التنوير الفكري

Print Friendly

التنوير الفكري
ادريس جندا ري
التنوير هوخروج الإنسان من القصور الذي يرجع إليه هوذاته. القصور هوعدم قدرة المرء على استخدام فهمه دون قيادة الغير. يكون هذا القصور راجعا إلى الذات إذا كان سببه لا يكمن في غياب الفهم، بل في غياب العزم والجرأة على استخدامه دون قيادة الغير تجرأ على استخدام فهمك الخاص هذا إذن هو شعار التنوير.ايمانويل كانط
تسعى هذه السلسلة الى مقاربة مجموعة من القضايا الفكرية التي تشغل الفكر العربي؛ منذ القرن التاسع عشر وحتى حدود الآن؛ وهي قضايا ترتبط بالتحولات التي عاشها العالم العربي؛ كنتيجة مباشرة لصدمة الحداثة؛ التي فرضت مقاربات منهجية مختلفة للعديد من القضايا الدينية والاجتماعية والسياسية.
تنشغل هذه السلسلة بمساءلة التراجع الحضاري لأمتنا العربية؛ ما أسبابه وكيف الخروج منه؛ كما تنشغل بنقد ثقافة التطرف الفكري والسياسي والديني؛ الذي أصبح يهدد وجودنا السياسي والاجتماعي؛ وفي نفس الآن تسعى الى قراءة التجربة النهضوية العربية؛ التي قدمت مقاربات فكرية جادة؛ لترسيخ القيم الفكرية والسياسية الحديثة في الثقافة العربية.
من جهة ثانية؛ تسعى هذه السلسلة الى مقاربة الظاهرة الدينية؛ من منظور علمي؛ وقد استلهمنا في ذلك التطورات التي يعرفها الفكر الحديث؛ والذي يمنح امكانيات علمية كبيرة؛ للخروج من المقاربات الايديولوجية؛ التي سادت الثقافة العربية لعقود؛ سواء من منظور يساروي»علمانوي يدخل الدين في اطار السحر؛ أومن منظور سلفي»نصي يتعامل مع الظاهرة الدينية؛ باعتبارها تعاليا عن حياة البشر على الأرض.
وضمن هذا السياق؛ حاولنا التوقف عند العقلنة الدينية عند ماكس فيبر كما حاولنا اثارة اشكالية العلمانية والدولة المدنية؛ من منظور علمي يسعى الى تجاوز كل التشوهات التي مورست لعقود على هذه المفاهيم .
سمينا هذه السلسلة تمارين في التنوير الفكري وهي كذلك؛ فهي لا تدعي صياغة الحقائق والأجوبة التامة والنهائية؛ ولكن يشفع لنا انشغالنا الفكري بهذه الاشكالات لسنوات؛ ونحن اذ نسعى الى مشاركتها مع القارئ؛ فاننا نطمح الى فتح نقاش فكري جاد حول هذه القضايا؛ لأن المقاربة العلمية هي وحدها القادرة على وضعنا في المسار الفكري الصحيح.
1ــ التراجع الحضاري والأجوبة المغلوطة.
عاش التاريخ العربي منذ بداية القرن الخامس عشر الميلادي وحتى الآن أسوأ فتراته على السواء؛ فقد تراجع العرب الى حدودهم القديمة بعد أن اكتسحوا العالم من شرقه الى غربه؛ ودخل التاريخ العربي في ما يطلق عليه المؤرخون عصور الانحطاط على جميع المستويات. لقد تساءلت النخبة العربية المثقفة عن هذا التراجع بكل حيرة؛ بل لقد تحول التساؤل الى اشكال فكري صاغ تيارات فكرية مختلفة؛ كل تيار يحاول مقاربة الاشكال من زاويته الخاصة.
لكن العودة الى مجموع هذه التيارات تؤكد أن مقاربة اشكال التراجع التاريخي الحاصل كانت في أغلبها تحمل حنينا الى الماضي؛ باعتباره بديلا للحاضر المتلاشي؛ ودائما كان التذكير بما عرفته الأمة العربية من ازدهار في ماضيها.
وحينما نذكر الماضي هنا فنحن نقصد أن نسبة كبيرة من هذه التيارات الفكرية كانت تعتبر أنه لا صلاح لحال هذه الأمة الا بما صلح به حال سلفها؛ والسلف هنا يرتبط لا شعوريا بنموذج ماضوي؛ باعتباره القوة الخارقة التي صنعت التاريخ العربي في اعتبار هؤلاء.
لكن يمكن أن نتساءل لماذا تعتبر مرحلة القرن الخامس عشر بداية التراجع الحقيقي والواضح للحضارة العربية الاسلامية ــ هل كان الأمر مصادفة أم ان منطق التاريخ العقلاني هوالذي حكم عليها بالتراجع .
هل السبب في تراجع الحضارة العربية»الاسلامية يكمن في تخليها عن هذا النموذج الماضوي كما يؤكد السلفيونــ أم على العكس من ذلك يكمن في ارتباطها بهذا النموذج؛ خلال مرحلة بدأ التاريخ الانساني يعرف تحولات عميقة؛ تسعى الى القطع مع القرون الوسطى ؟
انها أسئلة كثيرة تراود الباحث؛ وهويسعى الى مقاربة ذلك التراجع الكبير الذي دخلت فيه حضارة؛ توسعت عبر العالم حاملة قيما فكرية وسياسية ودينية جديدة؛ لكن الجواب يجب أن يرتبط في العمق بحس تاريخي؛ يسعى الى قراءة الأحداث على ضوء التحولات التاريخية بشكل عقلاتي في منأى عن أية مثالية؛ يمكنها أن تكرس الأجوبة الجاهزة في الثقافة العربية.
لقد تم التركيز غالبا على مرحلة القرن الخامس عشر في مقاربة التراجع الحضاري الذي دخلت فيه الأمة العربية»الاسلامية؛ رغم أن هذا التراجع بدت بوادره قبل هذه المرحلة؛ لكن سقوط الأندلس وما رافقه من طرد للعرب المسلمين؛ واستئصال لكل مظاهر الحضارة العربية من الأندلس كان أبرز حدث تاريخي يؤرخ للتراجع الحضاري العربي.
معالم مرحلة تاريخية
وخلال نفس المرحلة كان الغرب الأوربي يؤسس معالم مرحلة تاريخية جديدة على أنقاض الحضارة العربية الاسلامية التي دخلت في التلاشي؛ وقد كانت معالم الحضارة الجديدة تشي منذ البداية بتحولات جذرية يدخل فيها التاريخ الانساني؛ عبر القطيعة مع مجموع أفكار وتصورات القرون الوسطى؛ وذلك عبر التأسيس للمفهوم الجديد للانسان والكون والزمن والدين والدولة.
فمن الثابت تاريخيا أن منظومة الحداثة؛ قد قطعت مع منظومة التفكير القروسطوي؛ التي تعتبر آخر مرحلة من مراحل القطيعة الابستمولوجية مع الماضي؛ وانفتحت بالمقابل على عصر جديد يقوم بالأساس على تفكك بطيء لنمط الانتاج الاقطاعي؛ وانهيار متواصل لهيمنة طبقة النبلاء؛ اقتصاديا وثقافيا وسياسيا؛ وولادة نمط الانتاج الرأسمالي الذي ما فتئ يراكم الفتوحات اعتمادا على طبقة اجتماعية جديدة هي البورجوازية؛ التي تحمل مشروعا مجتمعيا جديدا أكثر تقدما بما لا يقاس مع سابقه؛ يرتكز على أساس حرية التجارة؛ وحرية الملكية الفردية اقتصاديا؛ وعلى محاربة الاستبداد؛ والايمان بسيادة الشعب؛ والتبشير بالمساواة والديمقراطية؛ اجتماعيا وسياسيا؛ وعلى الايمان بالعقل وسيلة لمعرفة أسرار الكون؛ واخضاعه لارادة الانسان. بالاضافة الى تشجيع روح الابتكار والتجديد والمخاطرة في سبيل معرفة المجهول؛ والسيطرة عليه.
لقد تحققت ــ اذن ــ ثورة كبيرة في مختلف أشكال التفكير والممارسة؛ وانفتحت شهية الانسان لاكتشاف العوالم المجهولة التي كان يحرم الفكر الديني ارتيادها باعتبارها من اختصاصه؛ يبث فيها بأمر الهي.
ــ في المعرفة تحقق تطور كبير في هذا المجال؛ لا يمكن أن يقاس بما سبقه؛ فقد ظهرت طرائق وأساليب جديدة في المعرفة؛ قوامها الانتقال التدريجي من المعرفة التأملية؛ الى المعرفة التقنية.
ــ في الطبيعة وقد كان لنموذج المعرفة الجديد الذي فرضته الثورة التقنية الجديدة كبير الأثر على نظرة الانسان الى الطبيعة؛ فمقابل طبيعة تمثل في العصور الوسطى نظاما متكاملا؛ يتسم بالاتساق الأزلي؛ نجد طبيعة جديدة يتحكم فيها الانسان؛ عبر عقليته الحسابية. وقد تمثل هذا التحول المفصلي.. في الانتقال من مركزية الأرض الى مركزية الشمس؛ مفتتحا الانتقال الحديث من العالم المغلق الى الكون اللانهائي.
ــ في الزمن والتاريخ وقد كان للنظرية الجديدة في المعرفة والطبيعة كبير الأثر على ظهور نظرية جديدة في الزمن والتاريخ؛ الذي أصبح للانسان دور كبير في صناعته فقد أصبح التاريخ سيرورة وصيرورة أي مسارا حتميا تحكمه وتحدده وتفسره عوامل ملموسة؛ كالمناخ والحاجات الاقتصادية للناس؛ أوحروبهم وصراعاتهم من أجل الكسب.
ــ في الانسان كان للثورة المعرفية الجديدة؛ سواء في المعرفة أوفي الطبيعة أوفي الزمن والتاريخ… تأثيرا مباشرا على صياغة صورة جديدة للانسان كسيد للكون؛ يمتلك الكثير من القدرة على تشكيله على طريقته الخاصة. وبذلك فقد أصبحت للانسان الحديث قيمة مركزية وعملية؛ ففي مجال المعرفة أصبحت ذاتية العقل الانساني هي المؤسسة لموضوعية الموضوعات؛ وتم ارجاع كل معرفة الى الذات المفكرة أوالشيء المفكر فيه؛ أوالكوجيتو. محمد سبيلا ــ الحداثة وما بعد الحداثة ــ دار توبقال للنشر.
في ظل هذه التحولات الجذرية التي مر بها التاريخ الانساني؛ كان الفكر العربي يعيد انتاج منظومة القرون الوسطى؛ معتبرا أن النص الديني هومنبع المعرفة الانسانية بمختلف أشكالها. لقد كان يحدث هذا في مرحلة وصل خلالها الفكر الانساني الى قمة رشده؛ رافضا كل وصاية توجهه؛ باعتبار أن الحقيقة في كل شيء تبنى بشكل عقلاني ولا تمنح بشكل لدني .
من هذا المنظور يمكن أن نفهم التراجع الكبير الذي دخلت فيه الحضارة العربية؛ انه تراجع يرتبط بتقوقعها حول تصورات ماضوية خلال مرحلة تاريخية تتخذ المعرفة العلمية سبيلا لاكتشاف الكون والسيطرة عليه؛ بهدف توجيهه لخدمة مصالحها.
وارتباطا بهذا المنطق التراثي الماضوي دخل الفكر العربي في اعادة انتاج المنظومة اللاهوتية القديمة؛ باعتبارها أرقى ما وصل اليه الفكر الانساني؛ وبذلك ساد الجمود في الثقافة العربية لقرون طويلة؛ حتى اعترفت به هذه الثقافة نفسها وأطلقت عليه اسم الانحطاط.
وخلال كل هذه المراحل كان الفكر العربي يفشل في الارتباط بروح العصر؛ ويكرس روح الماضي في شكل سلفي باهت؛ يقتل في الحاضر روح الخلق والابداع؛ ويفتح لمستقبل فكري مظلم سمته التردي الشامل.
وهذا ما انعكس بشكل مباشر على واقعنا الذي يعاني من جميع أشكال التخلف؛ سياسيا عبر تكريس الاستبداد وغياب أي أفق للديمقراطية؛ واقتصاديا عبر تكريس اقتصاد الريع المتخلف وغير المنتج؛ واجتماعيا عبر تكريس نموذج القبيلة والعشيرة والروابط الدموية؛ وثقافيا عبر تكريس الخرافات والشعوذة والفكر الغيبي التواكلي والقدرية العمياء والدروشة…
ان حاضر أمتنا العربية يعاني جميع أشكال الاختلال؛ الأمر الذي يهدد في المستقبل القريب بانفجارات خطيرة تقودها شعوب تعيش بأجسادها في العصر الحديث بينما ترتبط ثقافيا ووجدانيا بعصور غابرة ضاربة في القدم؛ تستعير منها أشكال التفكير والشعور والممارسة.
في ظل هذا الوضع المتردي الذي نمر به يمكن أن نتساءل عن مسؤولية المثقف التنويري؛ الذي ينهل من الفكر الحديث؛ ويمتلك رؤية فكرية حديثة هل يقف متفرجا على ما يحدث متذرعا بعدم قدرته على التواؤم مع شعوب تعرف القرن الثاني الهجري أكثر مما تعرف عصرها أم ان مسؤوليته مضاعفة الآن أكثر من أي وقت مضى؛ باعتباره مثقفا نقديا؛ يفضح كل أشكال التردي السائد؟
1ــ في نقد ثقافة التطرف في الفكر العربي الحديث
الفكر الذي لم يتغذ من منابع العلوم الانسانية الحديثة؛ هوفكر متطرف؛ سواء ارتبط بمرجعية دينية أويسارية أوقومية أوعلمانية؛ لأن التطرف واحد ليس له دين أومذهب؛ انه صنوالجهل بالحركية الفكرية التي يعرفها العالم الحديث؛ والتي بدأت بوادرها الأولى خلال مرحلة القرن الخامس عشر؛ مع بزوغ فجر الحداثة الأوربية.
الفكر العربي
لكن الفكر العربي لم يتعرف على هذه الحركية الفكرية حتى حدود القرن التاسع عشر؛ ورغم ذلك فقد اختلطت لديه بالاستعمار؛ ورفضها بادعاء مصدرها الاستعماري؛ ولذلك لم تترسخ هذه الحركية الفكرية في الثقافة العربية؛ رغم المجهودات الجبارة التي بذلها مفكروهذه المرحلة.
وقد خلف فشل الثقافة العربية في الارتباط بالمنظومة الفكرية الحديثة آثارا كارثية؛ ستتعمق فيما بعد؛ حينما ستظهر على الساحة العربية نخبة العسكر؛ التي ستقتل بعض ما تسرب من هذه الأفكار.
ولعل قراءة بسيطة لهذه المرحلة لتفصح لنا عن الكثير من الدلالات العميقة؛ التي يمكنها لوحدها أن تساعدنا على تفسير نموذج التطرف الفكري والسياسي والديني؛ الذي غزا العالم العربي من المشرق الى المغرب؛ وخلف وما يزال جروحا غائرة في جسد الأمة العربية.
ظهرت في الثقافة العربية طوال مرحلة القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين حركية فكرية وسياسية وفنية نشيطة؛ كانت تحمل بين طياتها معالم مستقبل جديد للأمة العربية؛ وقد ارتبطت هذه الحركية بفكر التنوير والليبرالية والتمدن؛ الذي قدمته نخبة المرحلة باعتباره البديل؛ للخروج من التخلف والجمود الذي عرفته الأمة العربية طيلة عصور الانحطاط.
لكن هذه المسيرة لم تستمر طويلا لأن الانقلابات العسكرية؛ ستقلب الأوضاع رأسا على عقب؛ وستأتي بنخب فكرية وسياسية لا علاقة لها بتلك الطموحات الليبرالية التي بدأت تتبلور؛ وهكذا سيتم الاستغناء عن هذه الطموحات وسيتم استبدالها بطموحات قومية؛ تتخذ بعدا يسارويا؛ وتتحالف مع النخبة العسكرية كأداة للتجسيد على أرض الواقع.
حدث هذا في مصر والعراق وسوريا… كدول كانت قبل الانقلابات تبشر بمستقبل مغاير للثقافة العربية؛ والدليل على ذلك؛ الحركية الفكرية والفنية والسياسية التي عرفتها؛ وهي حركية كانت تتخذ بعد ليبراليا؛ وتسعى الى نشر ثقافة التنوير والتمدن في الوطن العربي.
لكن مصير هذه المشاريع سيتوقف على وقع طلقات مدافع العسكر؛ والذين يرتبطون بمرجعيات ثقافية؛ تحارب كل قيم الليبرالية والعلمانية والتمدن؛ باعتبارها قيما استعمارية؛ لا تتلاءم مع ماضي الأمة العربية؛ أوباعتبارها قيما بورجوازية متعفنة؛ يجب محاربتها؛ في اطار الصراع الطبقي بين ملاك وسائل الانتاج وملاك عضلات الانتاج
هكذا ــ اذن ــ سيتم الاجهاز على قيم الحداثة والتنوير؛ وفي المقابل سيتم فتح الباب أمام التطرف العسكري؛ الذي سيتخذ طابعا قوميا متطرفا ويساريا مذهبيا؛ هذا التطرف الذي سيستعيد المكبوت الديني؛ مع توظيفه تحت شعارات مغايرة.
وهذا ما يمكن ملامسته من خلال الاستبداد السياسي الذي يقوم على الحزب الوحيد والحاكم الوحيد؛ مع التنكيل بجميع أشكال المعارضة حدث هذا مع جمال عبد الناصر وحافظ الأسد وصدام حسين… ؛ كما يمكن ملامسته من خلال استعادة العلاقات القبلية والعشائرية والدموية كمعايير في تسيير دواليب الدولة؛ ويمكن ملامسته كذلك من خلال تكريس اقتصاد الريع الغير منتج؛ ويمكن ملامسته من خلال فرض النموذج الثقافي والفني المساير للنموذج السياسي هذا ما تؤكده اتحادات الكتاب ونقابات الفنانين .
ويمكن أن نستفيض أكثر باستدعاء مظاهر أخرى من التردي؛ الذي أسس له المتياسرون والقومجيون؛ الذين فرضوا نموذجهم السياسي والثقافي والفكري والفني المتخلف؛ عبر التحالف مع العسكر؛ ومن هنا كانت بداية التردي الشامل؛ الذي سيتطور فيما بعد ليتحول الى تطرف ديني؛ سيأتي على الأخضر واليابس.
من هذا المنطلق اذنــ يمكن مقاربة التطرف الفكري والسياسي والديني؛ الذي تعرفه الثقافة العربية؛ والذي يعرقل كل أشكال التنمية في العالم العربي؛ وهوتطرف أسس له المؤدلجون اليسارويون والقومجيون؛ حينما حاربوا الفكر الليبرالي وثقافة التنوير والتمدن؛ وأسسوا في المقابل لنموذج؛ يرتبط بظاهرة الترييف ثقافة البداوة المرتبطة بالأرياف ؛ التي أنتجت نخبا تسعى الى تكريس قيم البداوة القائمة على العشائرية والقبلية.
وحتى هذه المرحلة لم تكن حركات التطرف الديني حاضرة؛ لأنها في الحقيقة صنيعة هذا النموذج الفكري والسياسي اليساروي القومجي؛ الذي لا يختلف عنها في الجوهر؛ لأنهما معا نموذجان يتأسسان على الايديولوجيا واليوتوبيا؛ ويشتركان كذلك في محاربة فكر التمدن والتنوير؛ باعتباره فكرا استعماريا؛ كما يشتركان معا في طموحهما السياسي والفكري القائم على الاستبداد وثقافة الحزب الوحيد.
وكلها قيم لم تكن حاضرة في القاموس النهضوي؛ رغم طابعه السلفي الديني؛ وذلك ما تؤكده الأدبيات الفكرية والسياسية التي خلفها رواد عصر النهضة؛ فقد دافع علي عبد الرازق عن مفهوم الدولة الحديثة؛ كما تجسدها التجربة الليبرالية؛ ودحض بقوة نموذج الدولة الدينية الخلافة .
التنوير والتمدن
في الثقافة العربية
كما كرس الطهطاوي حياته لترسيخ روح التنوير والتمدن في الثقافة العربية؛ وحمل قاسم أمين لواء نصرة قضايا المرأة العربية؛ باعتبارها نصف المجتمع.
ولم يكن المغرب نشازا فيما يخص هذه الحركية؛ فقد دافع محمد بن الحسن الحجوي بشراسة عن قيم الدولة الحديثة في المغرب؛ والقائمة على الدستور والمؤسسات؛ كما عملت الرحلات السفارية الى أوربا على دعم هذا النموذج الفكري والسياسي والاقتصادي والعسكري الجديد.
وكلها قيم ليبرالية وأنوارية؛ تم دكها بعجلات الدبابات وأحذية الجنود؛ وتم استبدالها بالأوهام العنترية القومجدية؛ والايديولوجية اليساروية؛ ورغم ذلك ينظر هؤلاء الآن للوضع العربي باستغراب؛ وكأنهم لم يكونوا من صناع هذا الخراب.
ان واجب النخبة المثقفة اليوم هوالقيام بمسؤولية النقد المزدوج؛ من جهة نقد التطرف اليساروي والقومجي والعلمانوي؛ ومن جهة أخرى نقد التطرف الديني؛ مع الالتزام الكامل بثقافة التنوير والتمدن؛ وبقيم الليبرالية القائمة سياسيا على التعددية الحزبية والديمقراطية؛ والقائمة اقتصاديا على مبدأ دعه يعمل؛ دعه يمر ؛ والقائمة دينيا على العلمانية كفصل بين السلطتين المادية والروحية؛ والقائمة اجتماعيا على مبدأ المواطنة بدل الرعية؛ وعلى المساواة بين الرجل والمرأة؛ والقائمة فكريا على العقلية العلمية النقدية؛ التي تستثمر منجزات العلم في فهم الانسان والكون والحياة.
من هذا المنطلق ــ اذن ــ يجب على النخبة العربية المثقفة فضح كل المحاولات المغرضة التي تهدد هذه القيم المشتركة بين الانسانية؛ سواء أكانت مرجعيتها اسلاموية أم يساروية أم علمانوية أم قومجية… وذلك طبعاــ عبر المنهجية العلمية الرصينة؛ التي لا تتعامل مع النقد باعتباره تصفية حسابات؛ لأن المثقف الملتزم بقيم الحداثة؛ ليست له أية حسابات خارج الدفاع عن القيم الانسانية المشتركة؛ والتي ترسخت منذ القرن الخامس عشر؛ وتبشر الآن بالتأسيس لثقافة كونية؛ تتجاوز حدود اللغة والدين والقومية
2 ــ في الحاجة الى استلهام روح التنوير النهضوي
يعرف الفكر العربي خلال هذه الألفية الثالثة ترديا ليس له مثيل في التاريخ العربي؛ فقد استفاقت في اللاشعور العربي مجموعة من المكبوتات؛ التي كنا نظن أنها خاضت طريق اللاعودة؛ وعلى رأس هذه المكبوتات؛ عودة الصراعات المذهبية والطائفية؛ التي أججت روح الفوضى في الشارع العربي. لكن هذه العودة لم تكن من فراغ؛ بل هي نتيجة نمووترعرع الفكر السفي المتطرف؛ الذي غذته النزعة السلفية الوهابية؛ والنزعة الخومينية؛ والنزعة الاخوانية؛ وكل هذه النزعات ساهمت في زرع بذور الشقاق بين العرب؛ من الخليج الى المحيط؛ كما ساهت في العودة بالتاريخ العربي الى عصور الانحطاط.
وهذا ما أصبح يهدد الكيان العربي مشرقا ومغربا؛ بحيث بدأت تظهر على واجهة الأحداث تقسيمات تعتمد الأساس المذهبي الطائفي؛ في غياب أية روح قومية؛ يمكن أن تحمي الانسان العربي من مواجهة أخيه؛ لكن ما هوالمخرج من هذه الأزمات المتلاحقة التي بدأت تهدد كياننا العربي في العمق؟
لقد مر العرب الى عهد قريب بتجارب ناجحة؛ في اعادة ترميم الذات واخراجها من كبواتها؛ وقد ساهم في ذلك السلفي الى جانب الليبرالي والقومي؛ من دون أي صراع؛ لماذا ؟ لأن الهم واحد؛ هوانقاد الأمة العربية من التردي. وقد حصل هذا؛ خلال مرحلة القرن التاسع عشر؛ التي تعرض ابانها الكيان العربي لأزمات متتالية؛ توجت باستعمار شامل؛ اكتسح المشرق والمغرب؛ وشكل للنخبة العربية تحديا كبيرا؛ قامت لمواجهته؛ في منأى عن أية نزعات طائفية أومذهبية.
فقد ناضل محمد عبده السلفي الى جانب رفاعة الطهطاوي الليبرالي؛ من دون أي صراع؛ بل على العكس من ذلك؛ تحقق انسجام تاريخي بين التيارين الفكريين؛ فظهرت حركة فكرية وابداعية؛ ما زلنا نحن اليها حتى اليوم.
وفي نفس الآن فكر المشرق الى جانب المغرب من دون أية عقدة نقص أوتفوق. وكان علال الفاسي الى جانب محمد عبده؛ ومحمد الحجوي الى جانب رفاعة الطهطاوي؛ ولم نقرأ فيما تركه لنا هؤلاء الرواد مثل ما نسمعه الآن من مهاترات كلامية؛ لا تقوم على أبسط قواعد الاحترام المتبادل بين أبناء الأمة الواحدة.
لقد كان هؤلاء الرواد الذين صنعوا مرحلة تاريخية متميزة؛ على اطلاع كامل على فكر الأنوار الأوربي؛ حيث تأثروا بمبادئه السامية؛ وسارعوا الى تطعيم الفكر العربي بهذه القيم؛ حتى ان العالم المتنور محمد عبده رأى فيها روح الاسلام الأولى؛ التي قتلتها الصراعات الطائفية والمذهبية؛ فما بقي في البلاد الاسلامية الا المسلمون؛ أما الاسلام فتجسده القيم الحضارية الأوربية؛ وقد جسد محمد عبده هذه المفارقة في قولته الشهيرة؛ التي ما زلنا نرددها تعبيرا عن خيبة أحوالنا ذهبت الى باريس فوجدت الاسلام ولم أجد المسلمين؛ ولما عدت الى القاهرة وجدت المسلمين؛ ولم أجد الاسلام.
ونفس هذا الارتباط بقيم الفكر الحديث؛ عبر عنه رفاعة الطهطاوي في دعوته الى مفهوم التمدن الذي يقول عنه تمدن الوطن عبارة عن تحصيل ما يلزم لأهل العمران من الأدوات اللازمة لتحسين أحوالهم حسا ومعنى .. واستجاع الكمالات المدنية؛ والترقي في الرفاهية .
وكما يبدو فالتمدن هنا مرتبط بما وصل اليه النموذج الأوربي من تقدم؛ يرتبط بالكمالات المدنية؛ والترقي في الرفاهية؛ وهذا ما يلخصه نموذج الدولة الحديثة؛ التي توفر لمواطنيها هذه الكمالات والرفاهية.
وغير بعيد عن محمد عبده؛ ورفاعة الطهطاوي؛ نجد العالم الجليل علي عبد الرازق ؛ يدافع عن مفهوم الدولة الحديثة؛ كما تجسدها التجربة الأوربية؛ ويدحض نموذج الخلافة؛ ويقول في هذا الصدد والحق أن الدين الاسلامي بريء من تلك الخلافة التي يتعارفها المسلمون.. وانما تلك كلها خطط سياسية صرفة؛ لا شأن للدين بها .
ويعود علي عبدالرازق الى الفكر السياسي الأوربي؛ للتدليل على ما يذهب اليه؛ متوقفا عند كل من الفيلسوف هوبس ؛ الذي يقول بقداسة سلطان الملوك؛ والفيلسوف جون لوك ؛ الذي ينزع عنهم هذه القداسية؛ ويربطها بسلطان الشعب.
وهو عبدالرازق في ذلك يميل طبعاــ الى جون لوك؛ محاولا استلهام فلسفته لنزع القداسة عن الحكام وربطها بسلطان الشعب في الثقافة العربية.
ونفس هذه الحركية التي عرفها الفكر العربي في المشرق خلال مرحلة القرن التاسع عشر؛ عرفها المغرب كذلك؛ الذي ارتبط علماؤه بالنموذج الأوربي في الاصلاح؛ وربطوا بين مفهومين أساسيين في ذلك؛ الأول هومفهوم الاجتهاد؛ والثاني هومفهوم التحديث؛ بحيث يرتبط الأول بالاجتهاد في أمور الدين لايجاد أجوبة مناسبة على القضايا التي يطرحها العصر الحديث؛ والثاني هومفهوم التحديث؛ الذي يرتبط ببعد اجتماعي؛ سياسي؛ اقتصادي؛ أي بنموذج الدولة الحديثة؛ كما صاغتها التجربة الأوربية.
الأسماء العلمية الرائدة
وتحضرنا في هذا الصدد مجموعة من الأسماء العلمية الرائدة؛ التي جمعت بين الاجتهاد الديني؛ والتحديث السياسي والاجتماعي والاقتصادي؛ نذكر منها الفقيه محمد بن الحسن الحجوي؛ الذي دافع عن الدولة الحديثة في المغرب؛ وكان مطلعا على التجربة الأوربية في التحديث.
وأحمد الناصري؛ صاحب كتاب الاستقصا؛ الذي يعتبر من العلماء التنويريين في المغرب؛ عاش تجربة الصدمة؛ حين تعرف على نموذج الدولة الحديثة في أوربا؛ وأصبح من المدافعين على تجسيدها في أرض المغرب؛ ولا ننسى العالم والسياسي الكبير علال الفاسي؛ الذي جسدت نضالاته الدينية والفكرية والسياسية نموذج المثقف الأنواري؛ الذي لا يريد بديلا عن دولة حديثة؛ قوامها الدستور المنظم للعلاقات بين الحاكمين والمحكومين.
وكل هذه الأصوات الدينية والفكرية والسياسية في نفس الآن؛ هي التي صنعت ارث الحركة الوطنية المغربية؛ التي توجت نضالاتها بطرد الاستعمار؛ والتأسيس لدولة حديثة تقوم على الدستور والمؤسسات.
لقد التزم كل هؤلاء الرواد؛ الذين صنعوا مرحلة مزدهرة في التاريخ العربي الحديث؛ سميت ــ عن حق ــ عصر النهضة؛ التزاما كاملا بفكر التنوير؛ الذي غزا العالم كله؛ وساهم مساهمة كبيرة؛ في تخليص الانسانية من الاستبداد الذي مورس عليها لقرون طويلة؛ ومن الدوغمائية الدينية؛ التي قتلت فيها روح الخلق والابداع؛ وفي التزامهم بهذا الفكر خلفوا لنا ترثا فكريا عظيما هوالقادر اليوم على اخراجنا من التردي الذي نعيشه.
ان المأمول منا كجيل لمستقبل الأمة العربية؛ هوأن نستفيد من تجارب هِؤلاء الرواد؛ وأن نسعى الى الحوار البناء فيما بيننا؛ مستعيدين في ذلك ما تمنحه لنا الثقافة العربية من أدبيات في الجدل البناء والحوار الناجع؛ في منأى عن ثقافة التكفير والتخوين التي أصبحت العملة الرائجة في ثقافتنا العربية؛ وخصوصا مع اتساع رقعة التطرف الديني والفكري والسياسي؛ الذي أصبح ينذر بعواقب وخيمة على حاضر ومستقبل أمتنا العربية. ان حاجة الفكر العربي اليوم ماسة الى فكر التنوير؛ الذي التزم به جيل الرواد في عالمنا العربي؛ وأبدع في الفن والسياسة والفكر؛ ووصل الى قمة المجد؛ الذي ما زلنا الى حدود الآن نحن اليه رغم ماضويته؛ لأن الحاضر أكثر انتكاسة مما يمكن أن يتصور.
الظاهرة الدينية
ان أهم ما يعلمنا اياه الفكر الحديث؛هوأن نتعامل مع مجموع الظواهر الانسانية تعاملا علميا؛ عبر وضعها في سياقها الخاص؛ ومحاولة فهم وتحليل مكوناتها؛ وسواء ارتبطت هذه الظواهر بالاجتماع أوبالسياسة أوبالدين… فان المنهج العلمي واحد؛ يسعى الى الدراسة والتحليل؛ بهدف استخلاص النتائج العلمية وتعميمها على شكل أسس نظرية؛ لتتحكم في الممارسة العملية.
هكذا تعامل الفكر الغربي الحديث مع مجموع قضاياه بمختلف أشكالها؛ وصاغ النظريات العلمية والفلسفية؛ بهدف فهم هذه القضايا فهما علميا دقيقا؛ ولذلك فقد استطاع الوصول الى الحلول الناجعة لمختلف الاشكالات؛ التي واجهته في مسيرته الحضارية.
لكن وعلى الخلاف من ذلك تماما؛ تعامل الفكر العربي مع مختلف قضاياه المصيرية بشكل ارتجالي؛ ينطبع بالكثير من الأدلجة؛ في غياب أبسط مقومات البحث العلمي؛ ولذلك لم نجن على مر القرون الا الخيبات والهزائم المتتالية؛ ولم ننجح في أية مهمة حضارية منذ السقوط المدوي للحضارة العربية؛ وسطوع نجم الحضارة الأوربية.
ولعل الفشل الذريع الذي نعاني منه حتى حدود الآن؛ يتمحور حول فشلنا في مقاربتنا للظاهرة الدينية المرتبطة بالاسلام خصوصا؛ وذلك عبر الفشل في تقديم الأجوبة العلمية الصحيحة على الأسئلة الاشكالية؛ التي ما تزال تطرح نفسها علينا بالحاح؛ ولعل من أهمها
كيف يمكن التأسيس للدولة العلمانية المدنية في الثقافة العربية الاسلامية؛ مع حضور قوي لمعالم الدولة الدينية؟
كيف يمكن التأسيس للديمقراطية كثقافة وكممارسة؛ مع حضور قوي لأدبيات تكرس الاستبداد؟
هل الحل يكمن في الثورة على المنظومة الدينية الاسلامية؛ باعتبارها تعرقل التأسيس للدولة العربية الحديثة؟
أم على العكس من ذلك؛ لابد من القراءة العلمية للظاهرة الدينية كمدخل وحيد وآمن نحوالتأسيس للعلمانية والتمدن والديمقراطية في الثقافة العربية؟
كلها أسئلة جوهرية؛ تقودنا بشكل مباشر الى محاولة البحث في اشكال العلمنة والتمدن والديمقراطية؛ وهواشكال يرتبط بمفهوم الدولة الحديثة؛ التي فشلنا في تأسيسها الى حدود الآن؛ حيث يخيم التطرف بجميع أشكاله سياسيا واجتماعيا ودينيا؛ وينذر بعواقب وخيمة؛ تهدد مستقبل الشعوب العربية من المحيط الى الخليج.
ويرتبط هذا الفشل جوهريا بفشل مماثل على مستوى قراءة النص الديني قراءة علمية؛ من منظور العلوم الحديثة؛ كما حدث مع المسيحية؛ التي أسست للاصلاح الديني عبر اخضاع النص الديني للتشريح العلمي؛ بهدف اختبار الكثير من المسلمات للكشف عن تهافتها. وقد مهدت هذه الخطوة لمسار جديد؛ دخله الفكر الغربي؛ حينما نجح في القطع مع قرون من الظلمات؛ التي سادت أوربا؛ حيث كانت الكلمة الفصل في السياسة والعلم والاجتماع والاقتصاد للنص الديني؛ الذي يبرر سلطة الاكليروس؛ ويمنحهم حق الانابة عن الله في حكم الشعب؛ بل ويمنحهم كذلك حق توزيع صكوك العفووالغفران على هذا الشعب.
هكذا يمكن أن نفهم أن الفكر العلمي والفلسفي الغربي قد واجه خصما دينيا أكثر قوة وصلابة؛ من الخصم الديني؛ الذي يمكن أن نواجهه في الثقافة العربية الاسلامية؛ ومع ذلك انتصر العلم والتفكير؛ واستطاع أن يؤسس لمرحلة جديدة في التاريخ الانساني؛ لم يسبق لها وجود من قبل.
/8/2012 Issue 4274 – Date 11 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4274 التاريخ 11»8»2012
AZP07