحاربان المشاريع الثقافية

حوارها: رزاق إبراهيم حسن

ايناس البدران اسم تقف وراءه سنوات وسنوات من المجموعات القصصية والرواية والترجمة والحضور الفاعل والمؤثر في الوسط الثقافي وفي حضور المرأة الاديبة والمثقفة في هذا الوسط وهي على أساس ذلك غنية عن التعريف ولأنها كذلك فقد كان الحوار معها حوارا عن هذا الوسط ودورها فيه فكيف تقرأ الواقع الثقافي وما هي انطباعاتها عنه؟ ويجيب عن هذا السؤال

{ هناك ثمة بديهية لابد من الالتفات اليها مفادها ان الثقافة كيما تنمو وتزدهر تستوجب وجود أجواء سلام وفضاء من الحرية والديمقراطية ، ووسطنا الثقافي – عدا مرحلة الستينيات التي شهدت استقرارا نسبيا وبيئة خصبة هيأت للريادة الشعرية وبشرت بنهضة من نوع ما أقول ان ذلك الوسط الثقافي للأسف مازال نتاج جهود فردية ومجاميع يتحلق بعضها حول بعض تطغي على علائقها في الغالب النزعة الذاتية و الشللية والترصد ومحاربة الاخر صاحب المشروع الحقيقي ، ناهيك عن نكران الجميل ، وهنا نشهد علتين الأولى الخلل في رسم العلاقة ما بين الأجيال الثقافية مع بعضها والثاني عدم تشكل ملامح الجيل المعاصر بصورة سليمة وموضوعية حتى لتجد هذا في ابرز منظمة ثقافية تخص الكتاب والادباء الامر الذي دفع بأصحاب المشاريع الجادة الى تشكيل منظماتهم الثقافية بعيدا عن المزاجية والتسلط ، مع ملاحظة اهمال واضح من قبل المؤسسة الثقافية الرسمية التي لم نر منها غير الوعود التسويفية والحلول الترقيعية والفعاليات الاستعراضية ، وكل هذا لا يمكن ان يشكل بناء ثقافيا رصينا ومتينا .

– ولخلق حراك ثقافي شامل يتطلب تشخيص الأولويات ولعل في مقدمتها مسألة إعادة بناء البنية الثقافية ممثلة ببناء شبكة من المراكز الثقافية ومراكز البحث الاستراتيجي والنهوض بمشكلات صناعة الكتاب من خلال إيجاد مؤسسات عملاقة للنشر والتوزيع قادرة على النهوض بمتطلبات الزخم الثقافي الكبير ، ونحن في امس الحاجة لمد جسور التواصل بيننا افرادا ومنظمات مجتمع مدني و مؤسسات رسمية ثقافية من اجل خلق منهاج ثقافي حيوي متفاعل وصولا الى تنمية ثقافية راقية .  وتبرز اليوم الحاجة الماسة لرعاية المبدعين والمثقفين ودعمهم ماديا ومعنويا اغناء لتجربتهم وحفظا لكرامتهم ومكانتهم لاسيما أوقات العجز والمرض عبر انشاء صندوق للتنمية الثقافية ومن خلال تشريعات تصب في هذا المجال كقانون رعاية الرواد وقانون التفرغ وقانون حماية الملكية الفكرية والحقوق المجاورة وغيرها من التشريعات الضرورية لتنظيم الحياة الثقافية والأدبية في العراق .

{ بالرغم من انفتاح أبواب واسعة امام المرأة فان الساحة الثقافية لم تكسب اديبات مميزات بالعدد الذي يرضي الطموح ، هل يعني ذلك غياب النوعية الإبداعية ام ينبغي الانتظار ؟

– المبدعون في كل زمان ومكان يشكلون النخبة التي يفترض ان تجمع بين الثقافة والموهبة والتجربة ، وهم عملة نادرة في كل زمان ومكان ، وفيما يتعلق بالعطاء النسوي الإبداعي فانه يعاني شح لأسباب معروفة ناهيك عن ان الابداع يحتاج الى تربة خصبة لا تعطي ثمارها وسط الاضطرابات والفوضى اللاخلاقة والتقاطعات وإلغاء الاخر ، أحيانا لا نجد في محافظة كاملة سوى اديبات معدودات ذلك ان المبدعة مسوّرة باللاءات والتابوهات والخطوط الحمر التي تحد من اندفاعتها وقدرتها على العطاء ، وعموما تظل المبدعة شأنها شأن المبدع بحاجة الى دعم واهمام خاصين كيما تقدم ما يوازي الطموح ، ولا نأتي بجديد اذا  ما قلنا ان مقدار رقي وتقدم أي مجتمع يقاس بمقدار ما تتمتع به المرأة من حقوق وحريات تمكنها من ممارسة دورها بالشكل الصحيح. ومازال مجتمعنا حتى الان ينظر بعين الريبة والاستصغار للمرأة وكل ما ينتج  عنها وتحكمه تقاليد وأفكار متخلفة عفى عليها الزمن وكل هذا انعكس سلبا على عطاء المرأة المبدعة .

{ عملت في اتحاد الادباء رئيسة لمنتدى نازك الملائكة لعشر سنوات متواصلة ، ما الذي اضافته لك هذه التجربة ، هل اثرت بك وكيف ؟

– جاءت فكرة تأسيس المنتدى كمقترح قدمته لرئيس الاتحاد الناقد فاضل ثامر والأمين العام الشاعر الفريد سمعان في حينه بعد التشاور مع الاديبتين نعيمة مجيد وأطياف إبراهيم  ، ايمانا بضرورة منح المبدعة فرصة اكبر لإبراز منجزها ولممارسة حقها في خلق ثقافة عراقية جديدة اسوة بزميلها الاديب ، ولاقى الاقتراح القبول والدعم منهما . ولاشك ان أي عمل اداري غالبا ما يستنزف جلّ طاقة المبدع ووقته وقد يأكل من جرف ابداعه حين يكرّس جهده لخدمة غيره في عمل تطوّعي يعدّ وساما  يفخر به ، ولا ابتعد عن الحقيقة اذا ما قلت بأن هذه النشاطات مدتني بخبرة متراكمة وأغنت تجربتي الإنسانية ووسعت صلاتي بالوسط الثقافي والادبي والإعلامي فضلا عن ان الاهتمام بالمنتدى منحني الفرصة لتسليط الضوء على عطاء المبدعة العراقية في كل مكان وعلى احتضان الأقلام الشابة واستذكار الرائدات ، كل هذا عبر ندوات عديدة وورش ثقافية واحتفاليات ومسابقات أدبية ، وجلسات القراءات والدراسات النقدية وإصدار مجاميع مشتركة في القصة والشعر او بالتعاون مع وزارة الثقافة متمثلة بجائزة نازك الملائكة للأدب النسوي ومع منظمات ومراكز ثقافية عالمية مرموقة كمعهد غوته الألماني والمركز الثقافي الفرنسي .

{ بين الادب والنقد ثمة مد و جزر ، ما أهمية النقد للأديب ؟

– النقد معمل القراءة ومقياس صحي وموضوعي لبلاغة المكتوب ودرجة الابداع والتجديد فيه ، وهو نتاج محايث للنص يعقبه ويسير بالتوازي معه ، ولا نكتم سرا اذا ما قلنا ان النقد في العراق تحديدا يعاني من الخمول النسبي وهو عموما يعدّ ناقلا يتأثر بالوارد من المدارس النقدية الغربية اذ يحاول في الكثير من الأحيان حشر النتاجات الأدبية ذات الصبغة المحلية في قوالب غريبة عنه او تطويعها  لمناهج يأبى الابداع الحقيقي الخضوع لها كونه قائما على التجديد والتجريب والابتكار . مازال هناك من ينصّب نفسه وصيا على النص في محاولة لإخضاعه لمعاييره الشخصية الامر الذي يغمط النتاج الإبداعي حقه ويحدّ من انطلاقته وهو امر تجاوزه النشاط النقدي العالمي منذ عقود . والسائد على الساحة اليوم من النقد التقليدي بمفهومه الانطباعي او حتى الاكاديمي لم يعد يجاري التحولات العميقة التي حصلت في النتاجات الابداعية العراقية بكل الوانها ومتابعة ما يجري على الساحة الأدبية ويسلط الضوء الكافي على كل ما يصدر بالشكل الذي يرضي الاديب .

{ من المعروف انك في الرواية تناولت موضوعا تناولته العديد من الروايات العراقية ، هل هناك تميز عنها وكيف ؟

– لاشك ان ما حلّ بالعراق من أزمات انعكس بصورة او أخرى على ما قدمه الاديب من منجز فهو الشاهد الإبداعي والمرآة الصادقة لعصره وان كتب بذاتية خالصة . في الوقت ذاته لا نغفل التغيرات والتحولات التكنولوجية والاقتصادية التي حولت العالم الى قرية صغيرة او جهاز نقال يحفظ في الجيب فالتأثر وارد بما يجري حولنا حتى في الادب اذا ما روعي الحفاظ على خصوصية النص المستمدة من عمقه التاريخي والميثولوجي ونبضاته المحلية فالأشجار لا تعلو الا  بعمق جذورها ، بعيدا عن التعصب والانحياز والنظرة المحدودة الضيقة التي تحيد بالأدب عن هدفه الاسمى وسماته الإنسانية التي تعبر حدود الزمان والمكان .

ذاتية الخيال

في روايتي ” حب في زمن الحرب ” وكذلك ” بنات آل سلطان ” غرفت التفاصيل واستلهمت الشخوص من واقع معاش باعتمادي أسلوب المزاوجة بين ذاتية الخيال وموضوعية التاريخ فكل منهما استندت الى احداث واقعية مرت بها البلاد وقاست ما قاسته فيها ما يمكن وضعها في خانة ما يسمى بالمخطط التاريخي لما وراء الرواية وهذا اللون الروائي يفتح معبرا ما بين الماضي والحاضر من خلال نبش الماضي وربطه بعلاقات دالة ومؤثرة في حاضر قلق متأزم مسلطا الضوء على اشخاص عانوا الاضطهاد والكبت وطمس الهوية ، فهي تعكس الذات الإنسانية بشكل مكثف في الوقت ذاته يعيد تقديم السياق التاريخي ، وهذا الادب جاء ليفتح بابا على الماضي ومنعه من ان يكون مزيفا او غائبا او مراوغا ، هو نفق زمني يعيد اكتشاف المدوّنات التاريخية .

{ بعد اصدار كل مجموعة قصصية او رواية هل تضعين خطوطا ومؤشرات مجموعة او رواية أخرى ؟ وهل يمكن من خلال ذلك التعرف على مسارك وتطورك ؟

– في الادب انت لا تستطيع ان تقول شيئا الا اذا كان لديك ما تقوله ، فالكتابة الحقة اعني التي تعيش طويلا بعد صاحبها لابد ان تتبنى موقفا شجاعا مؤطرا بوعي متقدم عبر مواكبة ما يجري من دقائق وتفاصيل الحياة المعاشة واجتراح أدوات تعتمد في كل مرة الابتكار والتجديد بعيدا عن الاستنساخ والتقليد . ولعل القراءة الإيجابية او الجزء اللامرئي من الكتابة هي أيضا تساعد الكاتب على ممارسة دور النحلة  في الطواف على منابع الرؤية في حقول الادب والثقافة والميثولوجيا وغيرها من الفنون ، وبالتالي تمكنه من انتاج عسله الخاص عبر إعادة انتاج المقروء والواقع المعاش من منظوره الخاص ووفق رؤاه بما يفتح في كل مرة آفاقا جديدة ويحرر المقروء من حدود مفترضة متسلحا في الوقت ذاته بما اسماه اليوت بالنقد الخلاق والاصيل او ” نقد الادباء ” النابع عن وعي وثقافة النقد الذاتي .

{ دخلت الكثير من النساء ميدان الشعر ولم تكسب القصة ما يساوي ذلك ، كيف تفسرين هذه الظاهرة ؟

– مع كل الجدل الذي اثير حول الشعر وقيمته في حياة العرب والعراقيين على وجه الخصوص وخلود مقولة انه ديوان العرب ، غير ان ذلك لا يخفي حقيقة أهمية السرد المؤكدة بما يضاهي الشعر ان لم يتفوق عليه أحيانا ، نعم هناك غبن وقع على النثر العربي بسبب من هيمنة الشعر لسهولة حفظه وسرعة وبلاغة تأثيره في سامعيه الامر الذي يحيلنا الى حقيقة قلة القراء على مرّ العصور وهو ما أصاب كتّاب هذا اللون الادبي البديع بخيبة امل حدّ ان البعض منهم تحول الى نظم الشعر بألوانه العمودي والتفعيلة والحر ، لاسيما ان ما يحققه الشاعر من شهرة واهتمام عبر قصيدة يلقيها على المنبر يعادل جهد عام يبذله القاص او القاصة.

{ الذي يقرأ قصصك ورواياتك يشعر باختلاف بين لغة الرواية ولغة القصة ، هل يصح ذلك وكيف ؟

– في الرواية والقصة مازالت اشعر انني بدأت للتو وأن الاجمل لم يكتب بعد فهناك الكثير مما اود قوله وعموما  فان الرواية تقول شيئا لا تقوله الا الرواية ، هي عالم يتسع لكل شيء ذلك انها تمنح كاتبها المساحة التي يحتاجها للتعبير عن انثيالات الأفكار ونوازع النفس البشرية مثلما تمكنه من التغلغل في أعماق التاريخ والحفر عبر الطبقات الزمنية والحقب المختلفة وولوج العوالم السحرية اللامرئية وكل ما هو مسكوت عنه عبر هدم الواقع وإعادة بنائه على الورق مع اعتماد الموقف التأملي الذي يزاوج بين الوقائع والخيال ومخزون الذاكرة .

 ان فضاءات السرد الشاسعة تبدو اكثر استجابة وقدرة من سواها على استغوار بواطن الحياة الإنسانية بكل تفصيلاتها وتعقيداتها الامر الذي يتطلب من القاص إحساسا   عاليا بحركية الحياة ونبضها المتجدد وقدرة على استيعاب الاحداث ونزعات وتجليات الابطال.

القصة القصيرة شبهت بضربات فرشاة لرسام على جانب من اللوحة في حين تفترش الرواية اللوحة برمتها ، لذا يصح معها التركيز على بطل واحد والتكثيف في اللغة والوقائع والمفارقات وحسن توظيفها مع ترك مساحة كافية للصمت .