التوظيف البنيوي والتفكيكي في توصيل النقد للطلبة

Print Friendly

الإستناد إلى المناهج

التوظيف البنيوي والتفكيكي في توصيل النقد للطلبة

نجاح هادي كبة

بغداد

تمهيد :

شهد القرنان التاسع عشر والعشرون ظهور مناهج نقدية جديدة كالنقد البنيوي والنقد التفكيكي .

ان الأخذ بهذين المنهجين النقديين في توصيل مادة النقد الأدبي للطلبة لاسيما لطلبة المرحلة الاعدادية زيادة على المنهج النقدي القديم اصبح حاجة ماسة لزيادة تحصيل مادة النقد الادبي لدى الطلبة واثراء قابلياتهم التذويقية والأدبية والبعد عن الاسلوب الاستاتيكي في تحصيل مادة مهمة واساسية هي مادة النقد الادبي التي ترسم ملامح الناقد بالمستقبل وبما يلائم مستوى الطلبة العقلي والعمري.

وبناء على ذلك يتوجب على المدرس ان يأخذ بيد طلبته للتسلح بالعدة التي تؤهل في تنفيذ الدرس النقدي ، فالمادة الادبية النقدية لاتخضع لمعايير ثابتة كالمواد العلمية من رياضيات وكيمياء وفيزياء وغيرها بل تخضع لتنوع المناهج النقدية ومعاييرها ، مما يؤدي الى فهم أوسع للأدب بنوعيه الشعر والنثر وضروبه المختلفة من مسرحية وقصيدة وقصة ….. الخ .

- اشارات الى النقد البنيوي :

رأى رولات بارت (1980- 1915) وهو من ابرز منظري المنهج النقدي البنيوي في العصر الحديث – ان النقد ينبع من داخل النص في ضوء مقولته الشهيرة ” لاشيء خارج النص ” ودعا الى الفصل بين المؤلف والنص الذي يؤلفه اسماه ” بموت المؤلف” ، لان المؤلف – كما رأى بارت – يقف في علاقته مع كتابه موقف الاب من طفله ، ولايمكن ذلك لان النص فضاء لابعاد متعددة تتراوح فيها كتابات مختلفة ، وتتنازع من دون ان يكون أي منها أصليًّا ، فالنص نسيج لأقوال ناتجة عن ألف بؤرة من بؤر الثقافة ولا وجود لزمن آخر غير زمن التعبير ، فالنص يرفض توقيف المعنى ، وهو رفض للقانون الثابت (2) فبارت يرى : ” وجود علاقة بين الأثر وشيء اخر غير الأثر ” (3) . ويكشف النقد البنيوي عن طبيعة الترابط الداخلي للوحدات المكونة للبنية ، وهذا ما يعطيها القدرة على وجود مختلف المجالات ، وذلك بالقيام بعملية فرز او عزل للعناصر المكونة للبنية ووصفها وصولا الى رصد طريقة الكشف عن طبيعة المعنى ، فالكشف عن البنية هو كشف عن الإنسان وتعقيدات الذهن الإنساني ، والوصول الى تحليل مكونات النسق ، والكشف عن بناه الأساسية . (4)

وبناء على ماتقدم تتضح معايير النقد البنيوي الذي يركز في :

1.         إن المؤلف تنتهي مهمته عند طرح موضوعه داخل النص ، ويكتفي بتسجيل اسمه على غلاف كتابه ، وان على الناقد الرائي ان يكشف البؤر المخفية في النص الأدبي ويقوم بتحليلها وتأويلها .

2.         إن بنية النص تتألف من وحدات ، وهذه الوحدات هي من خلاصة تاريخ الذهن البشري جمعت في النص ولا داعي لدراسة ماهو خارج النص كالتاريخ واثر البيئة ، لذلك فالبنيوية تسقط التاريخ والسيرة من المبدع ولا تجعل لها أثرا ، وانما الأثر في بنية النص .

3.         إن بنية النص المركبة يمكن تحليلها الى وحدات ، وفي حالة تجميعها وتركيبها مرة أخرى لايطابق تركيبها النص المركب الأصلي ، ومعنى ذلك ان النص الأدبي حين يفسّر ويحلل ثم يركب يعطي تأويلا نقديا آخر .

ولا بد من الاشارة الى بنيوية سوسير الاشارية (1857-1913) – وهو من مؤسسي البنيوية في العصر الحديث ، اذ تربط الفكرة مع الصورة الصوتية ، وليس بين الشيء والتسمية ، ولايقصد بالصورة الصوتية الناحية الفيزيائية للصوت بل الصورة النفسية للصوت أي الانطباع او الاثر الذي تتركه في الحواس (5) وفي ضوء النقد البنيوي الاشاري جعل سوسير للغة جانبين أحداهما قريب تلازمي والآخر بعيد تلائمي ، فالمعنى التلازمي لكلمة (علم) مثلا تشمل : تعليم / مدرسة كتاب …. الخ ، اما المعنى التلائمي فيشمل : تسليح/ تقدم ….. الخ .

وعن طريق ماتقدم ان على المدرس ألا يقع اسير ماقاله المؤلف وقرّره وانما يجب عليه ان يؤول ماقاله المؤلف في النص الادبي على وفق جانبي اللغة التلازمي والتلائمي وعلى وفق شعور المؤلف ولا شعوره ، فينطلق في تحليله النقدي الى فضاءات واسعة مستنبطا مالم يقصده المؤلف ، مثلا: حينما يبدع شاعر قصيدة وطنية يمجّد فيها سجال امته ، هذا التمجيد لايخلو – على رأي البنيويين – من تأويل يكشف المطمور وراء كتابة القصيدة ، فقد يعاني الشاعر من انكسار نفسي لانتكاس امته ، فجاءت قصيدته رد فعل لذلك ، ان المدرس باستناده الى مناهج نقدية حديثة يطور عملية النقد الادبي ولكن عليه بالحسبان ان يعرف ان المناهج النقدية الحديثة لاتخلو من السلبيات فالنقد البنيوي مثلا ينفي تأثير العوامل الخارجية في النص ومؤلفه ويغلق تفسيره داخل بنية النص بوصفها مستودع للتاريخ والثقافة .

- اشارات الى النقد التفكيكي :

يعد دريدا (1930- 2004) من مؤسسي المنهج النقدي التفكيكي ولاتعد التفكيكية منهجا مثل باقي المناهج ، لانها لاتستمد من المنطق مبادئ التجديد والتقنين ، وانما ” تستند ” الى مبدأ اللعب بالعلامات ، وغاياتها الكشف عن حركة العناصر والعلامات داخل النص ، وهي بذلك تستنتج نصا جديدا هو نفسه قابل للقراءة والتفكيك ايضا لانها تعمل في مجال لغوي ذي طبيعة استعارية او مجازية عامة ….

لان اللغة لايمكن لها ان تقول الحقيقة مطلقا ، لان الحقيقة أصلا لامجال لذكرها وهي بذلك تحطم إحدى ثنائيات فيردينان دي سوسير (ت: 1913) وهي ثنائية الدال والمدلول ، فترى ان الدال لايمكن ان يتطابق مع المدلول (2) .

 – المفارقة بين البنيوية والتفكيكية :

فالتفكيكية تختلف عن البنيوية من ان التفكيكية تستغرق في المعنى الى ما لانهاية ، وليست هناك نهاية للمعنى أو حدود معلومة ، في حين ان البنيوية تقف الى حد معين تراه ملائما لتفسير المعنى ، فالتفكيكية تهدم او تهشم المعاني التي تاتي بها البنيوية او غيرها من المناهج النقدية في ساحة من الألعاب الى ما لانهاية ” ان مايؤكده التفكيك ويستحيل عنده الى هدف هو ان الخطاب ينتج باستمرار ، ولايتوقف بموت كاتبه ، ولهذا يدعو الى الكتابة بدل الكلام لانطوائها على صيرورة البقاء بغياب المنتج الاول … انه الاشتغال على ثنائية الحضور والغياب في ضوء فهم جدلي عميق للعلاقة بين هذين المستويين في جسد الخطاب … التفكيك يوقد الجرأة في العملية النقدية ، ولهذا يمكن القول انه سلطة حاسمة ويضيف دريدا انه يولي القراءة النقدية ، او البناء النظري اهتمامه جلة ” (1) .

وفي ضوء ماتقدم فان المنهج النقدي التفكيكي يركز في :

1.         إنه ليس هناك حدود تأويلية ثابتة للنص الأدبي فمهما أمسك الناقد بالتأويل والابتعاد عن التمركز في العقل والمنطق وسلطة المؤلف فإنه يبقى مستمرا بالتأويل الى مالا نهاية .

2.         تستند التفكيكية الى التشكيك في النص الأدبي والاستمرار بتأويل المعاني التي تنتجها في متواليات لانهاية لها .

وعن طريق ماتقدم يتضح :

1.         ضرورة استناد مدرس اللغة العربية الى المناهج النقدية المعاصرة والحديثة في توصيل مادة النقد الادبي للطلبة ، لاسيما المنهجيين البنيوي والتفكيكي لان هذين المنهجين يفتقان ذهن المدرس والطالب نحو فهم للمعنى العميق أو المتنوع .

2.         ضرورة الافادة من المنهج النقدي القديم في توصيل المدرس مادة النقد الادبي للطلبة ، لان المنهج النقدي القديم يهتم بالشكل والمضمون واللغة زيادة على اهتمام المدرس بالمناهج النقدية المعاصرة والحديثة لاسيما المنهجين البنيوي والتفكيكي .

3.         ان تحقيق مرامي توصيل النقد الادبي للطلبة لاتتحقق من دون الاستناد الى المناهج النقدية الحديثة والمعاصرة لان هذا الاستناد الى هذه المناهج يقود الى الفهم الكلي للنصوص فقد يعالج منهج نقدي معين جانبا من جوانب موضوع معين ويهمل الاخر. ولابد من الاشارة الى ضرورة الاهتمام بمنهج القراءة والتأويل ايضا الذي يمنح القارئ إبداء وجهة نظره النقدية عن النص .

المصادر :

1.         إبراهيم ، عبدالله واخرون ، معرفة الآخر ، مدخل الى المناهج النقدية الحديثة، لبنان – بيروت ، ط1 ، 1990 ، ص:115-116 .

2.         بارت ، رولان ، نقد وحقيقة ، ط1 ، 1994م ، المركز الثقافي العربي ، لبنان – بيروت ، ص: 20 وما بعدها .

3.         التكرلي ، نهاد ، اتجاهات النقد الأدبي الفرنسي المعاصر ، الموسوعة الصغيرة ، رقم: 36 ، منشورات وزارة الثقافة والاعلام ، بغداد ، 1979، ص: 114 .

4.         الخاقاني ، د. حسن ، في النقد الادبي الحديث والمذاهب النقدية ، مطبعة الباقر للطباعة والاستنساخ (ب.ت) 2010م ، ص: 82- 83 .

5.         دي سوسير ،فردينان ، علم اللغة العام ، دائرة آفاق عربية ، بغداد ، 1985م ، ترجمة : يوئيل يوسف عزيز ، ص:84-85 .

اشارة :  المرحلة الاعدادية وهي المرحلة التي تلي الدراسة المتوسطة في العراق ومدة الدراسة فيها ثلاث سنوات وهي على قسمين علمي وأدبي ، وظيفتها اعداد الطلبة للحياة العملية والدراسة الجامعية الأولية .