ما روته النخلة ـ أنور عبد العزيز

Print Friendly

ما روته النخلة ـ أنور عبد العزيز
لا تسألوني وبالدقة التي تريدونها والكشف المثير وجلاء مخفيات الأسرار ومسبباتها.. فما كنت واعياً يومها لأحوال ذلك الزمان.. ولكنني أحببت معلمي..
البلدة المخنوقة بجدار من جبال عاتية لدولة من جهة الشرق.. تمتد صحراء الرمل فيها بعواصف حارقة لتوصلها في البعيد بهور واسع يبدو بلا نهاية، لذا ظلت تعاني من عزلة موحشة لم تجد أي مسرب لأنفتاح على الآخرين..
بلدة نهر الكلال الهائج بجنونه وتدميره شتاء والخانع بهجوعه وضحالته صيفاً.. من متفرعاته تمتد شاخات مأوى القصب المتطاول وكل نبت شيطاني ومن الخنازير الحافرة المخربة لخير الأرض.. ومغاور الأفاعي والعقارب السفلية في عميق الرمل والطين تعلوها أوكار وأعشاش أحلى الطيور الملوّنة وبكثافة لطيور الخضيري..
بلدة الملاريا والبلهارزيا والتراخوما والجرب والسل وفقر الدم وبنسبة فائضة من عيون عور ما كان لها أن تتشوه لو مرت عليها مسحة من نظافة وقطرة دواء.. كل أمراض الدنيا تآمرت وطاب لها أن تستوطن البلدة المنكودة المستضعفة والتي عاشت كل دهورها مع أشرس هجمات البعوض والعناكب والجرذان وبأحجام تبدو غير عادية ومن مخصوصات هذه البلدة التي تعرف فوراً وبلا صعوبة ملامح أهلها من صفرة وجوههم وعيونهم وهزال أجسامهم وانخساف البطون.. البلدة في نصفين حي الأهالي وهم الأكثرية وحي الموظفين.. يفصل بينهما الكَلال.. وتسمية الحي للموظفين تبدو سخيفة ومضحكة فما هو إلاّ عدة دور مفردة متباعدة متسلسلة حسب أقدار شاغليها القائمقام، مأمور مركز الشرطة، ضابط التجنيد، مدير النفوس، مدير التحريات، وبيتان وثلاثة لجواسيس الدولة.. مع بيت سمحوا به لعريف شرطة لشطارته في كشف القتلة واللصوص وتأديبهم بعد مداولات طويلة لأحقيته من عدمها مع مركز اللواء..
تلك سنين خلت.. كنت في الابتدائية وكان معلمنا سعدون بشار.. أسمر أميل إلى النحول.. كنا نحبه فرغم عصبيته ومشاكساتنا لم يلهب أصابعنا وأيدينا بعصا رمان كاوية أو يشدنا فلقة.. المدير هو من كان ينتشي بتعذيبنا كلما ارتفع وصخب صوت بكائنا ونحن نفرك يداً بيد وقد أحرقهما سعير عصاه الهوجاء ببراعمها الناتئة المتيبسة.. معلمنا لم يكره أحداً.. المدير هو من كان يتلذّذ بكراهية واحتقار الجميع.. لم نسمع معلمنا يكذب يوماً وكل مقولات المدير ونصائحه الملفقة المكذوبة كانت مخادعة، وعينا ذلك عندما صرنا في الثانوية.. بلدة الملح والماء المر والخنازير صاروا يسمونها بلدة المجنون أو بلدة الفيلسوف . بعد سنين صار أسمها معاكساً ملصوقاً بمعلمنا وصفة عليه مجنون البلدة أو فيلسوف البلدة .. كنا نغضب وننزعج حد المعاركة وشتم من يسيء إليه بالصفة الكريهة، أما حكاية الفيلسوف وروسّو فلم نفقه لها معنى إلا بعد عمر.. ما كان يؤذينا ويحزننا أكثر أن الغرباء عن المدينة الوافدين إليها وهم ندرة ما أن يصلوا البلدة حتى يسألوا عن أخبار مجنونها.. الأهالي كانوا يستنكرون صفات بلدتهم عندما تصدر عن الغرباء بلدة الملح والماء المر والخنازير والمجنون، يرفضون ويسقطون الصفات الثلاثة ويعطون أذناً طرشاء للرابعة فهي عندهم وصمة أشبه بالحقيقة.. زيارة الوافدين الغرباء رغم فرديات أعدادهم وأيامهم المحدودة فيها كانت تؤذينا عندما تتصل ثرثرات أحاديتهم بحكايا معلمنا ورغم أن البلدة لا تحتمل زائرين لا يجدون فيها مأوى في نزل أو فندق.. يغادرونها بعد معاناة وتيبس ظهورهم لقضاء ليلتهم على تحت خشبي بارد في مقهى البلدة الوحيد وبوجبة طعام قاربت أن تكون حالة تسوّل ومع الصرخات الليلية الجماعية العاوية لبنات آوى تأتي هادرة من جهة الشاخات وكأنها عويل صاخب لمآتم كثيرة يضيع فيها صدق الحزن من كذبه… أهل البلدة يحتملون كل الطعنات والوصمات عندما تصدر منهم وعنهم، ويهيجون ولو بسماع كلمة ناصحة أو كاشفة مفسرة من الغرباء..
ما كان لمعلمنا أصدقاء ولكنه أحب وتعلق واحتمل أثنين فقط من كل البلدة المعلم قاسم وجعفر السقاء قاسم لطيبته ونبله وبشهرة الصدق فيه ومحبته لكل الآخرين واعتزازه بصداقة معلمنا رغم استغراب الجميع..
وجعفر تعاطفاً مع حالته وكدحه وبؤسه وغربته وغرائبياته وتوحده مع كوخ ليس
غير.. جعفر السقاء مهاجر من قرى الجوع الحدودية.. يسقي دور الموظفين فقط بالماء الحلو بتنكتين مربوطتين بعارضة خشبية صلدة وحبل متين طالما ترك جروحاً وندوباً في أعلى كتفيه وما كان يأبه بذلك.. كان يؤذيه ويثير جنونه وغضبه العقارب.. يصفها بأرذل الصفات.. إذا اختفت أو شحّ وجودها في الشتاء، فأن برودة الماء والرطوبة وحباب الماء كانت تغريها حتى بالتسلق للأعلى والتسلل بمهارة عبر ثقوب وفتحات الأغطية الممزقة والتحايل على حافات الواقيات الخشبية ولو من جزء مخروم أو ثلمة صغيرة.. جعفر بعينه الوحيدة وقصره وساقيه القويتين المتصلبتين كحجر ويديه المرصوصتين وبقدمين كبيرتين مفلطحتين بأسفل أشبه ما يكون بجلد حذاء سميك منتزع من جلد فيل أو كركون.. جلدة الفيل ما أن تتحسس اهتزازة خفيفة تضرب ضربتها وتترك أعتى العقارب وأكثرها مراوغة وحيلة قد استحالت بعد لحظات وليمة شهية للنمل المتسارع في الوصول للضحية وعند التقاطه أولى منبهات الاستشعار العجيبة.. مرة بدا جعفر متألماً متوتراً مهمهماً مع نفسه أنا لا أغفل كنت منتبهاً ولكن صراخ طفل البيت شغلني ففعلت فعلتها بلدغة الحافة المحفورة من قدمي.. لم يتسلل غير قطرة وقطرتين من سُمّها استطعت أن أمتصهما قبل أن يتغلغلا ويتوغلا في شرايين دمي.. كنتُ صغيراً بعيداً عن جعفر بأمتار عندما رأيت ما يفعله… أصابني رعب وأنا أراه يخيط الفتحة الغادرة بلم جلدها السميك بأكثر من طعنة خيط مطلي بالشمع وكأنه يخيط جلد بسطال عتيق… دروس معلمنا كانت هي الأحلى والألذّ، لكن فرحتنا بمعلمنا كانت دائماً متقطعة.. فهو ما أن يستمر معنا لشهرين وثلاثة حتى ينقطع عنا لشهر وأكثر.. تركنا مرة طيلة موسم قطاف التمر فقد التحق بالبساتين صاعوداً لجني عناقيد التمر وعند انتهاء الموسم والعودة كان يشرح لنا عن حياة النخل والبساتين والفلاحين.. وهو كان يبدو لنا كعاشق امرأة عندما يصف جمال النخلة وارتفاعها وسمّوها وعثقها الذهبي وشعوره بالقوة والتفوق والاصرار عندما يتجاوز كربها صعوداً واثقاً من أمان الجلدة القوية التي تطوق ظهره وبالحبل الأقوى يرفعه مرحلة بعد مرحلة حتى يصل لقلب النخلة منعشاً عينيه بالصفرة الذهبية لعناقيد الخير والطعم الحلو ومتحسساً جهد الفلاح في تحصيل قوته وقوت الآخرين.. تحملت كل النخلات طريقة الصاعود الجديد ولم يتحسسنّ حيرته وارتباكه وهو يرتفع بصعوبة منقلاً قدميه على كربها معانياً من وخزات شوكات إسعافاتها وأرض كربها حالماً بعناقيدها الذهبية الممتلئة الشهية بنثارٍ من أشعة الشمس… أستشعرت النخلة وبتآلفها مع صاعود وأكثر لعمرٍ طويل أن من يتسلقها ويعتليها يمارس عملاً غريباً عنه، لذا آثرت أن تتقبل هذه المرة تخبطه ووقوفه حيناً ساكناً يكاد يتوقف وحتى مقرراً أن ينحدر مطمئناً لثبات الأرض، لذا فقد آنسته وحمته بحنان لتمكنه من قلب عثاقيلها وهي تعرف أن فمه لن يستطعم حبّة رُطب منها، وأن كل ما ستجود به عليه ستراه موزعاً على بيوت تلاميذه من فقراء البلدة تركنا مرة ثانية لمدة طويلة وعندما واجهنا صار يتحدث لنا عن حياة الرعي والرعاة.. قال أنتم هنا ولا تعرفون شيئاً عن حالة الأرض المنقوشة بخضرة العشب وألوان الأزهار.. ومع الأغنام الأليفة والأبقار الوديعة وجماليات الجداول والأنهار وموسيقى الطبيعة.. توقف كثيراً عند الطبيعة، وإذا كان تعاطفنا معه وتفهمنا حديث الأغنام والبقر وكلب الحراسة وزوادة الخبز وغناء الناي، فنحن عموماً أبناء فلاحي بساتين ومزارع محاددة لها، فأن ما ظل لغزاً مجهولاً لدينا لسنين طويلة هو أسم روسّو والذي بدأ يفك طلاسمه في عقولنا هو وحكاية الفلسفة وهيمنة الطبيعة وضرورة فهم أسرارها والتناغم معها للتحرر من حياة جامدة عقيمة بليدة جامدة تتكرر هي هي ومع تجاهل الخيبات التي تغذيها السنون بالكآبات لعدم انتباه الإنسان لمعطيات الطبيعة ولتأليهه حياة صناعية جافة قاتمة أنانية تميت الضمائر وتبلد العقول مرة ومرات كان يغيب عنا.. آخرها استمر حتى نهايات أيام الدراسة مع بدايات الصيف والامتحانات..
قالوا أن معلمنا ذهب هذه المرة لمكان أبعد.. ليعمل رسّاماً للخرائط السياحية ببغداد التي أحبها حدّ الوله فعشقناها نحن أيضاً… غيابه الطويل في المرة الأخيرة ذكرنا بدروسه الخارجة عن منهج الحكومة وغالبية دروسه كانت معاكسة وغير تقليدية.. كان ينصحنا أن كبرنا ألا نظل قابعين خانعين في وظيفة واحدة لأن الطبيعة تعلمنا ضرورة التغيير وكما الطقس والمناخ وازدهار الأشجار ثم تجردها وحلول صيف محرق كاوٍ بعد برد قاسٍ متجلد.. وعن الليل والنهار.. السكون هو المياه الأسنة الكريهة شكلاً ورائحة نتنة والتغيير قوة جريان النهر.. إذا ما تجمد في وظيفة واحدة فسيغزوه العفن.. وهو وكما كان يشرح لنار لو لم يغير قليلاً في وظائفه لنخرته البلدة المنكودة ليحتل المر كل حياته وكما هو حال البلدة في مائها وأمراضها.. شيء واحد حلو في هذه البقعة المنسية هو التمر الذي لولاه لأنحفت البطون الهزيلة أكثر وأكثر.. في وظيفة الرسم أشتهر معلمنا بتلويناته ودقة رسوماته التي أشهرته فنال بها تقدير ومسؤولية وشهادات ابداع، أما من أين تعلم معلمنا هذا الفن فلا أحد قال أنه كان رسّاماً من قبل.. وكان قارئ كتب كثيرة ينقلها مع حياة الرعي وصيد السمك وصعود النخل مشدودة في كيس كبير يحملها هو أو حماره… كان يحكي لنا عن الأدباء والكتّاب ورغم حديث الناس أنه أديب فلم يروِ لنا شيئاً عن ذلك، ما ذكره لنا كان مضاداً ومعاكساً لأقوالهم.. ذكر لنا أنه يقرأ الكتب، لكنه لا يرغب أن يجد أسمه مصفوفاً مضموماً لقافلة كذابين، فغالبية القصص والروايات والأشعار وكما يرى هي كلمات ومشاعر ملفقة ومكذوبة…
معلمنا كان أنيقاً في مدرسته.. وتراه بعد انتهاء الدوام حافياً بدشداشة عتيقة مشدودة لبطنه بحبل سميك أشبه ما يكون بحزام، يسوق حماره وأيضاً في توقيتات العطل الصيفية باحثاً عن صيد وفير في أعالي النهر وشاخاته منتشياً بطرقعة أجنحة اللقالق المهاجرة سعيداً بأصوات خفقات أجنحة الخضيري مبتهجاً باطلالة غيمة صيف مضيئة… بعد أن كبرنا صرنا نستعيد بعض آرائه وكلماته لنجدها متناقضة مع سيرته.. فهو كان يجّمل لنا معايشة الهور والحفاة والجياع ومستنقعات البردي وأكواخ القصب والمشاحيف وصيد السمك وحلب الأبقار متناقضاً بإدانته لها مقارنةً بمدن مثل لندن وباريس حتى أنه كان يعلق على سواد لوحاتنا وحياتنا صوراً منتخبة من المدنيين تدلل على ترف وبهاء الحياة فيها..
لم نكن نثيره أو نؤذيه بأي سؤال، وحدث أن طالباً أحمق أرعن فاجأه يوماً بسؤال لم يغضب منه ولكنه أثار حزناً وانزعاجاً بدأ واضحاً في ملامح وجهه فبسرعة خاطفة تحول الوجه الجميل المحبوب لمعلمنا لما يشبه أن يكون صغرة أموات.. مع ذلك لم يقّرع التلميذ وحتى لم يلمه.. قال للتلميذ برفق مرة أخرى لا توجه أسئلة للناس لا تفيدك وقد تضرك.. أترك الناس لحالهم.. ومع ذلك أجاب الطالب بأسهاب موجهاً خصوصية الكلام لنا جميعاً من سأتزوجها إن كانت غنية فستستعبدني وتذلني بأموال أبيها.. حتما ستكون مستعلية مغرورة بعد أن تورطت بمشاركة معلم فقير حياته، وإن كانت فقيرة فستبحث عن التعويض عند الزوج وبوسائل ماكرة دنيئة متنكرة لماضيها، وستشقيه بتصرفات وسلوكيات ماضيها البائس شاطبة على الماضي مدعية أنها أبنة قارون وبرعونة وخواء عقل لتسمم حياته..
أنا واحد والمتزوجون جمهرة كبيرة، ورقمي الوحيد لن يغير شيئاً.. أنا لا أريد أن أضيف معذباً مرتجفاً بحمّى كافرة لملاريا أستوطنت البلدة منذ قرون.. بلدة ليس فيها طبيب، والمضمد مسنٌ عاجز مهزول لا يملك غير شراب القنقينة الأحمر المحفوظ في تنكات صدئة.. أو مختنقاً بنوبات سعال السلّ الدموي في عمق ليل كئيب بفانوس شحيح.. أو ولداً بمخلوط بول ودم البلهارزيا يوجعه أكثر من المرض رثاء الآخرين مختزياً خجلاً من مرضه.. لا أريد.. لا أريد.. لا أريد…
كلما مر بذهبي أسباب كره معلمنا للزواج.. أستذكرت صديقي.. أنا من أبناء حي الموظفين.. وأبي غريب عن البلدة.. تآلفت في سنواتي الأولى مع طفل لم يكن تلميذاً.. كان صديقي ناحلاً وبوزن ضئيل.. مصفراً في وجهه وعينيه الغائرتين وحتى أظافر قدميه.. قصيراً برجلين قصبيتين وبطن منفوخة.. أسأل أخي الكبير لماذا بطن صديقي متورمة منفوخة فيقول الجوع أردّ عليه كيف يكون جائعاً مع كل هذه البطن المملوءة المنتفخة كقربه.. يجيبني هو مرض اليرقان يصيب المحرومين وممن لازمهم سوء التغذية وفقر الدم.. أحببت صديقي.. أمي كانت تحذرني من مصاحبته ومعها أخي الكبير.. لم تكن تسمح له بدخول بيتنا.. مرة طردته.. أنتظره أمام الباب ونظل نلعب ونتحرك حتى غروب الشمس.. ما كانت أمه تعارض صداقتنا… تحتفي بي كولدها.. تمسّد شعري وتقبلني وتطعمني حفنة من توث شجرتهم المعمرة وتسمح لنا باللعب حتى في غرفة نومهم الوحيدة… أبي فقط لم يعترض صديقي بكلمات ناهرة بل كان يلاطفه.. هو فقط كان ينبهني بعدم إطالة اللعب معه والسباحة في الشاخة القريبة وتحذيري من أي طعام في بيت صديقي وحتى شربة ماء.. إستأنست وتقبلت نصائح أبي ولم ألتزم بتنفيذ أي منها.. كانت أمه تتباهى بصداقتي لولدها فأنا أبن المأمور… مع نهاية الخامس الإبتدائي وفي ظهرية حارقة صدمني وهز روحي خبر موت صديقي.. حزنت.. أمرضني الحزن وشعرت بوحشة مرة… صرت وحيداً فأنا لم أكن أميل لمخالطة غالبية الأولاد لشراستهم وعدوانيتهم وإذا هم خاصة من أبناء الموظفين.. تأثر أبي لموته وشاركني حزني.. أحسست بفرحها وأرتسمت علاماته بوضوح على وجه أمي وأخي الكبير.. لا أتذكر أن أحداً منا تلاميذ السادس كان يكره معلمنا.. وكنا نسمع عن أبوّته وحنانه لتلاميذ الصف الأول.. يحبونه وبكل براءة وصدق الطفولة.. وكان المدير يقنعهم بصعوبة أن يتقبلوا البديل في أيام غياباته.. وكان البديل يجد صعوبة في كسب تآلفهم معه ويعجب مدهوشاًَ لحميمية ووفاءه الصغار لمعلمهم الأصيل تساؤلاً عن أسبابها وكيف أستطاع غرس كل هذا الحب والحنان في نفوس الصغار.. لقد كسب معلمنا حب مدرسته ومعلميها وتلامذتها وفراشيها.. وعندما يجيء ذكره بعد كل الأهوال التي عايشها وعاناها تتحسس تعاطفاً معه وحتى قبولاً وتخفيفاً لبعض سلوكياته الغريبة إلا من المدير الذي طالما أنتبهوا أنه ينثر بصقة عندما يرد أسمه..
سعدون بشار كان معلمنا في العربية، وإذا كنا نستثقل درس القواعد رغم تبسيطه لنا فإن ما كنا ننتظره هو درس الإنشاء.. قال لنا المعلم موضوعنا اليوم هو عن الطيور.. كل واحد منكم يختار أي طير يحبه ويصفه مع سبب حبه لإختياره.. وكانت طريقته أن ينتخب بعض القراءات يلقيها التلميذ ويحاوره البقية فيها دون تدخل من المعلم.. كانت بعض الحوارات أشبه بما نشاهده من حوارات متلاطمة متضاربة في فضائيات هذه الأيام.. قرأ واحد.. تبعه ثانٍ وثالث.. وكل يصف ويمدح طيره.. ووقف نهاية يقرأ بهدوء أقرب للصمت وبكتابه جميله عن طيره المحبوب البوم.. هاج التلاميذ وأنتقدوه وأستغلها بعض العابثين لإثارة الفوضى في الصف بالسخرية من صاحب البوم، والتهكم عليه وتجريحه بعبارات قاسية لئيمة أوقفها المعلم بإرادته رغم صياح تلميذ ملحاح نبهان هو البومة من يحب البوم؟ أمي في صبيحة ذهاب البوم منعتني من المجيء إلى المدرسة أراد تلميذ أن يرسخ موقفه.. همهم آخر نبهان فاشل ولا يعرف أي شيء عن الطيور.. أبي البناء سقط من أعلى بناية مركز الشرطة وكسرت رجله بسبب صراخ بومة.. ثرثر ثالث لو لم يطرد أخي الكبير بومة ناعبة في شرخ في جدار الحائط مهدم قريب، لأختنق ضيفنا المسافر وهو يبتلع لقمة كبيرة على العشاء.. ورفع رابع أصبعه مستأذناً الكلام.. منعه المعلم إذ يعرف فيه وقاحة دونية، وما كان أدب إستئذانه إلا حيلة لتمرير فيض من سخرية فاضحة حال المعلم دون نثر قذاراتها بوجه الصف ونبهان.. أنهى المعلم حوارات التلاميذ التي جاءت كلها هجومية ولم يحض أي كلام منها بإنصاف ليعطي الدور لعاشق البوم.. بدأ هادئاً أنيساً في قراءته.. شيئاً فشيئاً توالد غضبه.. إرتفع صوته وهو يقرأ.. إهتزت شعرات رأسه الذهبية وأحمر وجهه المدور وشعت زرقة عينيه بوميض قناعاته في محبة البوم وصدقه في تعاطفه مع طائره.. بعد أن بدأ صوته واهناً حزيناً بإنزعاج ظاهر.. استحال بعد سطرين وثلاثة وأربعة لما يشبه التحدي والثقة بالنفس ورد العدوان.. ثم إرتفعت وتيرة الصوت علواً صادما بها عقول وعيون الساخرين.. مما قاله.. البوم طائر جميل وه ويحبه ويأنس لصوته.. لا عيب فيه وهو أن تفادى الإقتراب من الناس فلعيوبهم المخزية وغدرهم، لذا هو لا يألف البشر فالعزلة عنهم هي الأمان من شرورهم.. هو يعرف أن المغاور و الكهوف التي يستوطنها رطبة فظلمة كئيبة ولكن يكفيه منها أنها تبعده عن أصوات الانس… هو يستأنس بعواء بنات آوى وحتى بعواء الذئاب ولكنه يتشاءم ويخشى صوت الإنسان.. يصف التلميذ البوم ليس شراً ولا يبشر بالشر.. الناس هم الأشرار المولعون بإفناء الطيور الآمنة وبكل مخترعات الصيد القاتلة بلا رحمة.. البوم من أحلى الطيور بوجهه المدور وعينيه النافذتين الحذرتين.. هي العزلة والنعيب ما جعله مكروهاً عند الناس. العزلة هي عزلته وتوحده ولا تضرّ أحداً وصوته هو مزيته منذ الأزل وهو قسمته التي خصه بها الله وكما لشكل وصوت كل حيوات الأرض وحتى صوت الماء والحصى والأنين.. ألم تسمعوا أصوات الحمير ؟ الصف الذي كان متوتراً رافضاً بخشونة وقسوة اختيار التلميذ غلب عليه الصمت والهدوء.. وما كان قرار اتهام فاضح لنبهان تحركت معه العقول محاورة نفسها مداورة بين حالتي الرفض والقبول ولكنه بعقلانية مسالمة وندم على ما بدر من بعض السفهاء من كلمات لا يستحقها تلميذ مثل نبهان بأدبه وحميمية علاقاته بكل الآخرين.. أحس المعلم منتصراً لتلميذه انتصاراً في مكامن وخفايا عقله وروحه.. طيّب خاطر تلميذه وصفّق له وطلب من الجميع التصفيق لصديق البوم.. وأنهى المعلم درسه أن كل اختياراتكم كانت جميلة ومقبولة فلكل إنسان طائره فأتركوا نبهان حرّاً مع طائره الحرّ أما النعيب فيبدو أن أذني نبهان تلتقطانه كسحر الموسيقى.. هي أذناه والصوت ذائقته ولكل إنسان حق قناعاته واختياره.. يومها ما كنت أستوعب قناعة التلميذ على صغره ولم أفهمها بوضوح، ولم أع جيداً إضافة معلمنا عن حكاية البوم.. ولكن الزمان جعلني أقرف من كثير من الأصوات التي خلتها حلوة صّداحة نقّية لأجدها كلها مشروخة ولأبحث الآن عن أي بديل أتلمس وأتوسّم فيه عذوبة الحلاوة والجمال وصدق الترانيم ولو في نعيب بومة.. ولكن هيهات وغاب معلمنا هذه المرة غيبة طويلة.. لم تكن هذه المرة لصعود نخلة والحلم بصيد سمكة نادرة في أبعد الشطوط، ولا في قافلة رعي بسفوح الجبل الجليدي الأبيض المزرق بلون السماء، ولا بالحنين لنزهات مشاحيف الهور.. كانت رحلة غامضة تتوقف الشفاه عن سرد تفصيلاتها خوفاً وحذراً من آذان الآخرين والتورط لمجرد الشكوك وبما قيل ويقال عن قاتل ومقتول وجريمة تردد فيها أسم سعدون بشار بوضوح حيناً وبمحاولة أخفاء في أغلب الألسنة.. من كان جريئاً وصريحاً قال هو القاتل ومن جعله شريكاً دون وعي..
وقال آخرون مثله لا يقتل.. فقط كان محرّضاً.. أحد البلهاء قال هو القاتل.. لو لم يكن قاتلاً أو ناوياً على الشر فلم يحمل معه دوماً منجلاً كبيراً حادّاً.. ونسي الأبله باتهامه أن كل البلدة تعرف أنه لم يكن يصاحب منجله إلا في أسابيع جني التمر في زمن الحرّ وأن جريمة القتل حدثت في قلب الشتاء وفي وقت يكون المعلم في صفوف مدرسته وتلاميذه… ومن أشتبه بأن المعلم سعدون بشار يمكن أن يكون هو القاتل وظل معانداً في اتهامه أن أبن بشار كان قناصاً ماهراً فاق شهرة أبيه وهو يملك بندقية برنو جيكية قصيرة.. نسي المعاند أن من يتهمه ما كان في كل طلعات قنصه غير قاتل للضباع التي يكرهها لغدرها ورائحتها الكريهة وأكلها وهي الوحيدة في ذلك للجثث النافقة التي تفترسها ضوار أخرى.. ونسي أيضاً أن المفتش المقيم البريطاني ومع نهاية الحرب كان قد صادر ومن أي سلاح ناري إلا لثلاث أو أربع بنادق إنكليزية طويلة وبحرابها الأطول أبقاها بيد شركة المركز مع مسدس للمأمور…
توارى سعدون وتاه وضاع لسنين ربّما أكّدت سجنه في مدينة بعيدة، لكن ناس بلدته ظلّوا يميلون إلى أن مثله لا يمكن أن يؤذي فراشة، وأختاروا لقناعتهم أنه ربّما غادر وطنه ليعمل في دولة أجنبية وهو الداعي أبداً لتغيير الأماكن والوظائف وبتركيز على خصوصيات دول طالما كان يشيد بجمالياتها وسعادتها وعدالة الحياة فيها، تؤكد ذلك مقولات تلاميذه أنه سيهاجر في النهاية منقذاً نفسه من شرور ما يتحمله في بلدته الصغيرة التي أشبه ما تكون بمقبرة، وليحّرر عقله وروحه من تسيّد مشاعر الكراهية في وطنه.. ما كاد خبر الجريمة والقتل والأسئلة الحائرة التي ظلت متذبذبة تبحث عن جواب.. ما كاد كل ذلك ينطفيء حتى جاء سائق البلدة الوحيد بسيارته الخشبية العتيقة بخبر جديد أيقظ البلدة من سبات موتها لتتسلى بأخبار الآخرين من منكودي الحظوظ ومهمومي الحياة.. هي أولاً تصدق كل خبر، ثم تبدأ الشك فيه، ثم ترمي مروجّيه بالكذب.. بعدها تظل مخدّرة بجوعها وويلاتها ونسيان ما ألتقطته من الأخبار، فهي لا تملك حتى مذياعاً واحداً مما كان يعمل ببطارية كبيرة سوداء ولا حتى دائرة بريد.. السّيارة العتيقة وسائقها هما بريد البلدة الذي لا يطمئنون لأخباره ويشككون فيه… فرغم صيغة الخبر الواقعية التي نقلها السائق وبتأييد من مساعده أنه رأى سعدون بشار في مشفى المجيدية ببغداد محجوزاً بأمر من المحكمة والشرطة.. حصل ذلك عندما زار السائق قريبه المجنون.. ما كان ما باح له سهل التصديق مع بلدة كانت ترى فيه كذّاباً وملّفقاً كبيراً، لكن صورة الوصف التي أقحمها في وصف المشفى والمجانين وحالة قريبه المعروف.. أدخلت شيئاً من قبول لسماع ما سيكمل به حديثه.. قال أحزنني سعدون بشار وهي في أشدّ حالات الذهول والهزال وأصفرار الوجه والعينين.. كان شبه سجين خلف ساتر حديدي وبحراسة شرطي.. كلمات السائق صارت تزداد واقعية وإقناعا بعد موت ثقة الناس به، رغم أنهم ظلوا رافضين لوصفه ورغم تأييد مساعده لهزّات متلاحقة من رأسه تعلن التأكيد.. رفضوا روايته فهم يعرفون أن المعلم بشار قوي وعنيد وبعقلية متماسكة، فما الذي أوصله للجنون لا يمكن لعقله أن يتخلخل ويتيه.. وحتى عندما أعلمهم السائق أن قريبه وقد شفي من جنونه مع معاودة حالات اضطراب عقلية ولكنها متباعدة….. قريبي وهو بوعيه الكامل الآن وتستطيعون أن تزوروه في بيته سيروى ويؤكد لكم أنهم عالجوا سعدون بشار بقوة وخشونة بصعقات كهربائية وحشية وقد تعرض لضربات قوية من مضمدين أقوياء شرسين في تعاملهم مع المصعوقين كأبالسة بلا قلوب.. كان سعدون يحاول أن يهرب من كرسي العلاج وبكل قوة جسده وغضبه.. لكنهم وبسهولة وحرفية إعتادوها.. كانوا يعيدونه لكرسي عذابه.. الصعقات الأليمة الموجعة كانت تجعله يهتز متلوياً، كأنه أصيب بطلق ناري حارق مزق جلده وقلبه وأمعاءه.. يعذبني حزني ووجعي كلما أستعيد ملامح وجهه المختنق المتقلص وزبد اللعاب المتحلّب متجمعٌ فوق شفتيه وحنكه مع صرخات موجعه شاكية شابهت عواء ذئب جريح.. مع كل ذلك الوصف وإقتراب حالة التصديق.. من كثير الحاضرين وقبول الآذان والعقول بخبر فجيعة المعلم.. فقد بقى واحد و إثنان مع ظلال من الشك في غرابة ما سمعوه عن المشهد الأخير من حكايات المعلم سعدون بشار…
AZP09