جينيفر إيغان مؤلفة الصندوق الأسود

Print Friendly

جينيفر إيغان مؤلفة الصندوق الأسود
ثقافة الصورة والإرهاب عنصران في الرواية الحديثة
حوار ديبورا تريزمان
ترجمة بشار عبدالله
كيف تكتبين، وماذا تعني الكتابة لك؟
ــ أنا عموما أكتب الرواية والقصة بخط اليد، والواقع أنني كتبت هذه القصة بخط يدي أيضا. وعلى الرغم من أنني عندما بدأت بمحاولة لكتابتها، لم أشعر براحة وأنا أكتب هذه السطور الطويلة. لاحظت أن أحدى صديقاتي لديها دفتر ملاحظات يحتوي في كل صفحة من صفحاته على ثمانية مستطيلات فارغة، وقالت لي إنها ستحاول أن تحصل لي على واحد مثله. كانت قد ابتاعته من بلدة جابانتاون، في سان فرانسيسكو، لكنها في الواقع عجزت عن الحصول على مثيل له لتقدمه لي. ثم تمكنت من العثور على دفتر مثله في نيويورك. وهكذا كتبت القصة بخط يدي، جاعلة كل فقرة من فقراتها داخل أحد المستطيلات. وتابعت نظامي المعتاد، الذي يتلخص بأن أكتب من خمس صفحات إلى سبع داخل هذه المستطيلات كل يوم.
وهل كنت تحصين عدد الحروف في أثناء الكتابة؟
ــ كلا، لم أفعل. فقد أفترضت أنني لن أتجاوز المائة وأربعين حرفا لأن مساحات المستطيلات ليست بالواسعة بما يسنح تجاوز ذلك العدد. ولكنني عندما بدأت بتنضيدها على الحاسوب ومن ثم تحريرها وجدت ان علي أحيانا القيام بالقص واللصق في صفحتي على تويتر فقط لأعرف أين يتوقف عندي مسار الحروف. مع ذلك لم أقلق كثيرا بهذا الشأن، لانني كنت بوضوح أشد اهتماما بالصوت والقصة عموما، ولم أكن أعرف البتة ما الذي سيبقى منها وما الذي سيتلاشى. كانت في البداية قصة طويلة للغاية، كانت رواية قصيرة بحق، ربما بضعف طولها الحالي. لذلك كان يمكن أن يكون من الحماقة بمكان القلق من حيث عدد الحروف لا سيما عندما قمت بحذف كميات هائلة من النص كانت تحتاج فعليا للحذف.
هل وجدتِ الأمر مقيدا لك، برغم ذلك، وأنت تفكرين في القصة داخل هذه الوحدات الصغيرة للنص؟
ــ كلا، لأن هذا أمر ضروري جدا لصالح الصوت نفسه. أعني، أن المنطلق هو أن هذه الأفكار هي أفكار بطلة القصة، التي يجري تسجيلها كجزء من مهمتها في التجسس. ولكنها تأخذ شكل دروس، وفعلا عنوان النص هو دروس مستفادة . وكانت الفكرة هي أنه مع كل خطوة تخطوها البطلة أو كل حدث يحدث لها أو معها، يكون عندها تأمل من نوع ما، له شيء من الخاصية التعليمية. لقد كنت دائما اتخيل مشاهداتها تحدث بهذه الطريقة المتشظية، وهو أمر متأصل في الصوت نفسه.
الصوت صوت امرأة في الثلاثينات يتم ارسالها بسرية للتجسس على إرهابيين محتملين، أو كما تسمينهم في القصة رجال عنف قساة. وهذه المرأة هي في الواقع شخصية من شخصيات روايتك الأخيرة زيارة من فرقة غوون ترى ما الذي جعلك تقررين كتابة هذه الشخصية في قصة جديدة؟
ــ حسنا، إن لرواية زيارة من فرقة غوون خاصية النهاية المفتوحة فبدأت أفكر في الكتابة عن اناس آخرين في فضائها نفسه. لقد جلبت اهتمامي جدا هذه الشخصية التي اسمها لولو، لأنها في فرقة غوون، يجري تقديمها في فصل لا طبيعي بالمرة. وربما قدر تعلق الأمر بـ فرقة غوون أنها تغرق في عالم سريالي، بدا وكأنه يخلق إمكانية استخدامها بطريقة أزيلت كليا من المذهب الطبيعي. ولولو هي في الرواية، نوع من الأطفال، تتصف بالقوة الفائقة وبطريقتها المذهلة بالاقناع. ثم نراها في وقت لاحق وهي ما تزال قوية ومقنعة ولكنها ما تزال يافعة أيضا. لذلك، كان السؤال الذي يدور في ذهني هو ما الذي يعنيه لها مستقبل صارم؟ وما يمكن أن يحدث لها؟ وجدت نفسي مشغولة بها وفي وقت مبكر من ذلك كنت أستشعرها وأحس بها لو كنت مكانها أنا الكاتبة وأرسلت إلى مقربة من البحر الأبيض المتوسط، للقيام بعمل تجسسي من نوع ما.
زمن القصة هو ثلاثينات هذا القرن. ما الذي جعلك تختارين هذه الفترة الزمنية؟ أهو لمجرد تعزيز عمر لولو في الرواية؟
الحقيقة أن عمر لولو فرض ذلك. وهذا ما انتهيت اليه في كتابة حول المستقبل في فرقة غوون. لم يكن ذلك هدفا محددا البتة، ولكنني كنت مهتمة جدا في النظر إلى الناس عند نقاط مختلفة في حيواتهم، ورؤية كيف يمكن لبعض الصفات التي قرأت عنها في عمر بعينه أن تفعل فعلها وتلعب دورها بمرور الوقت. في الكتاب تظهر لولو في عشرينات هذا القرن، في أوائل العشرينات، لذلك لم يكن عندي خيار سوى أخوض في العقدين العشريني والثلاثيني لأنني أردت أن أراها وهي تتقدم في العمر.
في عالم القصة، ما الذي تعتقدين أنه حدث لأمريكا في السنوات العشرين الأخيرة؟
ــ كما تعلمين، من الصعب ان نعرف ما حدث. أعني، أعتقد أن هناك بالتأكيد شعور بأن الارهاب لا يزال يمثل مشكلة، وأن العنف المنسق هو عامل من عوامل أمننا القومي، وأننا واصلنا الكفاح من أجل إيجاد طرق لاختراق هذه الشبكات. وكانت ثمة فكرة جديدة، تتمثل في انتقاء شابات، وإطلاق العنان لهن داخل هذه الشبكات الإرهابية. وأصبحت هذه الفكرة مستودعا أيضا لاعادة النظر في الذكورة والأنوثة، وعلى نوع من الغطاء الذي جرت تسميته بـ فتاة جميلة يمكن أن تعطي شيئا لشخص ما.
هذا صحيح. لذلك يتم تدريب هذه المرأة لترسل سرا لمهمتها، والقصة واضحة جدا حول فكرة أن أنها لا تتلقى أجرا على ذلك، أي أن خدماتها تأخذ شكل تضحية من أجل سلامة البلد، واتي لها صلة وثيقة بالفكرة المركزية للقصة، وهي مفهوم البطولة الجديدة ، الذي من خلاله نتخلص من التزاماتنا الشخصية ونقدم أنفسنا ضحية من أجل سلامة الآخرين. هل تعتقد أن هذا الأمر يمكن أن يحدث فعليا؟
ــ حسنا، لا أعرف. أعتقد أن السبب الذي يجعلها تواصل قبولها الخدمة دون أن تتلقى أجرا عليه، هو نوع من تذكير نفسها بضرورة أن تنام مع هؤلاء الرجال. وأن تذكير نفسها بأنها لا تتلقى أجرا لقاء نومها مع الرجال هو في حد ذاته تذكير لنفسها بأنها ليست عاهرة ــ وهذا ما يجعلها تميز بين الواجب وبين الدعارة. أما فكرة البطولة الجديدة فقد تكون نوعا من الخيال بالتمني من جانبي. ولكن، من ناحية أخرى، إذا تحدثت الى أي شخص في المؤسسة العسكرية، ستجدين أن هذه الطريقة هي إلى حد كبير جدا الطريقة التي يفكر بها العسكر. انهم لا يفكرون في الحراك الفردي بقدر ما يفكرون بحراك الوحدة العسكرية والمجموعة العسكرية. أعتقد أنني كنت أتصور أن من شأن هذا النوع من العقلية الجماعية تصفية الثقافة بشكل عام. هذا على الرغم من أن البطولة الجديدة، كما تقدمها القصة، توضح أن فيها نوع من الفجاجة الكامنة، يحيث تجعل الحياة أصعب لهذه الشخصية في اتجاهات عدة. من هنا فالمسألة ليس مجرد فكرة وجود تفكير جماعي مثالي. فثمة قسوة أيضا نجدها في ذلك التفكير الجماعي.
ولكن تحت ستار التجسس المثير، يمكنني القول أن هذه القصة هي قصة فلسفية أيضا.
ــ هذا هو الأمل دائما. ما أعنيه أنني لا أفكر بوعي عال بذلك في أثناء الكتابة، ولكن ما يجعل شيئا ما مثيرا للاهتمام بما فيه الكفاية لمتابعته هو دائما شعور بأن هذا الامر يكشف عن مستويات عدة في آن واحد. وأفضل سيناريو هو ذلك الذي فيه لا اضطر إلى النظر بتأمل عميق في ماهية تلك المستويات ــ ما أفعله هو مجرد أنني أشعر بهذه المستويات تظهر وتحدث. ولكن هناك مستوى واحد كنت على بينة منه وكان يبث السعادة بي وهو الرابط الأسطوري. أعني، ان البطلة كانت في منطقة البحر الأبيض المتوسط، وكانت لديها تعزيزات جسدية تمنحها صلاحيات استثنائية، وهناك ذكر واضح لحقيقة مفادها أنها في صغرها احبت قراءة الأساطير. وأنا أحب الشعور، في هذا الجو المستقبلي، بارتباطي بتلك القصص القديمة. لذلك كان هذا هو المستوى الذي أدركه وألمّ به. ونعم، الشعور بنوع من الجدل الفلسفي النابض حاضر في ذلك المستوى أيضا.
يبدو لي أن قصة الصندوق الاسود لها مشتركات ثيمية مع روايتك انظر في وجهي التي تعالج أيضا التحول الجسدي لامرأة بعينها ومفهوم الإرهاب والهجمات المخططة ضد أمريكا. هل تعتقدين أنك استعرت بوعي وقصد بعضا من ثيمات تلك الرواية؟
ــ كما تعلمين، فلقد كنت منذ البداية وما أزال مهتمة للغاية بموضوعة الإرهاب. روايتي الأولى تدور حول هذه الموضوعة أيضا، وأعتقد أن أحد أسباب اهتمامي الشديد بموضوعة الإرهاب هو أن لدي اهتمام بالغ وعمق ــ وهو من أعمق اهتماماتي ــ بثقافة الصورة وكيفية عملها. والإرهاب ظاهرة ثانوية تنشأ عن ظواهر أخرى ضمن ثقافة الصورة. انها شكل من أشكال العنف الذي غالبا ما يعمل من خلال الارتجاع. أعني، انها ليست كما لو أننا أمام كارثة مركز التجارة العالمي وهو يفجّر، وبطبيعة الحال ما يستتبعه من خسائر فادحة في الأرواح، ولكن اذا نظرت الى حجم التأثير، تجديه يوقف إلى حد كبير على انتشار وسائل الإعلام. لذلك أعتقد أن هذا المعنى لثقافة الصورة كعامل من عوامل الإرهاب الحديث كان مفتاح دخولي للاهتمام بهذه الموضوعة، وبطبيعة الحال، مع تحول تلك الثقافة إلى أن تكون يوما بعد يوم عاملا مهما من عوامل حياتنا في أمريكا، بدأ اهتمامي به يتعمق مع الوقت.
أنت تلعبين أيضا على مجازات، فتنتقلين من الاثارات التجسسية إلى قصص جيمس بوند. هل أنت من محبي تلك الأعمال؟
ــ نعم. أنا أحب هذا النوع الأدبي القائم على الإثارة عموما. أحب قصص الجريمة والمغامرات. وربما كانت عندي خبرة عنها من خلال الأفلام أكثر منها من الكتب، ولكنني ما زلت أتذكر بعض قصص الرعب المثيرة التي قرأتها في طفولتي وتركت عندي أثرا كبيرا. أقول عندما يعيش الناس جميعا هذه الأمور التي تبدو خارقة لقوانين الطبيعة، ينهض على الفور سؤال يتبعه سؤال أهم يتخيلون ذلك فقط؟ وما معنى تخيل ذلك؟ وما هي حقيقة أن يقوم شخص ما بتخيل هذا القول أو ذاك عنا وكيف نتفاعل داخل الثقافة؟
إذن فانت تودين أن تكوني الكاتبة التي تتخيل الشخصية التي تتخيل القصة؟
ــ نعم هذا بالضبط ما أسعى إليه.
المصدر نيويوركر.
/8/2012 Issue 4273 – Date 9 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4273 التاريخ 9»8»2012
AZP09