المسرح المدرسي وعودة الروح

Print Friendly

المسرح المدرسي وعودة الروح
القراءة والكتابة لا تكفي لصنع ذائقة التلاميذ
أسعد مجيد
بدأت بواكير المسرح المدرسي في مصر على يد عبد الله النديم، حيث ادخله إلى المدارس المصرية منذ عام 1879 وكان ذلك بالإسكندرية، حيث أنشأته الجمعية الخيرية الإسلامية هناك وكان اول ما درس فيها الإنشاء والخطابة والأدب، واخذ النديم يدرس الطلبة على الخطابة والتمثيل. وكان في مسرحياته ينتقد عيوب المجتمع، كالجهل، ثم أنشئ أول مسرح في المدارس المصرية في مدرسة الخديوية عام 1922 وأقامه محمود مراد مدرس التاريخ. وقام فريق من الرواد بإنشاء فصول تجريبية بمدارس الأورمان عام 1932 ثم بمدارس حدائق القبة عام 1939 التي كانت علامة مميزة للنهوض بالمسرح المدرسي. ثم انتقل المسرح المدرسي إلى الدول العربية الأخرى عن طريق الطلبة الذين درسوا خارج العراق. وكان أول ظهور للمسرح العراقي عن طريق الكنائس في الموصل ثم بعد ذلك انتقل إلى المدارس. فلذلك كان المسرح مؤسسة تربوية ودينية واجتماعية في بداية ظهوره.
ان المسرح المدرسي يمكن ان يكون احد العوامل الرئيسية في تحقيق الكثير من الأهداف التربوية وخاصة العامة والفلسفية منها عند الطلبة. كما ان الكثير من المفاهيم الأساسية والقيم الأخلاقية والدينية والوطنية يمكن ان تتحقق وتنمى عند التلاميذ من خلال المسرح المدرسي سواء من خلال النص المسرحي او العرض المسرحي بكل حلقاته ومتغيراته ومكوناته. إلا أن هذه المفاهيم لا يمكن ان تتحقق إلا من خلال التخطيط الدقيق والتنفيذ السليم العلمي على خشبة المسرح حتى يكون له دورا مؤثرا على الطلبة. هذا فان النشاط المسرحي هو بطبيعته فن تطبيقي يستلزم مجموعة من المهارات فان درس الرياضة المسرحية يحتل مكانة مهمة في مناهج التدريس الأكاديمي للمسرح.
نستخلص من هذا كله إلى ان النشاط المدرسي يتميز بخاصة فريدة هي قدرته على استيعاب معظم جوانب المعرفة المتعلقة بالتعليم فضلا عن قدرته على تحفيز وتنمية الحس الجمالي والذوق الفني لدى التلاميذ فان النشاط المسرحي يحفز الطالب على اللعب والتمثيل باعتبارهما مرتكزين جوهريين في التربية الهادفة.
يجب ان تخضع الأنشطة المدرسية إلى معايير حتى تكون مؤثرة بالمتلقي، ذلك لان العمل الفني ما هو في النهاية إلا تبادل خبرة بين الفنان من جهة وبين الجمهور، والخبرة بمعناها الواسع تتضمن معلومات، وانفعالات ووجهة نظر واتجاهات عقلية، سواء كان في مسرحية او رقصة إيقاعية او موسيقى او لوحة، فيجب هنا ان نعتمد على عدة معايير ــ
المعيار التعليمي
منذ ظهرت أوجه النشاط المدرسي في القرن الماضي على شكل فعاليات خارج المنهج، وجد الباحثون والمربون ضرورة تحديد موقع النشاط المدرسي من العملية التعليمية ككل، فساد الاعتقاد بأهمية مسايرة النشاط المدرسي للمنهج الدراسي وتوثيق صلته به باعتبار المقررات المدرسية التي تعطى للتلاميذ في المدرسة تمثل الجانب النظري، في حين يمثل النشاط المدرسي له المجال التطبيقي والمكمل للمواد الدراسية المقررة، وهذا ما دفع فرتويل إلى التأكيد على الصلة الوثيقة بين النشاط المدرسي والمنهج الدراسي بقوله ينبغي ان تنبعث المناشط خارج المنهج من مناشط المنهج وتشق منها ثم تعود اليها لكي تغذيها وتنميها .
فنستخلص من هذا إلى ضرورة تحقيق الربط والدعم بين الأنشطة والفعاليات الفنية وبين مقررات المنهج الدراسي بغية تحقيق النمو المتكامل للتلاميذ من جميع النواحي.
هذا فضلاً عن ان علم النفس يكشف لنا عن حقيقة هامة تتعلق بالتعليم، مفادها انه كلما ازداد عدد الحواس التي يمكن استخدامها في تلقي فكرة معينة، أدى ذلك إلى دعمها وتقويمها في ذهن المستقبل. وتشير بعض الدراسات إلى ان 98 من معرفتنا نكسبها عن طريق حاستي البصر والسمع فان استيعاب الفرد للمعلومات يزداد بنسبة 35 عند استخدام الصورة والصوت، وان مدة احتفاظه بهذه المعلومات تزداد بنسبة 55 والمسرح بسبب الكلمة المسموعة والصورة المرئية يعتمد على حاستين هما السمع والبصر وهما تستقبلان الصورة والحركة واللون والصوت، وهذا ييسر للطفل استيعاب أتم وأكمل فالمسرح بخصائصه هذه يمكن ان يصبح من اقدر وسائل الاتصال على تحويل المجردات إلى محسوسات، وخاصة ان الأطفال اقدر على ادراك المحسوسات من إدراكهم للمجردات.
المعايير الجمالية
وهذا يعتمد على ثلاث نقاط مهمة في العرض المسرحي وهي البناء الدرامي واللغة ومكملات العرض المسرحي من ديكور وأزياء وموسيقى.
فالبناء الدرامي يعتمد على النص المسرحي وكيفية بناءه، فالنص المسرحي يتكون من بداية ووسط ونهاية، وتتخلل هذه المراحل أحداث وهذه الأحداث توصلنا إلى الحل. ولا يمكن شد الطفل نحو العرض المسرحي إلا إذا كانت هناك إرهاصات تشد الطفل، لان الطفل جانب متحرك في الحياة فمن الصعوبة شده للعرض المسرحي بدون جمالية العرض المسرحي سواء كان ديكور او أزياء. فيجب ان تكون التكوينات خارج المألوف وذلك من اجل ان نوصل الفكرة إلى التلميذ بكفاءة الوسائل، فاللون له تأثير على الطفل بشكل تلقائي فيجب ان يكون استخدام الألوان على المسرح بشكل مدروس وعلمي، فاللون في علم النفس يعبر عن الشخصية فكل لون له تأثيره النفسي على الشخص، فعلماء الالوان يؤكدون على استخدام الألوان التي تدخل الفرح والسرور لدى الطفل.
فالجمال على المسرح له تأثير فعال في المتلقي. فهنا يمكن استخدام أجهزة الإنارة في التأثير على المشاهد من خلال التأكيد على حدث من خلال الإنارة في المسرح، فالمزج بالألوان من خلال الإضاءة له دورا فعالا في عملية شد المتلقي إلى الحدث بصورة غير مباشرة فهنا يجب ان تستخدم الوسائل بطريقة علمية ونفسية مدروسة. لان الطفل جانب متحرك في الحياة.
المعيار الأخلاقي
ان كل مسرحيات الأطفال تقريبا تقوم على المثاليات كالإخلاص والشجاعة والأمانة والبطولة والعدالة. ولما كانت هذه المثاليات تتجسد في شخصيات يحبها الأطفال، وتستأثر بمشاعرهم من خلال موضوع المسرحية التي يتصارع فيها الخير والشر. لذلك كان من الضروري ان يتمخض هذا الصراع عن شيء هام وإثارة المشاعر النبيلة لدى الأطفال له قيمة لا يستهان بها. ولقد ثمن المفكر والكاتب العالمي المشهور مارك توين الأثر الأخلاقي لمسرح الأطفال حين اعتبره أقوى معلم للأخلاق وخير دافع إلى السلوك الطيب، وان كتب الأخلاق لا يصل تأثيرها العقل وقلما تصل اليه بعد رحلتها الطويلة الباحثة، ولكن حين تبدأ الدروس رحلتها من مسرح الأطفال فإنها لا تتوقف في منتصف الطريق بل تمضي إلى غايتها .
وعلى هذا فان فترة الدراسة الابتدائية تنطوي على مرحلتين من مراحل الطفولة، وهما مرحلة التخيل ومرحلة البطولة. فمنهم من يجد في القصص الخرافية مادة خلابة لعقولهم فيتصور الطفل في هذه المرحلة ما يتصور حسب طاقته الذهنية.
المعيار الفكري
يعتمد المعيار الفكري على المعيار السياسي. لا يمكن القول بان المسرحيات تتناول موضوعات سياسية بالمعنى الاصطلاحـي لكلمة سياسة ولكن تتعرض في بعضها إلى مفاهيم سياسية تختفي خلف قناع قصصي يتفاوت حظه في الإيحاء والتوصيل من مسرحية إلى اخرى فالمعيار السياسي له دور مهم في تنمية الطفل على حب الوطن والانتماء. فهنا يمكن ان ندخل الجانب التعبوي في ايصال الفكرة إلى الطفل. فانطلاقا من المفاهيم الوطنية يمكن التأكيد على جمع الصف الوطني وحفظ التنوع الفكري، وتنظيم الحياة والعلاقات الاجتماعية على أسس جديدة وإنسانية ونبذ الفتن وتعميق أهمية العمل وبناء الوطن وقدسيته من خلال المسرح. فمسرحة هذه المواضيع تؤدي إلى زرع في نفوس الطلبة حب الانتماء إلى الوطن والارض فالمعيار الفكري هو الأساس في تحفيز الشخص على بناء وطنه والانتماء اليه.
الإخراج المسرحي
الإخراج المسرحي له الدور الأساسي في إنضاج النص المكتوب إلى محسوس على الواقع، فهنا يجب على المخرج المسرحي ان يأخذ بنظر الاعتبار قابلية التلاميذ على أدائهم عند اختياره للنص المسرحي، شرط ان لا تتجاوز مدة عرض النص المسرحي عن 15 ــ 20 دقيقة وذلك حدد هذا الزمن حسب الدراسات العلمية لا يمكن للطفل ان يقف على المسرح أكثر من هذا الوقت. فمهمة المخرج المسرحي المسرحي يبدأ بخطوات وهي ــ
قراءة النص عدة مرات.
استخراج الفكرة الأساسية من النص وشرحها للطلبة.
تفسير الشخصيات في النص المسرحي للطلبة.
توزيع الأدوار على الطلبة حسب قابلياتهم.
إعطاء المساحة الأوسع للطلبة في الأداء ثم بعد ذلك يقوم باكتشاف طاقاتهم وتطويرها.
الأخذ بوجهات نظر الطلبة بالعمل المسرحي مما يؤدي إلى حبهم للمسرح.
حث الطلبة على التفاعل على المسرح.
إعطاء الطلبة حرية الحركة على المسرح ثم يبدأ بإعطاء الجمالية في الحركة من خلال توجيههم.
أهمية المسرح المدرسي في التربية والتعليم ــ
فالمسرح المدرسي هو نموذج أدبي فني يحدث تأثيرا تربويا في المتلقي معتمدا على عدة عناصر تلعب دورا مهما في نفوس الطلبة تتخلص كالأتي ــ
يثري قدرة الطالب على التعبير عن نفسه وبالتالي قدرته على التعامل مع المشكلات والمواقف.
يعلم الطالب التعامل مع المواقف الحياتية المختلفة ويطور مهارات القيادة والمشاعر الإنسانية.
الثقة بالنفس وتقوية روابط الصداقة.
تعزيز القيم والعادات النبيلة وتقويم الأخلاق.
تنمية الحواس وتطويعها عند الحاجة.
تعريف الطالب بالآخرين وتفحص شخصياتهم وهي نوع من الفراسة.
تبسيط المواد الدراسية عن طريق مسرحتها بأسلوب مشوق.
شعور الطالب بالمتعة مما يشجعه على الإقبال للمدرسة.
جمهور المسرح المدرسي ــ
المرحلة الابتدائية » مرحلة الخيال من 6 ــ 12 سنة وتكون المسرحية ذات فكرة بسيطة، ويغلب عليها الخيال ويجب ان تكون تربوية لها امتداد للمنهج العلمي من اجل تنمية قدرات الطلبة.
المرحلة المتوسطة » وهي مرحلة المغامرة والبطولة من 13 ــ 15 سنة، وهنا يمتزج فيها الحقيقة والخيال وفيها حكايات من البطولة مثل الشجاعة والحق والانتماء والتعاون والابتكار والثقة بالنفس.
المرحلة الإعدادية » وهي مرحلة بناء الشخصية والاتجاهات من 16 ــ 18 سنة، وتعد هذه الفترة من اهم مراحل الحياة وفيها تتبلور الشخصية وتكتسب خصائصها الحياتية المقبلة وهذه المرحلة تقوم الطالب وتغذيه مفهوم الثقافة بكل مفاهيمها والانتقال بتفكيره إلى البحث والمناقشة والوصول إلى علل الأشياء. وفي هذه المرحلة يجب إعداد الطالب، لذا يراعى في المسرح المدرسي أهتمامه بتأهيل الطالب إلى كيفية التفكير في مستقبله لذالك فان المسرح هو الوسيلة المثالية لإيصال هذه الأفكار على مستوى كافة المراحل من اجل تنمية قدراته الفكرية عند دخوله إلى المرحلة الجامعية.
الخاتمة ــ
والحق إننا نفتقد كل الافتقاد للدراسات في مجال المسرح المدرسي، فلا بد ان تكون لدينا دراسات علمية، ولكن يجب ان نستفاد من تجارب العالم في مجال المسرح المدرسي. وهنا على المؤسسات التعليمية ان توجد دليل للنشاط المدرسي يعين الكادر التعليمي على تنفيذ مختلف الأنشطة المدرسية والجامعية.
ويتخلص الأمر أولا وأخيرا في كيفية خروج مديرية النشاط المدرسي من قوقعتها بالتوجه نحو الخبراء في حقل الاختصاص لإعداد دراسات ميدانية والخروج من الأسلوب التعبوي إلى الأسلوب التعليمي وليس الاعتماد فقط على المهرجان لكي تستفاد شريحة اكبر من الطلبة لمشاهدة العروض المسرحية.
/8/2012 Issue 4268 – Date 4 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4268 التاريخ 4»8»2012
AZP09