عبدالجبار شنشل.. مرجعية عسكرية نادرة عمرها ستة عقود أهدرها العراق ونسيّها العرب

Print Friendly

أقدم وزراء الدفاع العرب يصارع المرض وحيداً في عمان من دون راتب تقاعدي
لندن ــ الزمان
كتب الدكتور يوسف عبد الجبار شنشل نجل الفريق الأول الركن عبد الجبار شنشل، رئيس أركان الجيش العراقي الذي شارك في الكثير من الحروب التي خاضها العراق دفاعا عن ارضه كما شارك في حرب 1973، ومابعدها، ان والده البالغ من العمر الان 88 سنة، تعرض إلى جلطة دماغية قبل أشهر و هو اليوم في عمان يقيم عند ابنته، التي تتكفل برعايته بشكل تام، منذ احتلال العراق عام 2003.
واضاف يوسف أُُخرِج والدي من الخدمة العسكرية بعد أكثر من 65 عاماً من دون أن يخصص له أي تعويض أو راتب تقاعدي.
وتابع قائلا أما عن داره التي كان يسكن بها فقد تمت مصادرتها من قبل أحد شيوخ الصحوات المدعو عنوة وبدون أي وجه حق ، اما منزله الثاني في مدينة الموصل في حي البعث فقد تجاوز عليه احد الاشخاص المتنفذين في الحكومة .
ويستأنف يوسف القول الفريق شنشل اليوم رجل كبير ومريض يعيش على ما تبقى من مدخراته المتواضعة والتي لا تكاد تكفي لتسديد تكاليف علاجه.
وأردف القول ايضا لا يحصل شنشل على أي راتب تقاعدي على رغم السنين الطوال التي قضاها عسكريا خدم فيها العراق وأمته العربية وقاتل طيلة حياته من أجل قضايا العرب المصيرية.
ويستطرد يوسف الحديث أكتب هذه الأسطر حتى تصل هذه الصورة المأساوية لكل العراقيين والعرب، حتى يتعرفوا على نوع الطبقة السياسية التي تحكم اليوم في بلاد الرافدين، وهي المجموعة التي تحارب كل شريف خدم ودافع عن العراق.
وعبد الجبار شنشل ضابط عراقي سابق، خدم في الجيش العراقي لمدة بلغت نحو ستة عقود، ابتدأها من رتبة ملازم حتى وصل إلى رتبة الفريق اول ركن، كما
أصبح رئيسا لأركان الجيش ثم وزيرا للدفاع ثم وزير دولة للشؤون العسكرية.
وشنشل من مواليد مدينة الموصل في محافظة نينوى، شارك في كافة الحروب التي خاضهاالعراق، منها حرب عام 1948 وحرب 1967 و 1973 مع إسرائيل والحرب العراقية الايرانية 1980 ــ 1988 وحرب الخليج عام 1991 .
كتب في التدريب والقيادة والسيطرة
وبحسب الكثير من العسكريين العراقيين الذي عاصروه، عُرِف شنشل بالعصامية والنزاهة والانضباط والصراحة طيلة خدمته العسكرية، فلم يسجل عليه أنه تهاون في واجباته، او تخلى عن مسؤولياته،أو نافق في علاقاته، وأجمل ما فيه تلك اللكنة الموصلية في كلامه التي ظلت ملازمة له مع انه لم يعش في هذه المدينة سوى خمس سنوات من عمره، وهي سنوات النشأة والصبا، واما الباقي فقد قضاها في بغداد وبقية المحافظات حتى صار خبيرا في الجغرافيا العراقية لكثر تنقله واقامته بين المدن والبلدات والقرى والجبال والوديان والبوادي والاهوار، يعرفها بالتفاصيل، بالاسم والمساحة والمسافة والعلامات.
وفي عام 1976 سافر وفد عراقي رسمي كبير الى موسكو برئاسة الدكتور عزة مصطفى عضو مجلس قيادة الثورة ووزير العمل والشؤون الاجتماعية في حينه وعضوية عدد من الوزراء والمسؤولين من بينهم رئيس أركان الجيش الفريق عبد الجبار شنشل الذي تولى رئاسة الجانب العراقي في المباحثات العسكرية مع المسؤولين السوفييت، وكان شديدا وحريصا في المفاوضات التي تناولت قضايا تدريبية وشراء أسلحة ومعدات بلغت قيمتها بما يعادل اربعة عشر مليون دولار، وحان موعد التوقيع على محضر الاتفاق، وحضر رئيسا واعضاء الوفدين العسكريين العراقي والسوفيتي، لكن همهمة وشكوك انتابت الجانب العراقي مما تسبب في تأخر موعد التوقيع وسط غضب واضح على وجوه الجنرالات السوفييت، وتبين في نهاية الامر ان الفريق شنشل يمتنع عن التوقيع على محضر الاتفاق ويبرر امتناعه بان المبلغ عال جدا وبالملايين، ولا يصح التوقيع عليه من قبله، وحدثت مشكلة لم تحسمها غير اطلالة الدكتور عزة مصطفى على المجتمعين وقام بالتوقيع على الاتفاقية العسكرية الثنائية، وتنفس الفريق شنشل الصعداء وسُمِع وهو يقول هسي تمام وهيك الصح ، وتردد في حينه ان الدكتور مصطفى عند عودته الى بغداد حدّث الرئيس أحمد حسن البكر رحمه الله بالقصة وكيف استاء المسؤولون السوفييت من امتناع رئيس اركان الجيش العراقي عن توقيع الاتفاقية العسكرية التي فاوض عليها وكان اعتقادهم انه غير راض عن كلفتها المالية، فضحك البكر وقال للوزير مصطفى كان عليك ان تعرف ان ابا مثنى ، يقصد الفريق عبد الجبار حنبلي ، ويصبح سامي الشيخلي بطل العراق والعرب في ركضة المئة متر عند شغلة الفلوس .
والفريق عبد الجبار شنشل على رغم صرامته وحزمه المشهودين به، بسيط في تعامله مع الضباط والجنود والمراتب حتى وهو رئيس اركان ووزير، كان يتفقد المواقع الامامية و الحجابات على جبهة الحرب مع ايران بنفسه دون ان ينزع رتبته والأنواط والأوسمة عن صدره، وعندما حاول الفريق المرحوم ثابت سلطان قائد الفيلق الرابع ذات مرة ان يمنعه من زيارة موقع عسكري أمامي كان مشتبكا مع العدو، وقف شنشل وهو يرتعد من الغضب وصاح بالفريق ثابت ابق في غرفة العمليات وعالج الموقف وانا ذاهب عند أولادي .
ونهض وسار بخطوات ثابتة نحو سيارته وسط تساقط كثيف من القنابل والقذائف المعادية ولحق به الفريق ثابت وقاد بنفسه عجلة الفريق شنشل الى الموقع الامامي الذي استبشر ضباطه وجنوده بمقدم رئيس الاركان وقائد الفيلق فهجموا على الايرانيين في صولة فرسان ودحروهم. كان شنشل دقيقا حازما، يجيد التفاوض، ويحرص على إنهاء المهام الموكلة على أفضل صور، كما شارك في تأسيس الكلية الحربية الأردنية و حصل على وسام خاص من الملك الهاشمي حسين بن طلال .
كما يعد شنشل من مؤسسي الجيش العراقي الحديث حيث ينسب له أنه زاد عدد الجيش العراقي من 6 فرق إلى 60 فرقة، و بذل جهده في تحديث الجيش وتقويته، وكان يستعمل مهاراته التفاوضية مع الروس بغية تخفيض أثمان الأسلحة الروسية. له مؤلفات عديدة تناولت التدريب والقيادة والسيطرة.
يقول الدكتور أكرم عبدالرزاق المشهداني في بعض تقاصيل ذكرياته مازلت أتذكر عصر ذلك اليوم الرمضاني البهيج، من عام 1973، حيث أيقظني من رقادي الرمضاني، هاتف من صديق عزيز رحمة الله ، وهو يبلغنى بشرى خبر عبور الجيش المصري قناة السويس، وتحطيم أسطورة خط بارليف وتقدم المصريين في سيناء لتحرير الأرض .
ويتابع لا يمكن أبداً أن أنسى مساء يوم السبت العاشر من رمضان 6 أكتوبر 1973، وأنا أتساءل مع نفسي حينها هل فعلا نجح العرب في محو عار نكسة حزيران 1967؟ وهل نصدق البيانات العسكرية الحماسية، أم أنها تكرار لمهزلة بيانات حزيران 1967؟.
ويضيف المشهداني في 5 حزيران 1967 وكنت ما زلت طالبا بالكلية ونؤدي إمتحانات نهاية العام، استيقظنا صباحا على البيانات العسكرية والمارشات ونشيد الله أكبر تبشرنا بالنصر العربي الباهر،، وبدأنا نعد أعداد الطائرات الإسرائيلية التي اسقطتها الطائرات العربية على جبهات القتال حسب البيانات المذاعة 20 ثم 30 ثم 50 ووصل العدد لـ 80 طائرة في الىوم الأول ô ونحن نعيش الأمل بأن فلسطين عادت.
وخلال التحضيرات المصرية لشن حرب على إسرائيل أوفدت القيادة المصرية رئيس أركان حرب القوات المسلحة الفريق سعد الدين الشاذلي الى العراق يوم 26 تموز 1972 حيث قابل الرئيس العراقي أحمد حسن البكر وطرح مشاركة العراق في حرب محتملة ضد إسرائيل وكان الجانب العراقي يرى أن العراق حينها كان يواجه مشكلتين رئيسيتين الأولى هي النزاع مع إيران حول شط العرب في الجنوب والثانية الثورة الكردية في الشمال وأن على العراق الاحتفاظ بقواته قرب هذه المناطق لكنه على استعداد أن يرسل قوات عسكرية حال نشوب الحرب، أما عن طائرات الهوكر هنتر التي كان مقررا حسب اجتماع مجلس الدفاع العربي في نوفمبر 1971 أن ترسل للأردن فقد أبدى العراق رغبته للشاذلي أن يتم إرسال الطائرات لمصر وذلك بعد تجديدها وإصلاحها.
في فبراير 1973 زار رئيس أركان القوات المسلحة العراقية الفريق عبدالجبار شنشل العاصمة المصرية القاهرة لتبدأ بعد ذلك الطائرات العراقية بالتوافد إلى الجبهة المصرية. وقد وضعت الحكومة العراقية سبعة ملايين جنيه استرلييني في حساب باسم الحكومة المصرية في لندن لتتمكن الحكومة المصرية من شراء ما تحتاجه من معدات كما ابلغت الحكومة المصرية بزيارة الرجل الثاني في الحكومة العراقية انذاك صدام حسين إلى فرنسا لشراء معدات عسكرية للجانب المصري وطلبت منها ان تبلغها باحتياجاتها . وفي نهاية آذار 1973 وصل من العراق السرب المقاتل التاسع والعشرين طائرات هنتر والسرب المقاتل السادس طائرات هنتر وبلغ مجموعات طائرات الهنتر العراقية التي وصلت مصر 20 طائرة استقرت في مطار قويسنا بمحافظة المنوفية وقد ساعد وصول الطيارين العراقيين والفنيين في فترة مبكرة قبل بدء العمليات، على اندماجهم مع رفاق السلاح الجوي المصري ومن الناحية العسكرية أتاح لهم وصولهم المبكر قبل بدء القتال بشهور فرصة التعرف على طبيعة الأرض التي سيطيرون عليها، والعلامات الأرضية التي سيراها الطيارون أثناء تحليقهم، والواجبات التي سيقومون بها، ومصطلحات الطيران، و كلف السرب العراقي بالواجبات القتالية
ستون عاماً في خدمة العلم
وكتب هشام عودة في عبد الجبار شنشل ان سيرة الجيش العراقي في الستين عاماً الاخيرة، ارتبطت بعسكري مخضرم اسمه عبد الجبار شنشل الذي قدم نموذجاً كبيراً للعسكري المنحاز لقضايا وطنه وامته.
منذ الملك فيصل الثاني وحتى الرئيس صدام حسين.
يقول عودة الفريق اول الركن عبد الجبار شنشل لم يغادر ثكنته العسكرية، حيث ظل جندياً في جيش العراق، الذي صار اسمه جيش الامة من خلال مشاركته في كل المعارك القومية الكبرى التي سجل فيها ابو المثنى صفحات مشرقة في تاريخه المهني والشخصي والوطني.
عاصر شنشل العقداء الاربعة الذين قادوا ثورة صار اسمها لاحقاً ثورة رشيد عالي الكيلاني عام 1941 ضد الاستعمار البريطاني، وعرف الزعيم عبد الكريم قاسم ورفاقه في حركة الضباط الاحرار الذين قادوا ثورة تموز، 1958 وتم على اثرها اعلان الجمهورية، كما عاصر وعرف الرؤساء عبد السلام عارف وعبد الرحمن عارف واحمد حسن البكر الذين وصل ثلاثتهم الى القصر الجمهوري عبر بوابة المؤسسة العسكرية، منا عاصر وعرف الرئيس العراقي الراحل صدام حسين وعدنان خير الله وسلطان هاشم وعدد كبير من قادة الجيش العراقي الذين ابلوا بلاء حسناً في الدفاع عن راهن الامة ومستقبلها في المعارك المصيرية الكبرى، حيث ظلت قامة ابي المثنى عالية مثل نخيل العراق.
يكاد الفريق اول الركن عبد الجبار شنشل، الذي يقف اليوم على عتبة التسعين من عمره، لا يعرف لنفسه حياة خاصة، خارج اسوار المؤسسة العسكرية وثكناتها وتقاليدها الصارمة، وظل على مدى اكثر من ستين عاماً وفياً لاختياره في تحديد مسار حياته الكريمة.
وفي العقود الاخيرة من القرن الماضي، كان ابو المثنى حاضراً في مقدمة المشهد العسكري، خاصة عندما لبس العراق كله الكاكي دفاعاً عن البوابة الشرقية للوطن العربي في وجه الاطماع الفارسية، وكان حضور الفريق اول الركن عبد الجبار شنشل ورؤيته ونظرته العسكرية الثاقبة، كفيلة ببث لاطمئنان في نفوس الناس، وهم يعرفون ان ضابطاً كبيراً بمواصفات هذا الرجل يقف في مقدمة الصفوف.
كما تميزت علاقته بالرئيس الراحل صدام حسين بالمحبة والتقدير المتبادل، فقد قربه الرئيس، وظل هذا القائد العسكري الكبير عراقياً كبيراً، وعربياً كبيراً.
شهرة تخطت حدود العراق
اسم الفريق الاول الركن تعدت شهرته حدود العراق، وصار اسماً يحظى بالتقدير والاحترام، في الجيوش العربية التي تدرب عدد كبير من ضباطها الشجعان تحت يديه، وتخرجوا من مدرسته العسكرية وفي هذا اعتراف بقدرة الرجل ومكانته في الوجدان الشعبي والعربي.
الجنرال شنشل اليوم لا يقوى على الحركة، يكتفي بأن يجول ببصره فقط في غرفته التي تحوي سريرا وجهاز تلفاز، متأملا تلك الاوسمة وانواط الشجاعة، التي كانت حصيلة سنوات خدمته العسكرية التي إمتدت لنحو 65 عاما، يتابع رغم مرضه الصعب أخبار العراق من على شاشات الفضائيات، وفي مرات كثيرة يبكي على مشاهد القتل والدمار التي لحقت بالعراق والجيش العراقي.
تقول ابنته أيسر كان والدي أحد الذين أسسوا الجيش العراقي الحديث، وتدرج في الرتبة من ملازم صغير حتى وصل إلى رتبة فريق ركن.
وتضيف كانت له بصمات مهمة في تطوير الجيش العراقي وتحديثه، إذ كان أول من أدخل النظريات العسكرية الحديثة في عمله وتكوينه .
وعن أهم الأمور التي كانت العائلة تجهلها، في حياة شنشل تقول إبنته الوحيدة، ذات مرة إلتقينا مع أحد الأشخاص العراقيين في المستشفى والذي بدوره أدى التحية العسكرية لوالدي، وبادر والدي بالسؤال هل تذكرتني ياسيدي؟ فأجابه والدي لا، فقال، أنا كنت معك أثناء سقوط طائرتنا في الحرب العراقية الإيرانية، وتؤكد أيسر هذه كانت أول مرة أسمع هذه الواقعة .
من جانبه يقول الفريق ركن رعد الحمداني كان شنشل رجلا وطنيا صادقا، ومثالا للرجل العسكري الملتزم بقضايا وطنه.
ويضيف الحمداني الذي كان آخر منصب تسلمه قيادة فيلق الحرس الجمهوري الثاني لقد مثل طوال خدمته العسكرية روح الجندية الأصيلة، وكان مثالا يحتذى به لكل الجنود العراقيين، وكان علاقاته مع زملائه تقوم على الإحترام والتقدير المتبادل .
AZP07